#فادى_رمزى يكتب: الإشاعة هى الحل

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات

 

حكى الكاتب الكبير الراحل مصطفى امين فى إحدى حواراته التليفزيونية القصة التالية:

كان احد المصورين يقوم بتغطية حفلاً خيرياً تقيمه إحدى أميرات العائلة المالكة فى الأربعينيات من القرن الماضى ... وكان من ضمن الحضور نجمة سينمائية شهيرة، كانت ترتدىى فستانا ثمينا غاية فى الأناقة عارى الكتفين وواسعا بعض الشىء عند منطقة الصدر ... وشاء حظ النجمة أن يلتقط المصور صورة لها بينما كانت فى نفس اللحظة تنحنى لإلتقاط شيئا ما سقط من يدها ... وجاءت الصورة مظهرة جانباً كبيراً من صدرها لم يكن من الممكن أبداً أن يظهر لولا تلك المصادفة.

المصور، فى ذلك الزمان، رأى ان الصورة ستحدث ضجة كبيرة عند نشرها ... حيث انها ليست فاضحة بصورة كاملة وفى نفس الوقت مختلفة عما كان ينشر عادة من صور النجمات فى تلك الأوقات، فقرر ان يدفع بها لصالة التحرير مباشرة بدون المرور على رئيس التحرير، الكاتب الكبير على أمين وقتها، وذلك حتى يلحق موعد الطبع ويضمن وضع تلك الصورة فى المساحة التقليدية المعتادة المخصصة لصور النجمات فى الصفحة الفنية من كل عدد.

فوجىء على أمين، بعد أن تم طباعة نصف الكمية تقريبا، بتلك الصورة بدلا من المتفق عليها، وذلك خلال مطالعته للعدد المطبوع قبل ارساله للتوزيع، وصاح من فرط غضبه لدرجة أن عمال المطبعة قالوا ان الماكينات قد توقفت تقريبا من تلقاء نفسها فور سماع صيحات على امين الغاضبة.

على أمين اصدر اوامره برفد المصور ومدير صالة التحرير المسئول، وان يتم طردهما من المبنى فى التو واللحظة وبلا اى مناقشة، وبالطبع اطاع الجميع أوامره ... خوفا علي انفسهم من الرفد وعليه ايضا من سخونة المناقشة.

أمر على أمين ايضاً باهدار كل النسخ المطبوعة، وطباعة العدد مرة اخرى بدون تلك الصورة، وكان هذا يكلف الصحيفة اموالا طائلة تتعدى قيمة الورق المطبوع، فالعدد لن يلحق مواعيد التوزيع وبالتالى لن يجده القارىء فى الوقت المعتاد، وقد يكلف الصحيفة ايجار عربات خاصة لايصال العدد لاماكن معينة بعد ان فاتهم مواعيد القطارات التى كان يتم ارسال النسخ بواسطتها.

على أمين لم يبال بكل هذا وتكلفت الصحيفة ما تكلفت ونزل العدد الاسواق متأخراً ... ولكن كان رد فعل الشارع المصرى مثيرا للدهشة وغير متوقعا على الإطلاق .. فعند تأخر العدد اطلقت اشاعة بان الحكومة قد صادرت العدد، لوجود خبر ما يفضح فساد الحكومة ... وبالتالى حين نزل العدد تهافت الناس عليه بحثا عن ذلك الخبر.

نتيجة لهذا تم قراءة كل سطر من سطور العدد، وظهرت (إفتاءات) عديدة كل منها يطلق إشاعة ما تؤكد ان الخبر المقصود هو احد اخبار العدد ... فمثلا اخبار حزب الوفد المعتادة صارت تمهيدا لحدوث تغييرات جوهرية فى قياداته، وكذلك بالنسبة للحكومة .. فابراز تصريحات وزير الداخلية مثلا تعنى على الفور انه سيكون رئيس الوزراء المقبل وان الأمر الملكى على وشك الصدور ... وان العدد تم مصادرته حتى يوقع الملك على الأمر قبل أن يكون السبق للجريدة.

أيضا انبثقت (حرفة) قراءة ما بين وخلف السطور، فتم تأويل رأى كاتب ما يتحدث فى مقاله عن لقاء تم بينه وبين احد الساسة، الى نسج قصة حول تدخل سياسى آخر منافس لدى ادارة التحرير، معطلا الطباعة حتى تم الاتفاق على عقد حوار صحفى معه يتم نشره فى العدد التالى.

