#سالى_مجدى تكتب: نميمة شعبية باللمسة المصرية (3) القلل القناوى بين عم السيد والاغانى

كتب بواسطة: سالى مجدى في . القسم فنون


توجد بعض الاشياء الصغيرة التى كنا نحرص على استخدامها فى حياتنا ... وعلى الرغم من بساطتها ورخص ثمنها إلا انها أستطاعت أن تخطف أرواحنا وتمدنا بروح ومعنى للحياة بمجرد النظر إليها والى شكلها المميز الجميل البراق.

من ضمن تلك الاشياء بطلة مقالنا اليوم وهى القلة المصرية، والتى روت عطش أجدادنا منذ قديم الأزل، ومازالت حتى الأن تروى عطش قلة من الاجيال مازالت متمسكة بعادات و تقاليد أجدادهم.

القلة ...

هى إناء شعبى لشرب الماء مصنوعة من الفخار "اى الطين المشوى" ... و كميائيا يعرف الطين بـ "سليكات الالاومنيا المائية" حيث تساعد مسامية الفخار بعد الحريق بالاحتفاظ ببرودة الماء. وصناعة الفخار ليست حرفة حديثة جيث نرى الرسومات تزين جدران المعابد الفرعونية، مثل معبد الاقصر ومعبد حتشبسوت، تدل على مدى قدم تلك الحرفة.

بس مبن يفهم معنى القلة وقيمتها فى هذا الزمان ؟

ده كان الهدف من حوارى مع عم السيد (ايوة .. بالالف و اللام) ... وهو مشهور بـ "سيد نفسه" ... وشغلانه عم السيد من 56 سنة هى بيع القلل فى شوارع المحروسة ... وده من وقت ماكان عنده حوالى 14 سنة.

سألته:

ليه متمسك بالشغلانه المتعبة دى رغم تغير الاحوال واحتياجات الناس ؟

كان رده بضحكة بسيطة أترسمت على وشه التعبان :

الناس رغم تغيرهم الا انهم مش بينسوا أصلهم ... بيلفوا ويدوروا و يتعلموا و بيشوفوا لكن بيرجعوا للبداية ...... البساطة. و رغم أن الثلاجات مالية البيوت الا أن مية القلة حاجة تانية انتى متعرفيهاش ولاحتى جيلك، لانكم معذورين مجربتوش تشربوا منها او تترووا بجمالها.


طيب فيه فرق بين قلة زمان ودلوقت؟

القلة زمان كانت تترسم على ايد فنانين مش مجرد عمال او صنايعية، زى دلوقت مافيهاش روح، كان عمايلها فن مش اى حد يعمله ... يعنى كان بيتعمل "شباك القلة" ... و ده كان بين جسم القلة ورقبتها، والشبابيك كانت زخارف مخرمة عليها كتابات وحيوانات وأسماك وأشكال هندسية كتيرة ومختلفة.
وكان شباك القلة دوره تنظيم خروج المية من القلة بشكل انسيابى من خلال الخروم او الفتحات الموجوده فى القلة، لكن حاليا الشباك فيه بس شوية خروم.

وللقلة على فكرة أسامى منها "وبشكة"، "شيشة"، و "بطة" و "بنورة".

زمان كانت الناس بتحط القلل على سور البلكونات زى زينة رمضان، وكمان فى الشوارع علشان الناستتروى. دلوقتى مش هتلاقيها غير أمام المساجد حتى بدات تختفى. و من المضحك بجد انك تلاقى قدام المسجد مبرد المياة الحديث وجنبه مجموعة من القلل، والناس تجرى على القلة وتروى عطشها ... و تسمعى بعدها كلمة الله ده انا كنت عطشان بشكل.

 

وطبعا طرحت علية بعدها السؤال المعتاد المتوقع:

هو لسه فيه ناس بتشترى القلل ؟؟؟ اكيد معظمهم من الناس البسيطة ؟

لا ... الناس البسيطة بتتغير لكن معظم اللى بيشتروا قللي اللى بنقول عليهم أغنياء ."مش قولتلك الناس بترجع لاصلها" .... بقت بتستخدم للديكور فى الاماكن كحاجة أثرية، و بيضيفوا عليها الالوان والنقوشات.

