أغانى مجننانى: الطير المسافر

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

العيد بالنسبة لى هو فرصة للقاء كل قريب من القلب و بعيد عن العين و البال و الخاطر ... و مهما طال سفرنا الداخلى و الخارجى، النفسى و الجغرافى، المادى و المعنوى يبقى العيد هو الصحبة التى نحرص كلنا عليها، و الفرصة التى نتحينها لإجترار الذكريات الحلوة و خلق ذكريات أخرى ولدت لتبقى ... و للبحث عن لحظات دافئة حنونة تعيننا على تحمل ما تلقيه الدنيا علينا من مصاعب و مشاغل و مسئوليات نراها عظيمة.

و بما اننا مسافرون زادنا لحظة لقانا، فلم أجد أحن من هذة الأغنية للتعبير عن هذا المعنى فى العيد ... فالفراق صعب بكل تأكيد، و رسالة العيد تتلخص فى ان نذكر انفسنا ثم الآخرين بأن لنا وطن اكبر بكثير من دائرة مشاغلنا، و احباب اكثر ممن نقابلهم فى دوامة حياتنا الإجتماعية و المهنية المحدودة.

هذة الأغنية بمنتهى الأمانة فشلت فى ان اراها كرسالة من حبيبة لحبيب بعيد عنها، أو من أم لإبنها الندل المهاجر بدون وسيلة اتصال تبرد نارها ... رغم ان الرؤية الثانية هى الأقرب للحقيقة، فقد روى الملحن حسن دنيا فى برنامج إذاعى أن بليغ حمدى فوجىء بأم صديق له ترسل معه جواباً به تراب من مصر لإيصاله إلى ابنها المهاجر، الذى انشغل عنها من يوم ما سافر .. و طبعاً عبقريان مثل بليغ حمدى و الشاعر محمد حمزة لن يفوّتا كم المشاعر المصاحبة لهذا الموقف الإنسانى المثير للشجن ... و بالتالى ابدعا هذا العمل.

و لكن برررضة لم تصلنى هذه المعانى، فدائماً كنت اشعر ان نداءات نجاة فى هذه الأغنية أكبر من ان تكون نداءات ام لإبنها، بل هو رجاء دولة ترسلة لأولادها ... المسافرين بداخلها و الغائبين عنها. تناجيهم أن يتذكروها و يتذكروا خيرها اللى فى ترابها و جمالها الذى تلخصة فى "زهرة من الوادى" ... تطلب منهم ان يلتقوا فى قلبها المشتاق اليهم، فكلهم احبابها و بالتأكيد سيلاقوا عندها احبابهم.

ربما يكون صوت و اداء و شخصية نجاة الصغيرة هم السبب فى ان اميل الى هذه الرؤية، فصوت نجاة يعبر عن قلب الشخصية المصرية بكل ما فيها من دفء و شجن و حنين و انسجام و اصالة و تميز ... صوت يملأ من يسمعه و الكيان المحيط به من اول حرف تنطقه ... فصوتها دافىء للغاية مريح للأعصاب المتوترة و يصفى الأذهان المضطربة، و حتى فى حواراتها الإذاعية و التليفزيونية يصلك نفس هذا الدفء مما يدل على انه نابع من شخصيتها و ليس فقط من حنجرتها ..

هى على بعضها اغنية رقيقة جميلة تحتضنك فى ثانية و تحلق بك فى افاق حالمة تتمنى لو دامت لسنين طويلة، بعد هذه المقدمة الطويلة، نخش بقى فى الأغنية.

"و بعتنا" ... تبهرك باداءها لهذة الكلمة البسيطة، حيث تمد كل حروف الكلمة فتستشعر كل خطوات ارسال هذا الجواب، من مرحلة الكتابة و حتى القاءه فى صندوق البريد الذى تتطلع اليه و هى تناشده بأن يسرّع من عملية الوصول ...  مجهود شاق و كم رهيب من المشاعر افرزتها عملية "البعت" هذه، و إذ بنجاة تلخص كل هذا باداءها البديع لهذه الكلمة.

