#فادى_رمزى يكتب: بعد الحفلة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

 

انتهى الحفل وبقيت هى، تعبث بمفاتيح البيانو بحثا عن لحن خاص يشبع انوثتها، التى ألبستها ابهى وارقى ما عندها، لتحتفل بجمالها وتظهر اعتزازها بحمل قيم الجمال والنعومة وكل ما يمثل رونق وبهاء الطبيعة الانسانية.

كانت تبحث عن معزوفة حياتية جديدة، تتخيلها حالمة وتبدأها راقصة وتنتقل بين نغماتها وهى فى احضان عازف يقدر قيمة التعامل مع اوتار انوثتها، ليستخرج منها نغمات بديعة ادخرتها فى اعماق قلبها وبحثت طويلا عمن يستحق التمايل طربا عند سماعها.

هكذا هى راقية وانيقة ورقيقة، مثل كل فتيات لوحات الفنان الإنجليزى المعاصر روب هيفران، مواليد 1968، الذى يجيد ايضا خلق الأجواء المحيطة التى تتميز بالاناقة والفخامة، حتى تليق بما يريد ابرازه من جمال ورقى واناقة الأنوثة موضوع اللوحة.

فتاتنا هنا تجلس مكان العازف، هو ليس مكانها بكل تأكيد ولكنها تتلمس التواصل مع البيانو، تلك الآلة الموسيقية التى تحمل الكثير من طبيعتها وشخصيتها ومتطلباتها، فهى تجبر الحاضرين على سماعها، ودوما ما تأتى نغماتها قوية وناعمة ... هامسة وصارخة ... رومانسية وحادة ... طبقا لما يختاره العازف من مفاتيح ليعزفها، ومن النادر ان يخرج من البيانو نغمات نشاز، فمن يجلس فى مكان العازف يدرك جيدا المهمة الملقاة على عاتقه، ولذلك يتدرب جيدا من اجل ابراز اجمل ما فى البيانو من موسيقى.

هكذا هى ... تريد العازف ... واذا لم تجد من يجيد العزف ستجلس هى مكانه، لتثبت ان المكان ليس متاحا لأى شخص بل يجب عليها أن تختاره. ولكنها لن تكون العازفة، فهى النغمة واللحن الانسانى المطلوب ان يملأ الأجواء دوما، لكنها لن تعزف بنفسها، فهى اسمى من ان تبتذل لحنها هكذا، ولذلك فيدها اليمنى تكاد تلمس اصابع البيانو، وكانها تحتضن برقة الاصابع وتتواصل معها، بايقاعات غير المعتاد سماعها.

فتاة رون هيفران فى تلك اللوحة تستند برأسها فى وضعية رقيقة على يدها اليسرى، وهى وضعية تحافظ على الطابع الملكى للانثى، الذى لا يصح معه ان تنظر فى اى اتجاه سوى الأمام، ولا أن تحنى رأسها ابدا، حتى وان لم يحقق لها الحفل ما كانت تطمح فيه من آمال.

يدها اليسرى تحتضن كتفها، لتعطيه الحنان المفتقد والدفء المنشود والرعاية الواجبة ... فهو دوما يحتاج لتلك اللمسة الحانية المحبة، وهى توفرها مؤقتا بنفسها ولنفسها، حتى تستعين بها فى لحظات ما بعد الحفل، حين تكون وحيدة غير راضية عما قدم لها من فقرات مختلفة.

ومثل اى فنان موهوب وبارع يتميز هيفران فى رسم اصابع اليدين ... فهى عند الفنان الحقيقى تنقل ما يدور بداخل الشخصية، وكأنها الجمل الحوارية لتلك الملحمة اللونية الصامتة.

الأصبع الصغيرة لليد اليمنى يبتعد بعض الشىء عن الأصابع الأخرى، مثله مثل الإبهام من نفس اليد، والذى لا نراه ولكننا نتخيل موضعه، الإصبعان يجتهدان لاحتضان اكبر مساحة ممكنة من البيانو، ونقل احاسيس ومتطلبات الملكة له، لطمأنته ولتعميق التواصل بين البيانو والأنثى، التى ظلمت كثيرا بربطها فقط بالكمان، بنظرة ذكورية سطحية ولاسباب جسدية بحتة، بينما هى فى الحقيقة اوركسترا انسانية كاملة.

الإضاءة فى هذا المشهد مبهرة، تنعكس على جسد الفتاة فتظهر ما بها من آمال وصراعات، فوجهها مضاء الجبين مما يعكس انشغال بالها ومدى ما تضيفه من بصيرة للأنسانية بافكارها وشخصيتها، وتتلون درجات الإضاءة لتبرز ثنايا انوثتها وتضيف لها الغموض المطلوب مع اضفاء هالة خاصة توضح مدى قدسيتها.

والأضواء تتلألأ على سطح البيانو لتعكس مدى نعومة ملمسه ونقاء ودقة صنعه، ولكنها فى نفس الوقت تنتمى للاضاءة الصباحية الطابع الخالية من رونق وشياكة الأضاءة الليلية، ولا تتناسب مع ما ترتديه بطلة اللوحة ... فالحفل قد انتهى وبالتالى فالإنطباع المطلوب نقله للمتلقى يجب ان يكون حاملا لمشاعر الإضطراب والتباين النى تدور بداخلها.

تفاصيل عديدة وضعها الفنان روب هيفران فى اللوحة، لجعلها جاذبة للأنظار لفترة أطول وملهمة للمشاعر بصورة أعمق ... وتختلف التأملات بين المتلقين من الذكور والإناث، وخاصة فى بيئتنا الشرقية ذات التفاعلات الانسانية الخاصة، فبالتأكيد ستتنهد الفتيات ويجدن فى المشهد انعكاسا للخظات حياتية عديدة مررن بها.

وسينبهر الرجال بالأنوثة الرومانسية الراقية الناعمة التى تتمتع بها فتاة اللوحة، وقد يستشعرون حزنها واشتياقها للعازف الماهر الذى يدرك قيمة انوثتها.

وقد يكون هيفران احد اسباب التقاء احدى تلك الفتيات باحد هؤلاء الرجال ... حين يتحاكون عن انبطاعاتهما حول تلك اللوحة ... وعندها قد تتسبب ريشته فى استعادة اجواء الإحتفال الغائبة، وتنطلق اصابع البيانو مرحبة ببداية حديدة اكثر تفهما ووعيا وعمقا، لاسمى علاقة انسانية عرفتها البشرية.

فادى رمزى

الموقع الرسمى للفنان روب هيفران