نميمة شعبية باللمسة المصرية (4) : الضمة البورسعيدية

كتب بواسطة: سالى مجدى في . القسم فنون


البحر يمثل لنا دوماً شيئاً غامضاً، لم يعلم احد كل مابداخله وما الذى تاتى به كل موجة من موجاته على الشاطئ الرملى ... والمصريون ينظرون للبحر كرمز الخير والرزق الواسع الذي لا يعلم حده الا الله، ومن هنا يضيف البحر العديد من الخيرات والهدايا الى من يقطنون بالقرب من ساحله.

ومن أهم الخيرات التى مَن بها البحر على أهالى مدينة بورسعيد هى هبة الابداع ... وقد نمت فىهم تلك الهبة نظرا لتمتعهم بقوة الارادة والاصرار والتحدى، وهذا بسبب ما مروا به من احداث مؤلمة لا يسمح وقتتنا اليوم بسردها ولكنهابالتاكيد معلومة للكافة، فكل حرب مرت بها مصر كان للبورسعيدية، مع باقى اهل القناة، النصيب الاكبر فى تحمل ويلاتها.

نميمتنا النهاردة عن البورسعيدية الذين استطاعوا ان يبدعوا نوعاً مختلفاً ومتميزاً من الفن وحافظوا عليه عبر الأجيال المختلفة حتى اصبح يعبر عن هويتهم وطباعهم وافراحهم، وايضا يستخدم كجسر من نور ينسيهم ما مروا به من اهوال عبر سنوات مظلمة سابقة.

طالما كان الرقص هو أقدم تعبير عاطفى عرفه الانسان، وقد تألق البورسعيدى فى التعبير عن عواطفه وجوارحه بالرقص، وخاصة على طريقة الضمة البورسعيدية.

الضمة او "اللمة" أو "السامر" البورسعيدى هى من أشهر وأقوى الفنون الساحلية بخط قناة السويس، أنتقلت من السويس الى بورسعيد ثم الي الاسماعلية. وقد ظهر هذا النوع من الفن عند حفر قناة السويس، عندما تم جلب العديد من عمال الترحيل والعمال الزراعيين من كل مكان من مصر، و تم جلب ايضا العديد من مقاولى الانفار و ملاحظى العمال الذين كان معظمهم من الاتراك والمغاربة. وبدأ فن الضمة فى الظهور عندما كانت كل طائفة تلم وتضم على بعضها وتبدا فى غناء الاغاني الخاصة بهم، فظهرت بالتالى الضمة للدمايطة و تلك للصعايدة وغيرها.

ولكن تميزت بورسعيد انها ضمت واحتوت هذا النوع من الفن أكثر من اهالى باقى المدن، لذالك اشتهرت الضمة البورسعيدية وارتبط هذا الفن بها حتى الان.
الاغانى التى يتم غنائها حاليا ماهى الا القلة القليلة الباقية من اغانى الضمة الاصلية، ويرجع اندثار تلك الاغانى إلى ان الناس انشغلت بالعمل فى التجارة واهملوا احياء هذا النوع من الفن رغم انه يمثل اهم فترة من فترات حياتهم.

تجد الضمة البورسعيدية فى اى مناسبة صغيرة كانت ام كبيرة، وهو تعبر عن على فرح الاهالى وتجمعهم مع بعضهم البعض فى دائرة كبيرة، وكانت الالات المستخدمة قبل دخول السمسمية هى الات الدربكة والرق والمثلث "الجرس" و الملاعق و الزجاجات الفارغة وطبعا تصفيق الايادى.

الاحتفالية تبدا بفاصل إيقاعى يسمى "سلام الضمة"، و هو يكون بمثابة أعلان عن بدء الاحتفال وتهيئة كل من الحضور والراقصين للبدء .. وقديما كانت توجد العديد من الفقرات فى الضمة مثل الجواب والموال و القصيدة و دور السمسمية و الدور الفكاهى و غيرها من الفقرات المختلفة.

أما حالياً فتبدأ الحفلة بأغنية شهيرة اسمها "دور اليمانى"، ثم يبدا الشباب بالرقص، كل واحد منهم يظهر مهارة خاصة فى الرقص ... فمنهم من يبدا باللعب بالمناديل باليدين و منهم من يلعب بالخرزان "وهى عصى صغيرة " ومنهم من يقلد حرفة البمبوطى، و هى حرفة نشات مع نشأة مدينة بورسعيد، حيث كانت تقف السفن طويلا فى أنتظار مرورها من القناة، وفى تلك الاثناء يخرج البمبوطى بمركب صغيرة و يتبادل مع السفن البضائع عن طريق المقايضة.
يقوم الراقصين بتجسيد هذا الدور فى رقصة الضمة، فكل الحركات التى يقوم بها متصلة باعمال البحر، وبالتالى لابد انت تكون سريعة ورشيقة و كل منهم يمثل مهنة معينة يقوم بها عمال البحر. و تتمثل بعض الحركات فى النزول الى اسفل مع ثنى الركبتين (قرفصاء ) و ممكن ان يؤدى الراقص العديد من الحركات باليدين والتى لابد وان تتماشى مع ايقاعات الطبلة وانغام السمسمية.

و من أشهر من غنى للضمة البورسعيدية "محمد السيد شبانة" ومن الاغانى البورسعيدية الشهيرة: البمبوطية و اروح لمين وبتغنى لمين ولمين ياحمام وغيرها من الاغانى لكن مع مرور الوقت خرج فن الضمة من جلبابة الاصلى و تغير شكله ومضمونة، وحتى من بعض كلماته، لذلك لابد من الحفاظ على هذا المحتوى الفنى الراقى، لانه اصبح على وشك الاندثار بعد رحيل الكثريين من حفظتها الاصليين.

وهذا من ضمن أهداف نمة اليوم ... ان ندعو الى الحفاظ على عراقة واصالة هذا الفن المصرى الأصيل، الذى يمكن ان يتحول الى فن راقى نخاطب به العالم اجمع.


سالى مجدى