ثم تقول "جواب و عتاب" .. فى الأولى تنهيدة الأمنية بسرعة الوصول و فى الثانية رعشة الغضب الممزوج بالشوق، ايه كم الإحساس العالى ده !! ... و "تراب من ارض اجدادى و زهرة من الوادى" تلخيص عبقرى من محمد حمزة بدون استخدام معالم مصرية استُهلكت من كثرة استخدامها فى الأغانى. هو اختار ببساطة ما يَحمِلنا و ما يُجمّلنا، مع لمسة من تاريخنا و جغرافيتنا ... البلد كلها بعبقها و شكلها و ما تمثلة لنا، فى جملة قصيرة رومانسية جميلة.

"يمكن" ... احتمالات يائسة تنقلها حنجرة نجاة بارتفاع صوتها و مد حروف هذه الكلمة للتمسك بأى أمل ممكن فى الإتصال القريب ... ومن اداءها الراقى نستنتج ان البعاد قد طال اكثر مما يليق من اللى "هاجر" .. كلمة أخرى تبدع فيها نجاة بمد الألف بكل ما يحمله هذا المد من عمق و ما ينقله من التنوع فى معانى هذه الكلمة. و كأنها تنطقها مثل ام نسألها عن ابنها فتتنهد و تقول "اصله هاااجر".

"أحباب" ... كل مرة تقولها تنقل مشاعر مختلفة، مرة للتأكيد على دوام المحبة، و مرة للتذكير بأنهم، و النعمة اللى إتشاركوا فيها، احباب ... ثم تنهى الكوبلية بصرخة مؤلمة تريدها ان تصل الى هاجرها عابرة كل المسافات، حتى يفيق و يعرف ان الأحباب متواجدين و ما عليه سوى ان يتقدم لإستعادة المشاعر المدفونة.

ثم يأتى فاصل موسيقى ... اشعر ان الغرض منه ان نهضم كل المعانى السابقة و نستوعبها جيداً، ثم يتذكر كل منا من نسوه من احبابه، و يستعيد ذكرياته معهم ... و بعدها يحضر ورقة و قلم و يستعد لكتابة ما ستمليه عليه نجاة فى المرحلة التالية من هذه الرسالة الشديدة الرقة و الحساسية.

"وبعتنا .. وقولنا يا نور عيونا .. ليه بعدت عنا .. وحكايتك ايه .." هنا نجاة تؤدى بأسلوب متماسك و هادىء لأنها كلمات مكتوبة فى رسالة و ليست مسموعة، و هى تحاول الا تعبر عن غضبها بصورة منفرة تقضى على آخر آمالها فى التواصل مع احباءها. هى فقط تسأله "ليه بعدت عنا"، و هذا يعزز، بالنسبة لى، رؤيتى الخاصة بأنها مش مجرد أم حائرة تتساءل و تريد التواصل، فبالتأكيد هذا السؤال به كم من اللوم أكثر من الرغبة فى المعرفة، و بالتأكيد الإجابة المباشرة قد وصلت لها أكثر من مرة قبل السفر ... و لكن السؤال هنا له معنى اشمل و اكبر.

"زهرة قلوبنا .. دبلت ودوبنا .. من غير حبيبنا يرويها ايه؟" مرة أخرى يتمطع محمد حمزة و يفرد معانى عريضة فى كلمات بسيطة و قليلة، كتابة سهلة ممتنعة نشتاق لها كثيراً و لا نكف عن الإنفعال مع جمالها عند سماعها.

"حبايبنا عاملين ايه في الغربة وأخباركم ايه .. مرتاحين ولا تعبانين؟ .. فرحانين ولا زعلانين ؟" هى هنا خرجت عن نطاق التواصل الشخصى بين طرف و آخر، بل وسعت نطاق رسالتها ... و لهذا تعلو قبلها الموسيقى للتمهيد لهذه النقلة، و ذلك حتى يصل الصدى لكافة اركان المعمورة، او بمعنى اصح ... المحروسة. و بعدها تعلو هامة نجاة و تفرد ظهرها و تطلق حنجرتها بالنداء لكل من هجرها و انشغل بنفسه و لم يسأل عنها.

