وتقفل يديها الآن على حياة خاوية

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

 

 

 

 

مثلما هبط على حياتها فجأة ... واضعا اقدامها على ارض دنيا رومانسية جميلة حالمة ... الان يريد الإقلاع بعيدا عنها ... تاركاً اياها هائمة لا تكاد تلمس ارض الواقع حتى تحاول القفز بعيدا عنها.

تلجأ للأحلام لتعينها على التعامل مع تلك الصدمة، فتطوف فى ذاكرتها لتتداعى نسمات أوقاتهما معا، حين كانت الحياة رحلة جميلة يمضيانها من أعلى نقاط حبهما، فتبدو منها كافة مشاكل الحياة صغيرة وغير مؤثرة.

لكن الأحلام وحدها غير كافية، فهى لا تعينها على تحمل قسوة ما تخطو عليه من واقع أليم يتجسد تدريجيا من حولها، فتحاول ان تتعلق به، لتطوف فوق كتفيه فى ربوع حياتها مثلما تعودت دوما ... متشبئة بحبه ورجولته وبمساندته لها قدر استطاعتها.

لكنه فى النهاية يتركها مريضة متألمة من اوجاع وحدتها.

وفى محاولة يائسة تلقى بنفسها عليه، كما تعودت أن تفعل دوما، واثقة من انها سيتلقفها بايد قوية حانية حامية، ليقيها من قسوة الإرتطام بتحديات حياتها المختلفة.

وبالفعل يتلقفها .. فهو لا يريد تركها محطمة، فمازالت بداخله ذكريات لمتع استقبال انوثتها، والاشباع من احتضانه لاستسلامها.

هى تعلم انها المرة الأخيرة التى سيتلقاها فيها، فمهما حاولت معه لا يوجد مفر من العيش بدونه ... لذلك تتمتع بارتخاء جسدها للمرة الأخيرة بين يديه، وبعدها تتركه ليذهب بعيداً عنها ... وتقفل هى يديها الآن على حياة خاوية.

281215 article1 photo2

تابلوه فنى راقى يجمع، فى لقطة تتوقف فيها انفاس المتابعين، بين عدة فنون من ارقى ما ابدعت الحضارة الإنسانية، بدءا من اداء لارا فابيان الجبار فى كم الشجن الذى يحمله مع كلمات ونغمات اغنيتها Je suis Malade، وصولا الى تجسيد غاية فى الرقى والابداع من لاعبى السيرك الروسيان فاليرى سيشيف ومالفينا اباكاروفا، وذلك فى مهرجان مونت كارلو لفنون السيرك عام 2014، وفد نال اداءهما الجائزة الأولى وقتها.

فاليرى قدم اداءً جامداً يتناسب مع دوره فى تلك اللقطة الرومانسية القاسية، فهو قوى .. عنيف .. حاسم ... واثق من قراره لا يعبأ بشىء سوى الخروج من تلك اللقطة والمضى قدما فى حياته.

اما مالفينا فقد تناولت اللقطة بدون ان تخفى اى من انفعالاتها، فهى الأنثى القوية المضطربة، الحالمة المدركة لقسوة واقعها، التى تمضى أقسى لحظات حياتها متشبثة بأجملها ..

جمالها راقى حزين .. يتألق وينطفىء مع نبضات قلبها المشتاقة لمتع الحياة والرافضة لما تتلقاه من آلامها.

المشاهد القليلة التى تنقل تعبيرات وجهها كافية تماما لتظهر مدى اندماجها مع النغمات، وكانها كتبت خصيصا لها ... وكانها لارا فابيان والمؤلف والملحن ومن تضع اللمسات الفنية الراقية بريشة خاصة تستقى الالوان من تميز انوثتها ... اداءها سهل ممتنع وغاية فى السلاسة والصعوبة ... اداء لا يأت سوى من فنانة مندمجة وعاشقة تماما لفنها.

فى اللقطة الأخيرة لم تؤد مالفينا اى حركات اكروباتية راقصة صعبة مثلما فعلت طوال الاغنية، وربما لم تكن تدرك الزاوية التى تصور منها الكاميرا ... هى فقط تركت لاحساسها الراقى العنان ليتحكم فى اصابع يدها، حين تنضم تدريجيا لبعضها بانسياب قابض حزين يغنى عن اى تعبيرات قد تحملها ملامح وجهها ..

اصابع يدها كانت كفيلة تماماً بالتعبير، فى ثوان معدودة، عن حياة تلك المرأة ... بمنتهى البساطة والقوة ... وكان انقباضها اشارة للمشاهدين بانه قد حان وقت التهاب كفوفهم من فرط التصفيق الحاد، ادراكا لمدى روعة تلك المنظومة الفنية الراقية السامية المبهرة.

المجد للفن والابداع والانطلاق والتحضر والاحترام والحرية ..

إن من يعيش بدون تلك القيم والمفاهيم لا يجب ان يطلق على ما يعيشه حياة بالمرة.

فادى رمزى