نهر الحب 2015 .. سيناريو وحوار #غادة_بدر

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم فنون

 

جلس متكئآ على كرسيه الهزاز ... محدثآ أزيزه اليومي حاضنآ بين يديه ألبوم ذكرياته ... محاولاً تذكر الوجوه الطاله عليه من الماضي البعيد، فيعود من رحلته لا شئ معه سوى كلماتها ..

تدخل الممرضة مسرعة الخطوات فقد حان موعد نومه ... وتبدأ في محاولاتها اليومية لإنتزاع الألبوم من بين يديه ... وعندما تجده على نفس الوتيرة تتركه يائسة، تاركة له ذكرياته التي تتسرب من بين يديه يوما بعد يوم.

تحمله بين يديها كالأطفال، ففي الشهور الأخيرة فقد الكثير من وزنه وذلك منذ وصول خبر وفاة الغالية ... فأصبح يتناول الطعام يوم ويمتنع عنه أيامآ أخرى متتالية ... وكأنه في سباق مع الزمن يريد اللحاق بها في نفس عامها.

عمر مستلقيآ على فراشه في دار المسنين بحلوان يعاني من أعلى درجات مرض الزهايمر ... ناسياً حتي أسماء أفلامه التي شارك ببطولاتها لا يتذكر سواها ... فيتذكر كل صفحات حياتها حتى لحظات الحياة التي لم يعشها معها محفورة في ذاكرته، يتذكر ما روته له منها ... فعجبآ له ... لا ينسى من حياتها شيئآ ابدا حتى اسماء أفلامها يحفظها عن ظهر قلب ... يغمض عينيه فيرى شريط حياتها يمر أمامه عينيه ... شريط حياتها وليس شريط حياته هو.

جاء الأب مسرعآ ليوقظ أبنته الصغيرة من نومها – ولكن فاتن ذات التسع أعوام تأبى الاستيقاظ، وفي النهاية ترضخ لأبوها وتصحو وهي تتثائب – فاليوم جلسة التصوير التي ستتقدم بها في مسابقة أجمل طفلة في مصر – كان يوم التصوير متعبآ ولكن النتيجة أيضآ كانت مبهره – لم يكن أبداع المصور في أظهاره براءة وجمال فاتن فقط ولكنه أستطاع ببراعته إظهار ذكاءها وفطنتها في الصورة، فجعل صورتها تدخل القلب بدون أستئذان.

بعد مرور أكثر من أسبوع يتكرر المشهد، فأبوها يوقظها مرة أخرى... فالمخرج محمد كريم الذي كان يبحث حينها عن طفلة تقوم بالتمثيل مع الموسيقار محمد عبد الوهاب في فيلم "يوم سعيد" (1940)، والذي أرسل له والدها صورتها بعد فوزها بالمسابقة، يريد رؤيتها بأسرع وقت – اليوم لم تتثائب فاتن بل قفزت من سريرها، فقد عشقت التمثيل منذ أن صحبها أبوها معه يومآ لمشاهدة فيلم للفنانة أسيا.

دقائق معدودات وأصبح المخرج محمد كريم مقتنعا بموهبة الطفلة، فقام بإبرام عقد مع والدها ليضمن مشاركتها في أعماله السينمائية المستقبلية، وبعد 4 سنوات استدعاها المخرج في فيلم جديد وهكذا

أيام وشهور وأعوام تمر ... وفاتن أصبحت فتاة جميلة والمخرجين والمنتجين يتهافتون عليها.

دخلت فاتن بلاتوه التصوير مسرعة فأصطدمت به ... وقعت منها كل أوراق السيناريو مبعثرة على الارض ... نزلت راكعة على قدميها وهنا ألتقت عيناها بعين عزالدين ذو الفقار فأحبها من أول نظرة ... أصبحت لا تفارق أحلامه ... أحبها ... لا أكثر من ذلك بكثير ... عشقها الرجل، فعز كان في قمة رجولته وعنفوانه ... وقطعاً كان حبه لفاتن حب حقيقي أنتظره الرجل لسنوات طويلة .... لينهي به مشوار حياته.