طبعاً بليغ حمدى هنا اضاف لمسات موسيقية تنقل عمقاً أكبر مما تحمله حروف كل كلمة، حتى بعد اداء نجاة الشديد التواصل مع معانيها ... و هو لم يبدأ فى نثر لمساته هذه، فى "حبايبنا عاملين ايه (...) اخباركم ايه"، سوى بعد ترديدها أكثر من مرة، و ذلك حتى يترك لنجاة الفرصة الكاملة لنقل المعنى المباشر للمستمع ..

لكنه شمر عن اكمامه و اطلق موهبته فى الجزء الثانى ... فيكفى ان نلاحظ مثلاً بعد "مرتاحين ولا تعبانين" ان الرق كان بمثابة اداة الإستفهام المكملة و المتممة لكلمات السؤال، و التى تحث الأحباء على سرعة الرد .. و نفس الشىء بعد "فرحانين ولا زعلانين" .. و هذا تنبيه لنا لما سيضيفة على الكلمات كلها فى آخر مرة .. فإبقوا معنا ..

فى الدقيقة 7:47 اضاف ايقاع آخر مع "حبايبنا عاملين ايه" و كأنه بيجر خط تحتها ... يقول ان السؤال هنا مش زى اى "عاملين ايه" فتردوا بـ "الحمد لله" ... بل عاملين ايه بالتفصيل و بكل ما تحمله كلمة "عاملين" من معانى، مادية و معنوية و نفسية و حياتية و عائلية و إجتماعية ... و هذا تمهيد آخر للشطر التالى .. مالهاش حل الأغنية دى ..

"مشتاقين ليكم مشتاقين" ... يهدأ اللحن و تختفى البسمة الخفيفة التى استدعتها كلمة حبايبنا و الذكريات المصاحبة لها، تنقل نجاة الإشتياق على مرحلتين، فى "مشتاقين" الأولى هى تخاطبهم لكى يعرفوا، و فى الثانية تترك قلبها ينطق حروف الكلمة لعلهم يتألمون و يشعرون بعذابها. ثم فى المرة الثانية التى تردد فيها كل الجملة، يرتعش صوتها و تنهار مقاومتها حتى تبلل احاسيها الورقة، و بعدها تنطق الحاء فى "محرومين" بطريقة حارقة للمشاعر البليدة علها تذيبها.

"وابعتولنا .. مع الطير اللى راجع (اوام) .. سلام .. وكلام يمكن يريحنا (ولا يفرحنا) ... ويقول للقلب انه (فاكر) ان له فى بلادة أحباب" ... لمسة أمل اراد الساعر ان ينهى بها الأغنية، رجاء ان يتم التواصل "اوام" يمكن "يفرحنا" كون الغائب قلباً و قالباً لسه "فاكر" بلاده و احبابها ... لكن كيف ادتها نجاة؟

"أوام" مزجتها بتنهيدة بها كل الرجاء و التوسل، و "يفرحنا" مشبعة بإبتسامة صافية من القلب طالعة، أما "فاكر" فقد أكلت حروفها سريعاً، و كانها تنفى عنه تهمة انه كان ناسى اساساً ... لسه هى بتحب حبايبها و بتلتمس لهم العذر، فيه قلب احن من كده؟؟

لو تكلمنا عن لحن بليغ فهو، بإستخدام الناى و القانون مع الوتريات فى المقدمة الموسيقية، اراد ان ينقل البداية الحزينة المفترضة لهذه الملحمة ... ثم اضاف الطبلة و الرق تدريجياً لإضفاء جو محبب للموسيقى، فالموضوع اساسه حب شديد بين كافة الأحباب، ثم يأتى الجيتار ليضيف لمسة مختلفة عن السياق و ان كانت متجانسة معه، فمهما بعدت المسافات و "الثقافات"، إلا ان كافة الأطراف فى قلب واحد.

