#فادى_رمزى يكتب: اللهم أخزيك يا ونوس

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

 

 

من اول لقطة ظهر فيها ونوس وتم التعرف على كينوته يشدك المسلسل لتتبع احداثه بطريقة غير مسبوقة .... عفوا .... تلك الجملة ليست دقيقة ... بداية المتعة والتشويق فعلا كانت مع اول مشاهد مسلسل "الخواجة عبد القادر" لنفس المؤلف المبدع المصرى الصعيدى عبد الرحيم كمال، الذى ناقش فيه جوهر وعمق الدين وكيف يتم تشويهه واستغلاله. وما ان علمت ان نفس المؤلف يقدم "اطروحته" الدرامية عن الشيطان واساليب عمله فى الدنيا، حتى ارتفع عنصر التشوق والرغبة فى متابعة هذا العمل الونوسى المثير للعديد من التاملات والأسئلة.

فى المسلسل نرى ونوس "الكيوت" اللذيذ ابو دم خفيف ... ينساب مثل الحية وسط عائلة مصرية على قد حالها، الزوج غائب وكل ابن وابنة فى صراع مع الحياة ويحاولون التصدى لتحدياتها والتعامل مع مشاكلها والامها والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة وبتحقيق المطلوب من رضا و راحة بال ... عن طريق الشهرة أو السيطرة او المال، طبقا لما يرى كل منهم الطريق المناسب لتحقيق ما له من آمال.

اسرة مثل كل واحد منا، ليسوا بشياطين ولا بملائكة .... بشر .. خطائين ... طماعيين .. طيبين وغلابة وشقيانين ويعانون من وضع ولدوا وسطه ولم يختاروه وصاروا عليه مجبرين.

أما ونوس فهو لا يفسد النفوس .. بل يظهر فى طريق كل منهم ليرسم الطريق المفضل طبقا لاختياراتهم هم وليس هو ... هو فقط يضع "التاتش بتاعه" طبقا لطبيعة عمله ولتحقيق "التارجت" المطلوب، وهو روح الزوج الحاضر الغائب هذا ... فقد كان بينهما اتفاق ان يعطيه الدنيا ونعيمها على ان يحظى ونوس بروحه فى الآخرة.

الصراع فى كل حلقة كان يتصاعد بمهارة درامية مدهشة ... وياتى الحوار ليغلف السيناريو، المحكم والعميق فى درجة تناوله للموضوع، باطار غاية فى الرقى والعمق ... حيث تنقل لنا الجمل الحوارية ادق التفاصيل حول طبيعة عمل ونوس والحكمة من وجوده واليات عمله المختلفة بأكثر العبارات سلاسة وقوة ... عبارات تجبرك على التوقف عندها وتاملها حتى تود لو استفاض المؤلف قليلا فى مناقشة ما طرحه فى جمل قصيرة مكيرة تمثل لب الموضوع وما يريد طرحه من اسئلة واجوبة تثير اسئلة اكثر كل مرة.

(انا اعمل كل حاجة الا الكذب .. الكذب ده بتاعكوا انتوا) ... هكذا يقولها ونوس وهو صادق فيها جدا .. فونوس لم ينكر طبيعته ولا غرضه وان كانت اساليبه خادعة فهى بسبب تغفيلنا وتوهمنا انه يعمل لصالحنا.

(حد يصدق ونوس) ... قالها لبنى آدم "بسارية" وجده لقمة ونوسية سهلة وسلبه حياته بمنتهى السلاسة لان طمعه وانسياقه المجنون وراء شهواته مهد الطريق لدخول ونوس بمنتهى السهولة. هو هنا لم يكذب عليه حين قال له (الموت معايا حياة) ... لانها حياة فعلا ولكن فى "ملاهى" ونوس الابدية حيث البكاء وصرير الحلزونة والعاب الملاهى المختلفة .. وبالتالى فهو يسخر من ظن البنى آدم ان الموت طريق "حياة" فعلا بالمعنى الحرفى للكلمة.

(انا الفخ، أنا لا قاتل ولا مجرم، لا كافر ولا مؤمن، انا اللى بييجى وقت الغفلة .. مش تلاقى الأم بتقول لولادها ربنا يحميكوا من شر الغفلة) ... تلك هى ساعات عمله وهى معلومة للكافة منذ ان وجدت الأمومة على ظهر كوكبنا.