فاتن تقف في شرفة منزلها وهي تفكر، هل هي تحب عز أم هو مجرد أعجاب وأنبهار به وبشخصيته التي يفرضها على كل العاملين في البلاتوة ... كانت وقتها صغيره جداً في العمر أقرب لطفلة منها إلي فتاة ناضجه ... فلم تكن بعد قد أكملت عامها السادس عشر، تبدأ أولى خطواتها في عالم المراهقه والشباب.

لم تعرف أو تتذوق بعد طعم الحب، عندما عرض عز الزواج بها أرضى ذلك غرورها كأنثى ... فكان زواجها به عن إقتناع وإنبهار بقامه في عالم الفن وليس عن حب.

عاشت فاتن مع عز أجمل أيام حياتها، فهكذا هيأ لها في أولى سنوات زواجهم ... فتح لها عز باب الشهرة والمجد على مصراعيه، فإسم عز الذي كان يضوي في عالم الاخراج السينمائي قد أختصر لها الكثير من سنوات بدايتها الفنية ... مثلت من أخراجة فيلم موعد مع السعادة وموعد مع الحياة و.... وبدا نجم فاتن في الصعود. ومع كل يوم يمر وفاتن النجمة تتألق في سماء الفن ويزداد بريقها تزداد أيضآ نار الغيره في قلب عز ... فيشعر بأن فاتن الطفلة الصغيرة التي تربت علي يديه تغيرت وكبرت ... ففاتن اليوم تختلف كثيراً عن الطفلة التي تزوجها بالأمس ... فهي اليوم أمرأه ناضجه مكتملة الشخصية ... وكان إنجابها لأبنتهم نادية قد أكمل أنوثتها.

فاتن تقف أمام مرآتها لتكمل أخر لمسات جمالها الهادئ ... متأملة بريق عينيها المنطفئ في المرآة .. :أشعر اليوم ان عز أصبح كالحبل المتين الذي يلتف حول عنقي فيخنقني ... فنظراته لي المملوءة بالشك والغيرة تصيبني بحالة من الرعب ... فاليوم بدأ عز معي صفحة جديدة من التحقيقات ... صفحة من القيود ... مع من أتحدث، مع من أسهر ... لقد وصل به الحد أن يفرض على أبطال أفلامي ... يفرض علي من يقفون أمامي ... أن عز يكاد يجن من الغيرة ... تشعرني غيرته ان حياتي بدأت تتسرب من بين يداي .. أرى حياتي القادمة بائسة ... أحلى سنوات عمري تضيع هباء ... أعيشها بين جدران منزله ... لا سهرات لا حفلات لا نزهات مع الاصدقاء"

"اليوم تمردت على عز ورفضت البطل الذي فرضه علي ... لن يشاركني شكري سرحان بطولة فيلم صراع في الوادي ... جاءني شاهين اليوم ومعه شاب وسيم الملامح يكاد يقترب من عمري، يتحدث الإنجليزية بطلاقة وأسمه ميشيل ... أشعر ان نظراته تكاد تخترق قلبي، لأول مرة أشعر ان لدي قلبا ينبض كباقي البشر ... عرض علي مخرج الفيلم شاهين ان يكون ميشيل هو البطل امامي ... لم أتردد لحظة واحدة في قبوله ... فقد قبلت المجازفة بالرغم من أن الشاب حديث العهد ولم يسبق له التمثيل من قبل، فهو زميل دراسة لشاهين ولكن كيف لي ان أرفض هذين العينين .."

"أشعر انني أصبحت مخترقة ... إخترت له إسم فني جديدآ فلم يرقني أبدآ أسم ميشيل ... عمر الشريف ... يومها أحسست وكأن عمر قد ولد من جديد ... ولد على يدي أنا"

"عمر لم يكن أبدآ مثل الشباب الاخرين الذين ألتقيت بهم من قبل في حياتي، سواء الفنية أو اليومية. فقد كان متفتحا الي أعلي الدرجات ... شاب مفعم بكل ألوان الحياة ... يرقص التانجو ويعشق السهر ويحضر سباقات الخيل ... أن عمر يعيش وأنا اموت ... اليوم لم نتوقف عن الضحك أنا وعمر بعد أنتهاء التصوير"

"الأسبوع الماضي دعاني عمر لركوب الخيل ... ينسى عمر دائمآ انني زوجة وأم ... أشعر أنني أيضآ بدأت انسي انني أم وزوجة لعز... التمثيل بالنسبة لي مهنة محترمة، لا أحب الابتذال أو المشاهد الساخنه. هكذا ربتني عائلتي ... أرفض تمامآ القبلات الحارة، وطوال سنوات طريقي الفني أحترم المخرجين والأبطال رغبتي ..