النتيجة ان الصحيفة حققت ارقام توزيع قياسية لمدة اسبوعين تقريبا ... فكل عدد قد يحمل ما يؤكد إحدى الإشاعات التى انتشرت، فيأتى الخبر الذى تم رفعه فى العدد المشئوم، او يحمل اخبارا مكملة للخبر الخطير الذى تم وضع الرهان عليه.

والطريف أنه مع الوقت انتشرت شائعة أقوى بأن الخبر الحقيقى تم حذفه لوجود صراع مع السرايا بشأنه، وانهالت الضغوط على مصطفى وعلى أمين، من اصدقاءهم المقربين ومعارفهم الكثيرين، يطالبونهم بالإفصاح عن فحوى الخبر ... وطبعا السر فى بير، ماحدش هيعرفه بعيد عن السامعين.

اقسم مصطفى وعلى أمين انه لا يوجد اى خبر، ولكن كان يضعف من موقفهم السؤال الذى كان يلقى عليهم بعد القاءهم للقسم: (امال ايه كان السبب؟) .. بالطبع كانا لا يجيبان لأسباب أخلاقية اولا حفاظا على سمعة النجمة، ولأن حتى لو صرحوا بالسبب الحقيقى فلن يصدقهما أحد ... فالموضوع وصل لرئاسة الوزراء والسرايا بصورة مذهلة، ولا يمكن ان تكون كل هذه الضجة لتلك الأسباب التافهة، والا فضحت هشاشة النظام وارتعاشه امام اى شائعة.

فالأدهى من كل هذا، والكلام مازال على لسان مصطفى أمين، أن بعض الوزراء استسلموا لبعض الشائعات، والتى كانت تخص نظاق عملهم، وقرروا تعديل بعض القرارات التى كانت على وشك الصدور خوفا من غضب مزعوم للسرابا او لرئاسة الوزراء، كما تقول الشائعة، وخوفا من ان تكون صحيفة أخبار اليوم قد تحصلت على مستندات ما تدين فسادهم او فشلهم، وكانت ستنشر فى هذا العدد السحرى، الذى كان سيشقلب البلد رأسا على عقب."

--

إلى هنا ينتهى كلام مصطفى أمين ... وبالطبع لا نملك سوى ان نتأمل فى هذه القصة لابعد من تفاصيلها المذكورة ... ونضع ايدينا على (أس الفساد) الذى أدى الى حدوث تلك التداعيات ... وهو (غياب الشفافية) اولا، مما يجعل من السهل على المجتمع تصديق اى اشاعة متداولة، فهو لا يجد اى مصدر آخر للمعرفة.

ايضا يأتى (الشك فى استقلالية الإعلام) عاملا ثانيا لتداعى الأحداث هكذا، فاى اضطراب فى منظومة التوزيع، وهو ما يماثل البث الفضائى حاليا، يأول على الفور الى اعتراض "السرايا" على ما يتم نشره من محتوى إعلامى.

أخيرا وليس آخرا تأتى (العشوائية فى منظومة الحكم) عاملا ثالثا مؤثرا ... فبسبب عدم وجود رؤى ومخططات واضحة واستراتيجيات عمل واهداف معلنة ومعروفة للوزارات المختلفة، صار اى وزير يتراجع عن قرارات معينة بسبب إشاعة، ييصبح هاجسه الأكبر الإستمرار فى منصبه فينصاع لاى اشاعة توحى بغضب "ولى النعم" من اداءه ... ايضا يكون المواطن متقبلا تماما لاى اشاعة تدور حول فساد او تخبط او وجود صراعات حول اى منصب ... فالمنظومة الحكومية فى نظر المواطن ليست فوق مستوى الشك ابدا.

قصة طريفة بكل تأكيد ولها ابعاد كثيرة ... وان كان البعد الظاهر هو مدى حرص القائمين على الإعلام على الخصوصية وعلى الالتزام بالحرفية والأمانة المهنية ... فالبعد الأعمق بكل تأكيد هو مدى تأثرنا كشعب بالخلل السياسى والمجتمعى الذى نعانى منه، حتى اصبحنا نرى فى الإشاعة الحل  ... نصدقها اكثر مما نتقبل الحقيقة ... وبالتالى فقدنا القدرة على التحليل المنطقى الذى يوصلنا عادة الى الحقيقة ... واصبحنا نفكر تبعا لأهواءنا الشخصية وتبعا لقناعتنا بعمق تأثير ما يفعله (السفهاء منا) ... فى مجتمعنا وفى بلدنا.

فادى رمزى

(الصورة المرفقة للوحة "الإشاعة" للفنان الأمريكى المصرى الأصل نور الدين مرجان)