(ايه الوساخة دى !! ... فالحين بس اللهم اخزيك يا ونوس) ... هكذا يسخر ونوس عندما يرى الابداع البشرى فى الشر ... (عايز اتوب، عايز اتوب .. تعمل العملة وتقول عايز اتوب) وهكذا ياخذ البشر "غسيل ومكواه" حينما يترفعون عن إتّباعه ويرفضون استكمال المسيرة الحياتية الونوسية تبعا لاتفاقهم الضمنى معه.

(اعملى اللى بقولك عليه بالحرف ابنك هيخف) ... العبقرية هنا ليست فى مفردات العبارة ذات نفسها، بل فى ان الطفل المشلول خف فعلا بعد اتباع تعليمات ونوس ... وتلك كانت مفارقة درامية ثورية فى هذا المسلسل يمكن ان تعقد بسببها حلقات نقاش عديدة حول مدى قدرة ونوس على شفاء المرضى ... وبالتالى لا يجب التسفيه من قدراته ابدا، فونوس له معجزات بكل تأكيد وقدرات خارقة .... والا ما انتشر الشر الى هذا الحد فى هذه الدنيا، وتفوق على الخير فى كثير من المواقف الصارخة التى لا تعد ولا تحصى.

لكن للاسف على العكس من الابداع "التأليفى" جاء الاخراج فقيرا للغاية لشادى الفخرانى (ابن ونوس) ومحمود كريم (المخرج المنفذ) ... على الرغم من انه كان المخرج مع محمود كريم ايضا فى الخواجة عبد القادر ذو المشاهد الخلابة والايقاع السريع فى مشاهده. المشاهد فى ونوس جاءت فقيرة وتقليدية للغاية، وتشعر انه مسلسل سبعيناتى من النمطية والتقليدية فى مشاهد المنزل البسيط والكباريه وحتى اغلب المشاهد الخارجية. والسبب فى رأيى انتاجى وليس فقط لفقر الرؤية الإخراجية للعمل ... ربما ميزانية العمل لم تكفل له الثراء المطلوب فى الديكورات وتقنية التصوير والجرافيكس، التى جاءت عبيطة جدا لا تتناسب مع الهالة الونوسية المطلوبة.

لكن ياتى التمثيل ليمحو اى فقر فى المحتوى الدرامى المهدى لنا فى هذا الشهر الكريم، فى بركاته الألهية وفى مسلسلاته الدرامية البشرية.

نبيل الحلفاوى جاء ليمثل البشرية كلها فى كل صراعاتها مع ونوس ... عبء رهيب لا يقدر عليه سوى ممثل قدير مثل نبيل. كان طيبا شريرا زاهدا طامعا محبا كارها ... احيانا فى حلقة واحدة بل ومشهد واحد مثل مشهده خلال "حفل التوقيع" مع ونوس. يرغب فى متع الدنيا ويخشى من ابدية الآخرة مع ونوس ومستعد للتضحية بروحه من اجل ان يبعد ونوس عن عائلته.

حنان مطاوع ... الإبنة التى انساقت وراء افكار الحسد والسحر الأسود حتى اصبحت من مريدى الشعوذة الذين تتلمذوا على ايد ونوس ذات نفسه لياخذوا العلم اشتاتا واشتوتا من منبعه. اداءها مبهر لدرجة انك لا تعرف هل تتعاطف معها وهى تفعل كل هذا لتحمى اسرتها وطفلها القعيد الذى شفاه ونوس، ام ترتعب من تعبيرات وجهها وهى فى قمة التقمص للروح الشريرة التى تتملكها حين تلحق الأذى باعدائها. دور صعب جدا وبالتأكيد اجهد حنان مطاوع فمشاهدها كانت تصاحبها دقات قلبى المتسارعة وانا مجرد مشاهد للعمل وامامى مائدة حلويات رمضانية اخفى من خلالها توترى، ولست متقمصا متشبعا بالدور مثلها.

اكيد مش ناسى يحيى الفخرانى .. اتقل عزيزى القارىء "هنحلى" بيه فى الآخر.

