#غادة_بدر تكتب عن: ميساء التى علمت علينا

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم فنون

 
أقدمت فتاة أردنية شابة تدعى ميساء شاروف، تبلغ من العمر 18 عاماً على الانتحار بعدما تعرضت للضرب المبرح من قبل شقيقها، وذلك إثر معرفته بأنها تقدم على تدخين السجائر !!

خبر صغير لفت أنتباهي وأنا أتصفح الجرائد الألكترونية، لم يهزني فقط خبر وفاة الفتاة لكونها في مقتبل عمرها أو لكونها لازالت تخطو أولى خطوات حياة مفترض أن تكون مشرقة ... ولكن ما هزني أكثر هو كلمات رسالة خطتها هذه الفتاة بدمائها وتركتها لنا كي تكون وصمة عار على جبين كل المجتمعات العربية، ونحن نحيا ونعيش في القرن الواحد وعشرون وليست القرون الوسطى ... و زي ما بنقول فى مصر كدة "البنت دي علمت علينا"

وبليز ما أسمعش حد يقولي علمت علينا ازاي يا هندسة - دي في الأردن واحنا في مصر – لكن مصر مثل الأردن مثلها مثل سوريا لا تختلف كثيرآ عن الكويت، وهكذا كل الأوطان العربية تنتهج نفس نهج الحياة العنصرية.

نقراء معآ رسالة البنت وبعدين ندردش شوية:

كتبت ميساء التالي:
"أمرّر أناملي على وجهي، أتذكر وجهي؟ طالما قلت لي أنّه جميل، هادئ ومضيء كنجمة ليليّة بعيدة. لكنّني الآن أراه قبيحاً، قبيحاً بشكل فظيع.

آثار الكدمات الزرقاء والأرجوانية أحيانا تغطي كامل جسدي، بالأمس أشبعني أخي ضرباً لأنه اكتشف أنني أدخّن، كلّ كدَمة تذكرني بنفس من الدخان اللذيذ الذي ملأ خلايا دماغي، ضربني شقيقي الذي يستهلك علبتين من السجائر يوميّاً.

انحدرت يدي نحو ثنايا جسدي المنهك، أتلمّس الزوايا المنتفخة.. أتعلم؟ هذا العالم بائس، ويجعل منّا بؤساء كلّ يوم، هذا العالم عبارة عن عملية تحيّل كبيرة، قام بها الله، أو لا أعلم من قام بها حقيقة، كي يوهمننا أنّنا أحياء. وكي نتخبّط لسنوات طويلة، سائرين بخطى حثيثة نحو الموت.

الموت .. تلك الكلمة الكبيرة، كم يغريني الموت لو تعلم، ويدفعني كلّ يوم نحوه، حين أكتشف أننا لا نحيا، بل نحن في انتظار الموت الذي نخافه، ولكن لا نتوقف عن ذكره في نفس الوقت:

نحن نشاهد الموت في الأخبار، نتحدث عنه في المقاهي والبرامج التلفزيونية والدينية والترفيهية، نلبسه في أدبشتنا، بل نحتفي في العيد بذبح حيوان مسالم. نحن، يا صديقي، حتى في أوقات الحب الجنوني، نهتف 'نموت عليك!'

لا أعلم إن كان الله على حق حين خلقني، ثم جعلني وسط هؤلاء النّاس، الجميع ينظر إلي شراً حين أمشي في الشارع، أتحوّل لقحبة لمجرّد أنني أرفض أن أتصرف كامرأة/ عبد تعود من المعهد كي تطبخ وتنظف وترتب لأخيها وأبيها ثم تجلس كي تتحدث عن الزواج والعفّة والشرف والزوج المستقبلي.

