#فادى_رمزى يكتب: لوحة "فتاة السور"

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

 

هل أنتى قادمة من البحر ام انك تنشدين الخلاص من رتابة الحياة بجواره؟

حياة تبدو جميلة ورائقة، ولكن التغيير ليس ابدا من سماتها. وعلى الرغم من ان الكثيرين يشتاقون للنظر الى هذا المشهد الجميل، إلا أنك تعطينه ظهرك زاهدة، فطموحاتك واحلامك اكثر رحابة من محيطات العالم كلها.

تتأكين على سور من الخشب ... لا يبدو مستعصيا عليكى تخطيه أبدا، فلماذا لا تفعلينها؟

هل تنتظرين من ينتشلك من خلفه؟ أم انك تخافين من الذهاب الى وجهة اخرى؟

وجهة يبدو من نظراتك انك تنشدينها؟

ام انها نظرة يأس من ان تلتحقي بمن سبقوكى اليها؟ فهل افقدك هذا السور القدرة على المقاومة ام أنه وأد فيكى الأمل والرغبة؟

تستطيعين، مثل كل انثى، ان تعبري بلغة الجسد كما لا تستطيع ان تعبر مجلدات لغوية كاملة ... فيداكى اليسرى تسند رأسك، حتى تتأملين مجهولك لأطول فترة ممكنة، فقد يأتى تلبية لإستدعاء النظرة أو يأتى حتى على سبيل الصدفة ..

ويدك اليمنى تستند الى السور، فى محاولة لاضفاء اللمسة الأنثوية الجميلة على السور الذى تم بتر أخشابه من الطبيعة، وتشكيلها بما يخالف الطبيعة ... الطبيعة الانسانية الحرة بالفطرة.

أصابع يدك اليمنى ممسكة بالفراغ، كما يبدو لنا، ولكنك تتمسكين بأحلامك من خلالها، وتشعرين ان حقك يكمن فى التمسك بما هو أعمق وارقى، من فراغات فرضت عليكى وقدمت لك فى قوالب مغرية .. لكن نظراتك تشير الى انك اذكى بكثير من ان تنخدعى باغراءاتها.

ألوان فستانك تخالف الطبيعة التى حولك، ولكنها غير منفرة، تؤكدين من خلالها انك ضد الذوبان فى أى خلفية، فمكانك دوما للقلوب ملفتا وللأعين جاذبا وللعقول محيرا ... وصورتك فى أى مشهد تكون دوما جميلة وراقية، فتلك طبيعتك وسمات طلتك على الانسانية، ولن تستطيعين التخلص من هذا التأثير القوى المثير أبدا، فهو انعكاس لدورك فى وضع مقادير الجمال والرقة والرقى فى الخلطة الإنسانية.

بل ربما يكون هذا التأثير هو المشكلة، فهو ما يجعل وضعك خلف السور هو افضل الحلول الممكنة ... حلول تكفل حياة تبدو سعيدة لمن يظن انه امتلك الأنثى، بوضعها خلف سور والبحر من وراءها ... فيظن ان اختيارها الوحيد يكون الخضوع لتلك الأوضاع وتقديم فروض السمع والطاعة كاملة.

شعرك يتموج طلبا للخروج من قيود تلك التصفيفة التقليدية، التى تتآمرين مع الهواء للتخلص منها باكثر الطرق تلقائية واقلها وضوحا ومباشرة  ... فأنت تخشين من المواجهة، ترين انك لست أبدا أهلا لها ... ولكن إبتسامتك، المشتتة بين الثقة والرغبة، تشير بأنك أقرب مما تظنين لما تريدين من حقوق مسلوبة فى وقت غفلة.

السور ليس عائقا، فبانحناءة بسيطة تستطيعين المرور من خلاله ... فلا يوجد عائق يمكن ان يثنيكى عن احلامك، العائق الحقيقى هو مدى ارتياحك لاداء دور المتطلعة الآملة الحالمة، فى انتظار المنقذ، إنسانا كان او حدثا، والذى قد لا يأتى ابدا.

لوحة بديعة تثير العديد من التأملات، ويختلف تأثيرها من متلق لآخر، وتلك هى عبقرية الفن بكافة انواعه وسر من اسرار خلوده. فالمبدع يخلق عملا ويضع فيه كافة مشاعره ثم يتنازل عن ملكيته لمحبى فنه، وكل منهم يراه ويشكله ويستخدمه كما يحلو له، فى لحظة ناعمة خاطفة يهرب منها للحظات من جمود وخشونة واقعه.

للأسف لم أتمكن من معرفة الرسام الذى أبدع تلك اللوحة، وقد أستعنت بأكثر من صديق، ممن يهوون الفن التشكيلى وممن هم من فنانية، فى محاولة لفك طلاسم التوقيع الغامض الذى يتذيل الركن الأيسر من الصورة دون جدوى.

ولكن تظل تلك الإنطباعات التى خلقتها اللوحة بداخلى ... وبالتاكيد هى تحتمل أكثر من معنى.

فادى رمزى