نيقولا معوض ... الأبن المدرس الذى اصبح من مشايخ الفضائيات اصحاب السلطة والشهرة والمال فى خبطة واحدة. ذهلت الحقيقة حين علمت انه لبنانى، فلهجته وتقمصه مصرى اصلى، ولكنى سعدت بكونه مهندسا مثلى ... فاداءه المتدرج المتصاعد باحكام هندسى شديد يحتاج عقلية هندسية وليس اى عقلية (ونوس مسك القلم معلهش وحط تتش عنجهية مهنية مالوش لازمة)

نيقولا كان يقدم الفتوى بمنتهى السلاسة والطيبة ... فتوى محورها ان الله رب قلوب ونوايا، فلا تخنقوا انفسكم بالاسئلة التفصيلية المزعجة والتى تجعل الانسان فى خانة المذنب دوما لاسباب تافهة من ممارسات حياتية عادية ... هو عنده حق فعلا فى هذا المنهج، ولكن ونوس يريد ان يجعل الناس منساقة وراء مشايخ مثله ومثل اخرين اكثر حدة وعنفا منه ... لا يحتكمون او يستفتون عقولهم او قلوبهم بل ينتظرون من من المشايخ سينتصر على الاخر ... كل هذا استوعبه نيقولا وقدمه باداء سهل ممتنع يستحق عليه جائزة.

محمد كيلانى ... نبيل بلبل المغنى ذو الصوت الناعم الجميل .. يعشق الفن ولاننا فى بيئة تقتل الموهوبين فعلا لا يجد سوى الكباريه ليحقق فيه شغفه الفنى. ويحاول الموازنة بين براءته ونقاء موهبته وبين متطلبات الكباريه المبتذلة. اداء سهل ممتنع واظهر فيه قدرة على التلون تعكس قدرات تمثيلية مميزة.

 يحيى ... اسف ... لسه واحد مهم كمان.

علاء زينهم .. قصبى الصوفى قاطن المسجد وخادمه والقائم على موائد الرحمن اليومية. اداء عبقرى خاصة حين وسوس له ونوس ففوجئنا بانه يعمل الخير بنكهة ونوسية مختلفة، ثم يقع فى صراع نفسى برع فى تقديمه وابرازه ... حالة من القلق والتخبط عبر عنها باسلوب جسد من خلاله اضطرابات ولحظات ضعف البشرية كلها.

يحيى الفخرانى ... عبقرى .... مبهر .. مبدع ... هو ونوس العصر الحديث. انيابه ومخالبه فى نظرة عينيه وضحكته الطفولية المميزة. لم ينطق حرفا فى الحوار بدون ان يمرره على قلبه اولا، فهو لا ينقل فقط رؤية المؤلف بل انه يعيشها. سلس وخفيف الدم جدا ثم فجأة تبرق عيناه وينظر لروح البنى آدم لا الى تفاصيل جسده .. يرى من اين تؤكل الروح ويلقى بصنارته التى لا تخطىء طريقها. لا يمكن ان يؤدى ممثل هذا الدور سواه ... جعلنا نتعاطف معه ونود مصادقته وهو بالظبط ما يفعله ونوس معنا ... ونجح يحيى فى جعلنا نشتاق لظهوره، فهو من يخفف علينا اعباء تلك الدنيا .. ولو الى حين لحد ما يحلها .... ونوس ام ربنا؟ ... ذلك اختيارنا.

والف شكر لمحمد شاهين وسماح السعيد وضيف الشرف المبهر لطفى لبيب، وغيرهم من الممثلين المجيدين الذين ادوا ما عليهم تماما، فيما عدا هالة صدقى التى كانت "اوفر" جدا وفصلتنى باداءها عن متعة المشاهدة.

أخيرا نحن نعيش الان فى مرحلة درامية لها كهنوتها الخاص ... فمن الخواجة عبد القادر للسبع وصايا والعهد (لمبدع آخر وهو محمد امين راضى) واخيرا ونوس ... كلها اعمال تنقلنا لأبعاد فلسفية وخيالية مختلفة تماما عما عهدناه من مسلسلات الرومانسية أو ذات البطل الواحد القادر على كل شىء او المصاب بكل بلاوى الدنيا.

تحية كبيرة للدراما المصرية فى تلك المنطقة الخطيرة والمحظورة بفضل تجمد فكرى عقائدى ولكن جاء عبد الرحيم كمال ومحمد أمين راضى ليكسرا هذا الجمود المعوق لطاقات الأبداع ويجبرا عقولنا على العمل والسنتنا على فتح ابواب غير مسبوقة للنقاش.

ومازلنا فى انتظار كل خير من الدراما التليفزيونية المصرية وانتصار الخير بصورة شاملة فى الدنيا ... ولكن هل نقوى على البعد عن ونوس ؟؟ ام سننتظره فى كل حلقة حياتية قادمة.

فادى رمزى