ثم يستخدم بليغ عبقرى، حمدى سابقاً، احبال صوت نجاة كاداة موسيقية مستغلاً كثافته و عرضه ... و يلاحقها فقط ببعض الإيقاعات المكملة مع لمسات من الجيتار فى الخلفية، مع كلمة "هاجر" خصوصاً، من حين لآخر. و لكنه يظهر حين يريد بكافة الآت الأوركيسترا المصاحبة لعمل فواصل لحنية بين مراحل الأغنية المختلفة كما ذكرت سابقاً.

من الآخر الأغنية نتاج مصنع مواهب شعرية و موسيقية و غنائية، امتزجت فى خطوط انتاجه رحيق هذه المواهب مع كم لا نهائى من المشاعر المرهفة و الأحاسيس الصادقة ... و كان المنتج النهائى هو ما نسمعه الان من فن محترم عميق و مميز و راقى.

أرجو ان نتواصل كلنا مع أحبابنا فى هذة الأيام المفترجه، و ان نتذكر الحب الكبير الذى يجمعنا كلنا و نتلاقى من خلاله .. على الوصال و الوفاء و الدفء و النقاء.

كل عام و كل مسافر عائد و كل حبيب فى الأحضان ساكن ..

كل عيد اضحى و كلنا بخير.

فادى رمزى

أغانى مجننانى: الشوارع حواديت

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

هذه الأغنية سابقة عصرها و عصوراً كثيرة، بشكلها العام و بطريقة اداءها ..

هى سابقة عصوراً لم تأتى بعد فى تاريخ الأغنية المصرية و الأجنبية ايضاً ... فأنا لا أتذكر اننى قد سمعت أى اغنية، عربية او اجنبية، يؤدى شاعرها هذا الدور الدرامى الغاية فى القوة، بينما يأتى دور المغنى أو المغنية مكملاً لأداءه و حتى يبلور معنى الكلمات ... ثم يتصاعد الأداء تدريجياً حتى أنك لا تدرى فى النهاية أهى اغنية لصلاح جاهين بالإشتراك مع إيمان يونس فى الخلفية أم العكس.

أعتقد أن "كتالوج" الأغنية ينص على أن تستمع إليها مرة مركزاً مع صوت صلاح جاهين، ثم مرة أخرى مع إيمان يونس ... و أخيراً مرة ثالثة تغنيها بقلبك و كل وجدانك معهما ..

هى طفرة لحنية من طفرات هانى شنودة، هذا الفنان الذى اراد ان يحطم تابوهات الموسيقى الشرقية حتى ينقلها النقلة التى تستحقها إعتزازاً منه بمكانتها و بإمكانياتها ... و قد اراد من المصريين الفرقة ان يكونوا الأداة و الوسيط، و من المصريين الجمهور ان يكونوا المتلقى المنبهر بمدى معاصرة ثقافته الغنائيه.

يبدأ جاهين مشوارة و هو يتمشى بنا فى شوارع عقولنا و قلوبنا، يأخذ من ذكرياته و يثير بها ذكرياتنا ... يقول: "الشوارع حواديت، حودايه الحب فيها و حودايه عفاريت" ... كلمة عفاريت وحدها بمثابة جملة، بل فقرة كاملة أوجزها فى كلمة واحده ... تعنى الخوف و الرهبة و الذكريات المؤلمة و الحوادث المؤسفة ... كلها عفاريت نخاف منها و بتطلع لنا كلما مررنا على شوارع بعينها.

تنهيدة كبيرة حارقة، غير مسموعة و لكنها محسوسة، يطلقها بعد اول فقرة فيقول: "إسمعى يا حلوة لما اضحكك" ... جملة قالها 4 مرات خلال الأغنية، و كل مرة باداء درامى مختلف تماماً ... و أول مرة قالها و هو يجتر ذكرياته الجميلة البريئة و يتحسر عليها ..

"الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان، كل يوم يضيق زيادة عن ما كان" ... جملتان بهما أكثر من معنى، بل بهما كل المعانى الممكنة ... فيها "الله ده شارع بيتنا" و "ياااه قد ايه اتغير" و "ده احنا كبرنا قوى عليه، كنا فاكرينه واسع و إحنا عيال" ... و هو المعنى الذى جاء فى الفقرة التالية، حتى شبهه بمنتهى السهولة الممتنعه ببطن الأم الذى لن نستطيع الرجوع إليه، فقد خرجنا إلى الدنيا و تركنا الآمان و الحنان و الإحتياجات المتوافرة بدون ان نبدأ فى طلبها أو السعى الشاق لتوفيرها ..

اتذكر اننى حين سمعت الأغنية لأول مرة، كانت فى البوم "بحبك لا" عام 1977، كنت اعيد و ازيد فى هذا الجزء ... كنت انبهر بتداخل صوت جاهين مع إيمان، و تبادلهم للصدارة فى الأغنية. يدخل جاهين اولاً بينما صوت إيمان يحوم كالعصفورة حول كلماته ... ثم أشعر ان تداعى الذكريات قد سبب له الآلام فتوارى قليلاً بينما هى إنطلقت باكية بحنجرتها محتضنة جاهين حتى يتمالك نفسه، و معبرة بدلاً منه عن المعنى الذى يريده فى تصاعد وصل لأقصاه فى جزء "مالناش فيه مكاااان".

ثم يأتى مرة اخرى جاهين و يقول "إسمعى يا حلوة لما اضحك" فى استرسال لا يستطيع أحد ايقافه، فقد تداعت الذكريات مطالبة بحقها فى الظهور على السطح و لو للحظات قليلة ... و يغنى الإثنان لنا و بنا ... و يصلان لكلمة "إتنسى" ... كل منهما يؤديها بطريقة. هو، بإعتبارة صاحب الذكريات، يضغط على حروف الكلمة، يؤلمه نطقها و يشتاق لأيامها، بينما إيمان تنساب الكلمة بنعومة منها، لا تريد ان تزيد من احزانه و فى نفس الوقت هى تريد ان تستكمل نهر الذكريات مشتاقة للمزيد.

ثم "ييجى دور لحظة أسى" و كلمة "دور" هنا تنقل لنا ان الأسى كان مقدراً، فلا يمكن ان تستمر الحياة فى اكرامنا، بل لابد و ان ترينا الجانب الآخر لها ... و هنا تنطلق إيمان للصدارة و تقول "أنا برضة كمان نسيت" و هنا شعرت انها تتكلم عن ذكرياتها هى، و كأنها تقول له "ما تزعلش، العيب مش منك .. كلنا الحياة و صعوبتها كنسوا ذكرياتنا بالمكنسة".

"إسمعى يا حلوة .. لما أضحكك" و جه وقت الفرفشة ... ظهر هذا بأداء جاهين، الإبتسامة تعلو وجهه و هو يستعد لحكاية قصة غرامه ... فى شارع اوله بساتين و آخره حيطه سد. قصة غرامه السرية اللى كان فيها "فرحان أوى" .. و "اوى" هنا حدوتة لوحدها ابدعت إيمان يونس فى نقلها، فهى ادتها بنبرة بها لمسة حزن، لأنها تعرف ان "الأوى" هذه كانت القمه التى جاء بعدها الإرتطام بقاع صلب شديد الإنحدار ... دفعهما إليه من وضعوا للحدوتة "حد" ... و تصرخ من قلبها حين تقول "حد" و كأنه حد سكين مزق بقسوته القلبين.

"إسمعى يا حلوة .. لما أضحكك" ... زادت الضحكة، فهو يصرح لها بحبه أخيراً ... يكشف لها عن إعجابه بكل تفاصيلها حتى "ديل حصانها الوجيه" ... و كلمة وجيه هنا تنقل فى ثانية معانى الشياكه و القدم و الأصالة، فهى كلمة غير مستعمله حالياً، و لكنها تعطى احساس بزمن ميلاد هذه الذكريات، و الذى كان يتسم بكل الوجاهه و الشياكة.