حتى جاء هذا اليوم ... لا أعرف ماذا دهاني وأنا بين يدي عمر ... لم أشعر بنفسي إلا وهو يقبلني ... حتى شعرت ان الأمر قد أختلط علي، هل هذا حقيقي أم تمثيل؟"

رجعت اليوم إلي عز باكية أترجاه أن يترك سراحي ويطلقني ... لم يخذلني عز عند رؤيته لدموعي ... طلقني بعد سبعة أعوام من الزواج .... متمنيا لي حظآ سعيدآ وحياة أفضل مع من أحببت"

"لم يكتمل عامآ على طلاقي إلا وكان عمر قد أعلن أسلامه وتزوجنا ... وعندما تزوجت عمر شعرت معه وكأنني أتزوج للمره الاولى، فلم يكن عز سوى أب روحي لي ... فقد كان أستاذي الذي بهرت به ولكن الوضع مع عمر كان مختلف تماماً، فعمر كان حبيبي وأبني وكل دنيتي ... كل يوم مع عمر له طعم جديد ... أكاد لا ألتقط أنفاسي من السعادة"

"أخيرا سعادتي مع عمر أكتملت ... فقد عدت اليوم من موعد طبيب النساء الذي أبلغني بأسعد خبر في حياتي ... فأنا حامل من عمر .... أبلغته ففرح ... فرح فقط ... أشعر به يجاري فرحتي ... من فرط سعادتي نسيت أن لي أبنة من عز ... أقف لحظات مع نفسي فأشعر انني قد ظلمت ناديه، فلم أشعرها يومآ بأنني أمها ... فعندما أنجبتها كنت طفلة صغيرة... طفله رزقت بطفلة"

"أعوام تمر على زواجي بعمر ... وأرى الشهرة غيرته ... أعرف انني من ساعدته على صعود درجات السلم، ولكن هذا هو مجال الفن والفنانين، فهناك دائمآ من يأخذ بيد الفنان الصاعد ليصعد به وفي نهاية الدرج يتركه ليتعلق بيدآ أخرى"

"سافر عمر لتصوير فيلمه الجديد ... كل يوم أتطلع الي صوره سهراته مع الفنانات المنشورات بالمجلات الفنية ... ان عمر أصبح حديث الوسط السينمائي تارة بمغامراته النسائية وتاره أخرى بأفلامه العالمية، فقد بدا يحصد صدى فيلمه العالمي لورانس العرب. ومن هنا بدا عمر صفحات جديدة من أهماله لي ولطارق أبنه.... فلم يشعرنا عمر قط بأنه أب"

"مر على زواجي بعمر عشرون عاماً ... عشرون عام كاملة ولازالت أحبه بنفس العنف ... لازالت اذوب فيه عشقآ ... وعلى الرغم من كل هذا الحب سأطلب الطلاق ... نعم سأتطلق من عمر ... فاليوم أكملت عامي الاربعة والاربعون ... أشعر انني نضجت بما فيه الكفاية لأختيار الحياة التي أريدها ... فلست بفاتن ذات الاربعة وعشرون عامآ المملوءه بالحيوية، فأنا اليوم أمرأة أربعينية تريد العيش في هدوء وراحة بال."