من أخبرك أن الموت أمر سيء؟

هل الحياة بالمقابل، أمر جيّد؟

هل تسمي الاختناق اليومي، وتلك الأيادي التي تمتد كلّ يوم كي تعبث بك، حياةً؟
أنا آسف لحالنا فعلاً، أنا ككل امرأة في الشرق، لا أجيد الدفاع عن نفسي، أكبر كل يوم وامتلئ حقداً على اللاعدلة التي تتكدّس هنا، على الهرسلة التي تعذبنا، نحن النساء، كل يوم، على لفظة ' العاهرة' التي تتربص بنا في كل زاوية، دون أن نفلح شيئاً أمام جبروت هذا المجتمع، نحن نموت كل يوم مرّات، حين نحسّ بالعجز.

أنا لم أعد أطيق الموت، أريد أن أولد، ان اخلق نفسي من ممرات جديدة/ مخيفة، هذا العالم -يا صديقي- لم يعد يتسع لي، أريد جنانا فسيحة وسحابات أحلم فوقها، أريد أن أحيا. سيأخذني هذا الحبل بعيداً بعيداً، هذا الحبل الطري سيخنقني بوطأة أقل بكثير مما أختنق كل يوم. ستجدني بجانبك إن احتجتني، فلا تحزن يا صديقي، واتبعني إن شئت.

أن الآمي لفقد ميساء زادت بعد قراءة رسالتها ... فقد كانت ميساء مشروع لشاعرة أو كاتبة مرهفة الحس، فعلى الرغم من أعوامها القليلة في الحياة إلا أنك عندما تقرأ رسالتها تجد أن لديها إسلوب مميز يدخل قلبك ويمسه بدون إستئذان – فميساء كانت بالفعل موهوبة بالفطرة.

ميساء خطت بيدها رسالة إلي العالم العربي، أنبعثت منها رائحة عفن مجتمع عربي أزدواجي الرؤية – مجتمع تحكمه مظاهر كدابة – لا يتعب ذاته للدخول إلي عمق الحدث حتى يراه من الداخل، ويحلله فخيرآ له وأفضل أن يصدر أحكامه من قشور المشكلة وينفذ حكمه ثم يخلد للنوم مستريحآ.

مجتمع يرى فيه الأخ المدخن أن من حقه هو فقط أن يدخن سرآ وعلنآ، بل ويتباهى بذلك على أساس أنه إثباتآ لرجولته المنتقصة، وفي ذات الوقت يبرح أخته ضربآ حتى لتجد نفسها بوجه مشوة من الكدمات يتمنى الموت على الحياة العفنة لمجرد رؤيتها تدخن ... رؤيتها تفعل مايفعله هو.

مجتمع يسمح لأبنه أن يكون له زميلة وصديقة وحبيبة، ولا مانع إيضآ من عشيقة، بل ويتفاخرون في كل مكان أن أبنهم قد أصبح رجلآ له بطولاته الغرامية، وفي ذات الوقت يرفض تمامآ أن يكون لدي أبنته صديق فقط وليس حبيب ... متناسيآ أنه لابد أن تكون حبيبة أبنه أيضآ أبنة لرجل مثله تستغفله وتفعل ما تشاء في السر.

مجتمع يجعل الرجل من زوجته خيمة متحركة ويغطيها بكل الملابس المتاحه له، ويذهب هو إلي عمله متعطرآ مرتديآ أحدث البرندات محاولآ جذب انتباه أكبر عدد ممكن من زميلات العمل غير المحجبات بحلو الحديث وعسله، فهو يعطي لنفسه الحق في النظر إلى زوجة غيره ولا يسمح لأحد بالنظر إلى زوجته المصون.

مجتمع أنقسامى وعنصري إلى أقصى الحدود – فهو يسامح في خطيئة الرجل ويدعو زوجته أن تغفر له خطايا وتبدأ معه صفحة جديدة، ويرفض العكس تمامآ في حالة تبديل الخانات ... فقد تصل بعض الحالات الي أقامة الحد على الزوجة حتى لو كان مجرد شائعة.