"بس لازم نستميت" ... جابها منين "نستميت" دى؟؟ كيف تعبر كلمة بسيطة عن شراسة دفاعه عن حبه بعد ان وجد ان طريقهما واحد، و بعد ان مر بتجربة سابقة وضعوا لها "حد" ؟؟ ... يمد فى حروف الكلمة و اشعر به ممسكاً ليدها بقوة، و بدورها إيمان تطلق اكثر احبالها الصوتية حده، لتصرخ بها فى آذان من يريد تهديد هذا الحب ... الوجيه.

ثم بعد ان يكتسب القوة يقول لنا "حوداية الحب فيها" و هو يغير من اداءه لـ "الحب فيها" ... بمعنى "مش قلت لكم الحب فيها"، و كأنه يعلن لنا عن فرحته بحبه ... ثم يقر مرة اخرى بوجود العفاريت، و لكنى شعرت ان قراره النهائى بأن يترك فقط حواديت الحب ترعى فى ذكرياته و تنعش قلبه و عقله.

"و إضحكى يا حلوة لما اسمعك" ... إختلاف وضع الفعلان ينتمى للأسلوب السهل الممتنع الذى يميز موهبة، بل عبقرية، جاهين ... فهنا هو يطلب منها ان تضحك عندما تسمعه، فالحياة مش ناقصة حزن ... و ايضاً ينقل لنا انه قد تخطى مرحلة كسب ودها و إكتساب إهتمامها، عندما كان يقول "إسمعى يا حلوة لما أضحكك"، فهم الآن حبيبان، يتمتعان بكل الكلام ... و يضحكان تاركين العفاريت فى حالها.

ثم تأتى أحلى و اعذب "لا لا لا لا لا" يمكن ان تسمعها فى أى اغنية، و ذلك بتغريد صافى و رائق من إيمان يونس ... و كأنها تحيى بحنجرتها زفة حبهما، و تنهى هذه الملحمة بالـ "لا لا لا" الرومانسية الجميلة التى تغنى عن اى كلام، مع اصوات خطوات الحواديت و هى تمشى لتتركنا مع حواديتنا.

قد لا تشعر بأن للأغنية لحن واضح، بل مجرد نغمات رتيبة تعلو و تنخفض احياناً و كأن الأداء هو الذى يقودها ... و لكن هذا "سهل ممتنع" آخر و لكن بمعرفة الملحن هانى شنودة، فهو ينساق وراء ريتم الحواديت التى تأتى هادئة حتى ننام مطمئنين و هانئين، و فى نفس الوقت يحترم قوة الذكريات و رغبتها فى الظهور بدون اى مبالغات موسيقية قد تشوشها و تنغض علينا المعانى التى تريد ان تنقلها لنا.

و لكن نغمات هذه الاغنية تصلح لأن تكون الموسيقى التصويرية لأى حلم يأتينا بدون أى دعوة ... نجد انفسنا فجأه فى وسطه، و كأنه بدأ منذ وقت طويل ... و هذا بالظبط هو الإنطباع الذى نقلته لنا الجمل الموسيقية الحالمة و السلسة لهذه الأغنية التى لا أمل شخصياً من سماعها. 

هى اغنية توجع القلب بمعناها و تنقى حواسنا بجمالها ..

تجعلنا نترحم للمرة المليار على صلاح جاهين ..

و نتمنى لو كانت حواديتنا بمثل هذه الروعة و الجمال، كحواديت المصريين.

فادى رمزى

#أغانى_مجننانى: Tell Him

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

الأغانى الدويتو يجب ان يكون هناك سبباً لها، يعنى مش لمجرد إن المنتج عايز يجيب نجمين، واحد يقول "بحبك" و التانيه تقول "قوى" ... أو نجمتين، واحده تقول "ليه" و التانيه ترد "و علشان ايه" ... بل لابد أن يكون هناك سبب "درامى" تحتاج من خلاله كلمات الأغنية الى "مؤديتان" ينقلان كل المعانى التى يقصدها الشاعر.

