بن لادن شيخ المجاهدين

كتب بواسطة: مارك كاسترو في . القسم منوعات

benladen

حينما تبحث الولايات المتحدة الأمريكية عن رجلٍ واحد لمدة تسع سنوات و سبعة اشهر و خمس و عشرين يوما، بل و حينما يعجز اكبر جهاز استخباراتى فى العالم عن الوصول الى مجرد فردٍ ما لما يقرب من العشر سنوات ..

حينها فقط نستطيع القول بأننا امام رجلٍ  بل ظاهرة تتعدى كل الآفاق الطبيعية للبشر ، لتدخل بنا الى حيز الشخصيات الاسطورية ، تلك التى يختلف فى تفسير افعالها المفكرون و الساسة و ذوى الحكمة و حتى رجال الدين ... فهناك من يؤيد خُطاها ، و هناك من ينبذها و لكن يظل الجميع على اختلاف آرائهم منبهرين بقوتها وعجب ما تقوم به.     

ان بن لادن فى رأيى اسطورة بكل ما تحويها الكلمة من معانٍ ... فهو ظاهرة نادرة الحدوث ، ضبابية التفاصيل الى حد الغموض ، متضاربة الأقوال و الأفكار حولها الى حد التشتيت ، و مع ذلك ما لبث ان اصطدم الناس بتوهجها حتى اعترفت بها قوى عظمى كخصم شرس لا يقل خطورةً او دهاءا عن امريكا نفسها...  فهو حقا اسطورة... أن يستطيع رجل ان يرهب قارة باكملها ، بل و يشن حربا شعواء على امّة بأسرها ، انه حقا ليس بالأمر الهين او المعقول ، ان يصير ذلك المجاهد السلفى مصدر رعبٍ لامم و بلاد على مدى عقدٍ من الزمان !!   

حينما علمت بنبأ موته منذ ما يقرب من العامين ، كتبت فيه كلمةَ و لكنى خشيت من عرضها فى ذلك الوقت ، ربما لغرابة الطرح او الزاوية التى اتخذتها مثارا لحديثى ، او ربما لجرأة العنوان حينها ، فلقد افتتحت كلامى بسؤالٍ اجبت عنه طيلة المقالة و هو

"ماذا تعلمت من بن لادن ؟!! "

ربما يندهش البعض من هذا السؤال و لكن لا يخفى على احد اعجابى الشديد بشخصه و هو ما سأقوم بأيضاحه ، و للعلم ايضا و لكى لا تؤخذ علىّ ، فأنا اختلف مع بن لادن عقائديا و فكريا و ايدولوجيا، كما اختلف كلياً مع طريقة معالجته للخطأ، و انما ما يعنينى فى سيرة هذا الرجل هو شىء بعيد كل البعد عن تلك الأمور السياسية او التعاقيد العسكرية التى نشبت بينه و بين دول الغرب و لكنى اريد من القارىء ان يتسع صدره حتى يقفز فوق كل هذه التفاصيل ، متخليا قليلا عن فكرته السابقة لكيما نسبح فى عمقٍ جديد فى حياة هذا الرجل ...

و لو كان لى لوضعت عنوان آخر لتلك الخواطر الا و هو " بن لادن .. حكاية مبدأ "

لقد تعلمت ان ما من شىء نراه حولنا و لو كان حالك السواد الا و يجب ان نثقب هذا السواد بشعاع ضوء ، فمن المؤكد ان سمة شىء جديد سنراه مع وجود الضوء ، بل ربما تتضح لنا افق جديدة ، نيرة ، فاضلة ، كنا نظنها قبلا قاتمة السواد ...

 ان ما اقوم بتدوينه الآن يشبه كثيرا ما حدث بين ريتشارد و صلاح الدين ، فكلاهما قاتلا بعضهما ، لكن الحروب الناشبة بينهما لم تمنعهم من اظهار اعجابهم لبعضهم ، فلا يخفى انبهار قلب الاسد بذلك القائد العربى الذى ظنه فى بادىء الامر مجرد فارس طائش يقود قبائل من الغوغاء . فكلٌ منهم ازداد اعجابا بحكمة و بسالة الآخر !

  ان بن لادن على الرغم من كل ما اقترفه من قضايا ارهاب و قتل للمدنيين ، اراه و من وجهة نظر مختلفة بعض الشىء : رجل مبدأ حتى النهاية !