مجتمع يرى الفضيلة على شكل غطاء رأس ترتديه الكثير من النساء ليخفوا ورائه سلوكآ مشينآ أو مشيآ بطالآ ... فماذا ننتظر من مجتمع عشق طريق الظلام بكل سبله – قطعآ لن تقوم له قائمة.

أن كلمات ميساء في رسالتها (أنا ككل أمراة في الشرق لا أجيد الدفاع عن نفسي.... أكبر كل يوم... وأمتلىء حقدآ على اللاعدالة التي تتكدس هنا) – لا زالت تتردد في أذني ليل نهار، وتكاد تخنقني وتجعلني أشعر انني شريكة في المسئولية عما حدث لميساء وما يحدث لغيرها، من قمع لزهور خلقها الله سبحانه وتعالى لتستمع بالحياة.

نحن مسئولون بإيدينا المشلولة وألسنتنا الخرساء ... فلقد جعلنا حياتهم أشبه بالكابوس، فحينها يفضلون الموت عن الحياة في هذه الازدواجية.

لقد هزت مشاعري وأحسست أن قلبي يكاد ينكسر بعد قراءة سطور خطتها فتاة في عمر الزهور بدمائها .... تعيش داخلها كل هذه المشاعر العدائية والأحباطات والتخبطات ... تشعرني سطورها وأستحس فيها أنها ليست بفتاة محبطة فقط من المجتمع ... ولكن الفتاة أيضآ بدأت تتخبط في أيمانها بوجودها في هذه الحياة – هل الله سبحانه وتعالى قد خلقها لتذل وتحتقر وتهان ... هل خلق الله النساء ليخنقهم بكثير من القيود أم خلقهم ليعذبهم في الأرض مع وعد بجنة الخلد.

لا يا ميساء ... فقد خلق الله سبحانه وتعالى النساء ليعزهم ويسعدهم في الأرض، فالمرأة ليست ضلع أعوج ... على أي حال من الأحوال أيها الرجل الظالم نحن لسنا بضلع تحاول أن تعدله ... ولسنا إيضآ بناقصات عقل إو دين .. فقد أثبتت المرأة بنبوغها وبأحتلالها لأكبر المناصب القيادية أن عقلها يوزن بلد.
ولست أتحدث فقط عن المرأة العاملة فلقد إثبتت أيضآ سيدة المنزل أنها هي وحدها القادرة على إدارة مملكتها بنجاح باهر لا يمكن لأي رجل أن يضاهيها فيه.

أعتقد أن فهمكم للدين الخاطئ هو ما جعل الكثير من نساؤنا يتخبطون ويخطئون.

أيها المجتمع العربي الأزدواجي ذو الوجهين، إنك في حاجة ماسة لإعادة ترتيب أوراقك، فأنك على حافة الهاوية – فالأم مدرسة إذا أعددتها جيدآ أعددت شعب طيب الأعراق.

إن ما بداخلي الأن يرى بوضوح لماذا تنجح الدول الأوربية والغربية حيث لا إزدواجية ولا إقنعة ولا تزييف ونحن نسقط من حضيض إلي حضيض حيث مجتمعاتنا الخاوية المزيفة.

فقد قال الإمام محمد عبده عندما زار أوروبا : وجدتُ في أوروبا مسلمين بلا إسلام ووجدتُ في بلدي إسلاماً بلا مسلمين.

نحن فى موسم الأعياد وأتخيل والدة ميساء وهي تأخذ عزاء أبنتها التي قتلتها أفكار أخ متحجر القلب ... أناني المنطق ... قاسي الفؤاد ... قلبي معك يا أم شيماء فأنا أعلم تمامًا ان الفرح قد خاصم قلبك منذ وفاة ميساء.

أصدقائي ..

أن العالم المنفتح يبداء بفكر منفتح ..
فنصيحة ... أفتحوا عقولكم على مصراعيها.

غادة بدر