"مللت من مفاجآت عمر ... تعبت من مغامراته النسائية ... كرهت شطحاته التي كانت تبهرني في الماضي ... أن الطفل داخل عمر لا يريد أن يكبر يومآ ... دائم التمرد ... محب للتجديد ... كاره لأي قيود ... فعمر لم يخلق يومآ للعب دور الزوج .... عشرون عاما وانا احاول انجاح حياتي معه ... عشرون عاما وانا أكابر ... ولكنه لم يترك لي الكثير ... فقد استنزف كل ما بداخلي"

"أقف امام عمر شامخة طالبة الطلاق بمنتهى الحزم والجدية، فلم يكن قراري وليد اللحظة ولكنه حصاد لعشرين عامآ من اللهاث ... أنظر إليه فلا يصدق أنني اريد الطلاق بجدية ... يتخيلني عمر أهدده لكي يقلع عن نزواته ... لقد هيأ له غروره أنني لا أقوى علي الحياة بدونه ... نعم حبيبي أريد الطلاق ولن أتنازل عنه فهذه حياتي التي أخترتها بملئ أرادتي وسأتركها أيضآ بملئ أرادتي، لن أكون تابعة لنبضات قلبي بعد اليوم .... ولن اقبل ان تتسرب حياتي من بين يدي وانا اجري لاهثة وراءك .... فلقد أهلكتني نزواتك"

"أذهلني بكاء عمر بين يداي وأصراره على أستمرار حياتنا الزوجية، فلم اكن اعلم انه لازال في قلبه بقايا لي ولكني لم أستسلم ... مضيت في طريقي خائفة أن أنظر خلفي فأتراجع في أخر لحظة ... لم أندم يومآ على زواجي من عمر، فلقد أعطاني عمر شيئآ لم أكن لأجده الا معه فقط ... هو وحده من منحني اياه ... فقد منحني الحياة التي أردتها في عشريناتى"

"عامآ كاملآ مر على طلاقي من عمر ولازال هذا الخائن نابضآ بحبه ... ذهبت اليوم الي دكتور الأشعة الدكتور عبد الوهاب لأجري أشعة على يدي ... أنسان مهذب بكل معنى الكلمة ... محترم رزين ... أنه الرجل الذي تشعر معه بالامان والاستقرار ... أشعرني الدكتور بأنوثتي التي أضاعها عمر بنزواته ... نظرات أنبهاره بي جعلت ثقتي تعود إلي مرة أخرى"

"فوجئت ان الدكتور عبدالوهاب ليس معجبا بي وبفني فقط، ولكنه عاشق لي ومتابع لكل أخباري الفنية والشخصية ... لم أتردد لحظة في قبول عرضه للزواج بي ... فلم أعتد يومآ ان أعيش حياتي بلا رجل، فقد كان الرجل الاول في حياتي هو أبي، وقد تركني أبي لعز وتركني عز لعمر"

"عام كامل مر علي وأنا أصارع وحدتي، إلى أن قابلت عبدالوهاب ورأيت فيه الرجل الذي أريد أكمال حياتي معه ... بهدوء وأستقرار ... فالحياة علمتني أن الحب لا يأتينا سوى مرة واحدة بالعمر."

عمر تنساب من عينيه آخر دموعه ... محدثآ نفسه ..

"نعم أحببتها ... بل عشقتها ... وكيف لا أعشق هذا الملاك ... فلقد كان حبي لها هو الحقيقة الوحيدة في حياتي ... لقد تملكتني فاتن الي درجة انها لم تترك لي شيئآ يمكني أعطاءه لأمرأة أخرى ... فبعد تجربتي بفاتن لم يتبق داخلي شيئآ"

"لن أنكر أو أدعي انني قد عشت راهبا في محراب فاتن ... لا وبالأخص بعد سماعي بزواجها ... حاولت أستعادة حياتي مع أخريات، ولكن كالعادة كانت كلها علاقات سطحية لا تستمر اكثر من شهر واحد على الأكثر ... أحاول بها نسيان حب عمري أحاول بها مواساة نفسي، فأنا من أضعتها من بين يدي بإستهتاري ومغامراتي السطحية ... فهذا ما جنته يداي"

"فاتن هي ملهمتي ... فأعظم أفلامي معها ... وأجمل أيام حياتي أيضآ كانت معها ... فلا أتذكر من أفلامي سوى نهر الحب ... فقد كان حبنا كنهر الحب الذي لا يجف أبدآ"

جاءته ممرضته صباح اليوم التالي وجدته حاضنآ ألبوم الذكريات وقد وافته المنية ... لاحقاً بحبيبة العمر بعد رحيلها بعدة شهور قليلة تكاد تقترب من النصف عام .... ليبدأ معها بداية بلا نهاية.

غادة بدر