#أغانى_مجننانى: Boat on the River

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

حين تسمعها تتركز حواسك كلها فى حاسة السمع، فتجد نفسك منفصلا عما حولك و لا تسمع سواها، و ترى فقط اطياف الذاكرة و الخيال الذين استفزتهم نغمات الأغنية. و حين يتحرك لسانك لا ينطق سوى بالكلمات التى تسمعها، أما ما تلمسه بيديك، اثناء حركاتهم الدائرية مع لحن الأغنية، فهو واقع خيالى حريرى و ناعم الملمس خُلق من وحى كلمات الأغنية ... و تجده يحتضنك و ينقيك من الداخل بينما يفصلك تدريجياً عن خشونة واقع آخر تريد آخذ هدنه بعيداً عنه.

أغانى مجننانى: بنلف

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

 

مبدئياً ... اللى بتغنى دى سميرة سعيد ... معلهش الأيام بتجرى بسرعه مالها حد و مافيش جلد كبير ع الشد.

الأغنية لحن العبقرى بليغ حمدى و الكلمات يقال انها له ايضاً، و إن كانت هذه المعلومة غير مؤكده، و لكن المعلومة المؤكده هو انه ألف هذه الأغنية لعبد الحليم حافظ و لكن لم يسعفه القدر لأن يقدمها للعندليب لظروف وفاة الأخير ... وبالتالى ركنها بليغ لسنوات حتى غنتها المطربة ورده ..

لم تشتهر الأغنية كثيراً و بالتالى لم يكتشف الناس جمالها و مدى النضج الموسيقى و الشعرى فيها، حتى اهداها بليغ حمدى للمطربة المغربية سميرة سعيد، الناشئة فى ذلك الوقت و التى انتقلت للإقامة فى القاهرة عام 1977 و هى يادوب بنت 17 سنة ... و غنتها سميرة سولو بدون ان تضمها لأى من البوماتها، غير معروف التاريخ بدقة، ثم اعادت توزيعها و ضمتها لألبوم "ع البال" الذى صدر عام 1998.

بمنتهى الصراحة، اداء سميرة سعيد اعلى و اصدق بكثير جداً من اداء وردة لنفس الأغنية ... و ربما تكون خامة صوتها تناسب هذه الأغنية أكثر من وردة ... فالأغنية تحكى مأساة فقدان الحبيب و الحسرة على استحالة دوام الحال، و بالتالى صوت وردة العريض ربما اضفى على الأداء قوة شخصية غير مطلوبه، بينما المطلوب فعلاً هو نقل روح الإنكسار و الحزن و هو ما تحقق من خلال طبقة صوت سميرة سعيد الأكثر رقة.

ايضاً سميرة سعيد تعاملت مع الكلمات بتعمق اكثر، فهى لم تؤد بل عاشت الحالة تماماً، و بالتالى ارتعشت حنجرتها كلما نطقت كلمات: "حبيبى" و "بنودع" و "قدر" و "تنطفى" و "ذكريات" لتنقل لنا مدى قسوة هذه الكلمات على مشاعر كل من يمر بهذه الحالة.

و قد ساعدها على هذا الأداء ان اللحن اعطاها المساحة الكافية لتمد فى حروف الكلمات و تقف و تنطلق كما تشاء و كيفما تشعر، و قد استغلت اندماجها مع الكلمات كما ينبغى و بطريقة تستحق الدراسة ..

فى الجزء الخاص "بأمطار الشتا" تنفعل بالأداء عندما تقول "ضحكتنا بكا .. قسمتنا كده"، حتى كأنك تشعر بالدمعة بدون ان تراها ... ثم تلخص كل هذه المشاعر عندما تمد من حروف كلمات "حبيييييبى"، و كأنها تناديه بصورة يائسه كأمل أخير فى لقاءه.

فى التوزيع الجديد للأغنية ثبت للجميع ان بليغ حمدى هو ملحن لكل العصور، بل هو سابق بألحانه الكثير من ملحنى جيله و مافيش داعى نقول عامل ايه فى ملحنى الجيل اللى بعده ... فعندما ادى الجيتار الجملة الموسيقية المميزة للأغنية، تشعر و كأنك تستمع إلى اغنية soft rock لسه طالعه اول امبارح، فهى حية نابضة تتلون بالعصر الذى تُغنى فيه.