 

تفتكر القلة هتختفى من حياتنا و احتياجاتنا ؟

لا ... القلة مش مجرد حاجة للشرب دى رمز الحياة عندنا ... يعنى تقدري تعملى سبوع من غير قلة ؟

عندك حق يا عم السيد ..

ودعته وذهبت لاعرف اكثر عن القلة وخاصة قلة السبوع ووجدت الآتى:

السبوع عادة شعبية مصرية قديمة وتعتبر القلة أو الابريق من المظاهر الاساسية للاحتفال بسبوع الطفل، وترمز القلة الى ان المولود أنثى ويرمز الابريق الى ان المولود ذكر. وكانت فى البداية يتم استخدام القلة من غير الوان، لكن مع الوقت تداخلت وأمتزجت الالوان لتعطى بهجة على السبوع. تعددت الالوان ولكن أشهرها الاحمر و الاخضر و الذهبى، و يقال أن الأوان جاءت تيمنا بالوان البيارق التى تعقد عند أقامة موالد الاولياء و حلقات الذكر.

و تعتبر الشموع ايضا من أهم عناصر الزينة التى تزين بها القلة او الابريق، والتى مع الوقت حفظت لها مكانها خصيصا داخل القلة او الابريق، و مع التطور ظهر ما يسمى بالشمعدان لتوضع فيه الشموع، اذا كان المولود أنثى، وذلك بدلا من القلة، و لو كان ذكراً كان يوجد شمعدان يعلوه "ديك". لكن معظم الناس بيستخدموا القلة و الابريق.

ومن عادات المصرين أن فى ليلة السبوع تمتلى القلة بسلاسل عديدة من الذهب، حيث تشترك كل السيدات، سواء من الجيران او الاقارب، فى وضع السلاسل الذهبية الخاصة بهم فى هذه القلة، وتبات يوم كامل فى صينية بداخلها سبع حبايات، وهما: القمح و العدس والحلبة والأرز والفول و الحمص و الذرة.

تضاء الشموع طوال اليوم السابع، وبقدوم المغرب فى اليوم السابع يتم اقامة السبوع و تبدا مراسمه بان اكبر من فى العائلة او فى الحاضرين يشرب من مياة القلة او الابريق، وهذا تمنى منه ان يتمتع المولود بالعمر المديد و يعيش عدد سنين عمره ... بعدها يرشوا الملح لمنع الحسد وتبدا دقات السبوع وحلقاته برجالاته.

وللقلة أستخدامات كتيرة جدا، فلم تكن فقط تروى العطش لكن ايضا تروى القلوب، فقد تغزل فيها الشعراء و منهم الشاعر سيد درويش فى استخدام القلة فى الوصف وتوضيح حال المصريين فى أغنية "قلل قناوى"، وكانت من ضمن كلماتها:

مليحة قوى القلل القناوى ... رخيصة قوى القلل القناوى ... قرب حدانا وخدلك قللتين.

 

ومن اشهر الاغانى الفلكلورية التى غنت للقلة أغنية "حن ع القلة":

 

وكانت القلة هى وصلة حب بين العشاق، فغنت لها المطربة الشعبية سيدة غريب "قلتين ع الترعة ياما"

 

 

كما ابدع الكاتب مرسى عزيز جميل والملحن محمد الموجى فى أغنية "أما براوة" التى غنتيها المطربة نجأة وقالت فى احد مقاطعها "قلة حبيبى ملانه وعطشانة يانا .. اروحله ولا اروح اشرب حدانا" ... لتضع القلة عنصرا اساسيا فى تلك الصورة الرومانسية الجميلة.

 

إلى هنا نصل لنهاية نميمة النهاردة عن عادة من عادات المصريين التى تحيى تراث الحضارة المصرية، التى لم تنقرض حتى يومنا.


سالى مجدى

  • 310815_article1_photo1
  • 310815_article1_photo2
  • 310815_article1_photo3
  • 310815_article1_photo4
  • 310815_article1_photo5

Simple Image Gallery Extended