ان يترك هذا الثرى السعودى كل ما يمتلكه من مليارات و من حياة رغيدة مترفة و  من عائلة ذات اسم و شأن فى المملكة السعودية ليفضل ان يعيش هاربا و مختبئا فى هضاب و صحارى باكستان وسط الفقراء و المعدمين ، فكيف لرجل ان تصل عزيمته الى حد الزهد فى كل ممالك الدنيا دافنا نفسه فى خنادق و جحور الجهاد ، بل و تصل به الجسارة لأن يناطح القوى التى تركع لها معظم دول العالم بل و يقسم على تحرير شعوبه من تحت وطأتها !!
انى اعود و اكرر ، انى اتخطى اى نزاعات سياسية او دينية او عرقية و انما استخلص هذا المبدأ المجرد من حياة شيخ المجاهدين ، فاذا كنا ننبذ اى لون من التعصب يجب علينا ان نمدح الصواب فى اى شخص و تحت اى مسمى .

انا اختلفت مع هذا الرجل فى كل ما فعل ، لكن خلافى مع فكره لم يمنعنى من امجد تلك الصفة المضيئة و الجليّة فى حياته : ان يصبح للمرء هدف يغنيه عن كل مباهج الدنيا بل و يكون مستعدا للقفز معه و لو لآخر المسكونة حتى لو اضطر ان يدفع حياته فى سبيل هذا الهدف ...

فما من شخص فى المنطقة العربية كلها يظهر شفقة على اسرائيل ، بل بالأحرى صرنا نتبارى فى كتابة اشعار منفرة من الدولة الصهيونية ، نهاية القول : كلنا نكرهها ! ... كثيرون يكرهون الخطأ ، و الأغلبية العظمى تستطيع اظهار كرهها بفنون الكلام ، و لكن ما الا قلة قليلة هى التى تمتلك ما يكفيها من الشجاعة لأن تخطو خطوة فى سبيل تصحيح الخطأ .. للأسف !

  ان اسامة بن لادن رغم تعارضنا الشديد مع منهجه ، قد استطاع ان يجعل من كرهه هدفا قويا و عزيمة من نار ، لتجعله يثب من المملكة الثرية و الى البرارى المتقشفة ، و من الحزن القلبي و مصمصة الشفاه الى العمل الجبّار ، القادر على القفز الى المجهول ، الذى جعل منه شيخ المجاهدين و سيدهم !

انها شجاعة تستوجب منا حقا التأمل فيها ، فهو السؤال الذى يطرح نفسه : اين يأتي جهاد كل الدول العربية  جهاد بن لادن ؟؟

 ان الفرق ليس فى مقدار كره الخطأ و انما فى مقدار الايمان بالصواب !
ل
قد احببت فيه حقا تلك العزيمة الصادقة ، القادرة على تحمل المستحيلات ، او بألاحرى القادرة على صنع المعجزات ... ذلك الهدف و تلك العزيمة التى تجعل الانسان بكل جوارحه و بكل ما أوتى من قوة فى قلب العراك ...
 
 فهذا الرجل آمن بما يفعل الى منتهى ، جاهد بكل ما أوتى ، قادته العزيمة الصادقة الى حيث أزهقت روحه ... اختلفنا او اتفقنا ، فسيظل شيخ المجاهدين وجبة دسمة لى على الأقل ، لا يهمنى ما آمن به هذا الرجل و انما ما يعنينى هو مقدار ما ترك لنا من عزيمة لا ترهبها الجيوش و لو تجمعت لابادتها و لا تخيفها القوة العسكرية بقدر ايمانها بهدفها الأسمى حتى و لو تباين من شخص لآخر ...

  قد يستعجب البعض من كلامى و انا اقدّر هذا و لكن ان اعتقادى بذلك الفكر جعلني دائما ما ابحث عن شعاع من الضوء فى وسط العتمة ، فحينما كانت تصلني اخبار اولئك الملتحين الذين يهاجمون هنا و هناك ، و من وسط غضبى الشديد منهم ،  كنت انظر اليهم نظرة اعجاب وتقدير، فهذا الملتحى ظن ان الله يأمره بهذا ، فنفذه بكل بساطة و بدون ان يتأخر عن واجبه ...

ان مثل هذا الشخص ظن انه يقدم عملا عظيما لله فنفذه دون نقاش ، فكان بالأولى الا يحرك ساكنا و لكنه حمل على عاتقه مهمة تنفيذ الوصية الالهية _كما يفهمها هو _ !
   
ان مثل اولئك الناس يمتلكون قلوبا مليئة اخلاصا و طاعة و حب لله ، فقلبهم ينبض شوقا الى تنفيذ اوامر الله و الا لما تحركوا من الاساس .. ان ما يحتاجونه فقط هو تعديل بسيط فى رؤيتهم لتلك الوصية و هو ما نحمله نحن على عاتقنا ككتاب  و مدونين مستنيرين لنجعل من شعوبنا امما مستنيرة.

مارك كاسترو