و قد تفاعلت سميرة، فى التوزيع الجديد، مع الجيتار و الهبت قيثارتها البشرية فى تناغم رائع بين اوتار الآله و الجنجره، لتختم الأغنية فى اعلى نقطة ممكنه، مما يجبرك على اعادتها مراراً و تكراراً رغبة فى ابقاء هذه الحاله الحالمه لأطول فترة ممكنه ... انا شخصياً اجد من الصعوبة سماع اى اغنية اخرى قبل مرور فترة زمنية معينة. فترة تمثل هدنة احترام و تقدير قبل الخوض فى اغانى الغير.

الكلمات طبعاً من اجمل و اعمق و ارقى ما كتب فى تاريخ الأغانى المصرية ... فيكفى كم المعانى المفرحه الحزينة فى: "بنودع ربيع ... ونستقبل ربيع ... يخضر الشجر ... تتنسي الدموع ... ويحلو السفر. حبيبي بنستقبل ربيع ... و بنودع ربيع و يأمرنا القدر ... تنطفي الشموع ... ويغيب القمر" ...

الجمال و الفرحه و الوحده و الوحشه فى كلمات قصيرة متراقصة تعكس كم الإحساس و الشجن الكامنان فى روح مبدع هذه المعانى ... لا اعتقد انه يوجد هذا الكم من التباين و المصداقية فى الإحساس فى اى اغنية اخرى.

ثم تأتى: "يدوب من الأنين"، لاحظوا طبعاً اداء سميرة العالى الإحساس هنا، جملة من 3 كلمات تجعل قلبك ينقبض من الألم و قد تقول "ياااه ... ايه كم الألم ده". بقى القلب يدوب من الأنين ... لو كانت هذه كلمات بليغ فعلاً لوجب علينا ان ندعو له بالرحمه بقدر الأنين الذى إحتمله اثناء كتابة هذا المعنى.

أخيراً، و ليس آخراً، يأتى دور قرار هذه الأغنية الملحمية الرقيقة : "نصبح ذكريات ... مجرد ذكريات، مجرد غنوة حلوة من ضمن الأغنيات" ... كم تنقل هذه الكلمات من الإحساس بفقدان الرغبة فى الحياة و بالشعور بأن العمر قد ضاع فيما لا يفيد، حتى ان كل المجهود المبذول و المشاعر المحترقة و الضحكات المنطلقة ستتوارى و تفقد اى سمة مميزة تعطيها حياة اطول و لو قليلاً من صاحبها.

و هذا طبعاً ما يختلف معه كل عشاق و مريدى الحان بليغ حمدى ... فهو عمره ما حيبقى مجرد غنوة من ضمن الأغنيات... ده هو الأغنيات ذات نفسها، و أحد القلائل الذين تنتسب الأغنية المصرية لهم و ليس العكس.

إن بليغ حمدى هو بالفعل ملك الموسيقى، و برحيله تحولت مملكة الألحان إلى جمهورية.

فادى رمزى

#أغانى_مجننانى: Eagle

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

 

تختلف نظرتنا لبعض الأغانى حينما نسمعها على فترات متباعده من عمرنا ..

هذه الأغنية الجميلة الحالمه لفريق ABBA تتكلم عن حالة تأمل تخيل فيها كاتب الكلمات أنه أحد النسور الطائرة، يحلق بعيداً مثلهم و يتكلم معهم ..

لو قلنا الكلام ده لطفل صغير، فبالتأكيد سينطلق بخياله تفاعلاً مع الأغنيه و يتخيل البحار و الغابات التى سيطير فوقها ..

لوحة الصرخة

كتب بواسطة: وهبه نحال في . القسم فنون

اللوحه لشخص يقف فى منتصف كوبري، و يصرخ صرخه مدويه. و من حوله خطوط وامواج صوتيه متعدده الألوان، تمثل الصدى الصوتى لهذه الصرخه. و على نفس الكوبرى نرى شخصان لا يهتمان بالصارخ، فهما يبتعدان وكأنهما لا يسمعان شيئاً.