#أغانى_مجننانى: بانوا بانوا

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

 

هى ليست اغنية، بل ملحمة مصرية اصيلة كاشفة وموجعة ... اول مرة سمعتها انبهرت بهذا الكم من الابداع والعمق والأصالة والصدق والقوة فى التأثير، وهى امور من النادر جدا توافرها فى اى عمل فنى، الا لو كان صانعوه يقطرون فنا ويعشقون وطناً ... فابعاد الأغنية ابعد كثيرا من ان تكون فقط من شفيقة للفسدة الذين يريدون استغلالها.

هى ملحمة غنائية تكشر فيها امرأة عن انيابها فى وجه من يحاولون استغلالها، وتثبت لهم انها غير غافلة عن فسادهم وترى جيدا قاذوراتهم ... وانها لهم بالمرصاد حتى لو ظهر لهم انها تتراقص امامهم وفى متناول ايديهم.

صلاح جاهين كالعادة يعصر اصالته الوطنية وجذوره المتعمقة فى تراثنا ويلقى هذا المنشور الثورى المصاغ بمنتهى السلاسة، وعلى طريقة السهل الممتنع مثل باقى اعماله التى اصبحت جزءا اصيلا من تراثنا وثقافتنا كلنا.

"بانوابانوا بانوا على أصلكوا بانوا" ... هل نحتاج الى وضوح اكثر من هذا؟؟ هذه الجملة "الرداحة" تصل فورا لقلب المتلقى منا، تلفت نظره لما سياتى وايضا تتحول تلقائيا الى ايفيه مصرى يلقيه فى وجه كل من يحاول استغلاله.

"والساهى يبطل سهيانه" ... هو نداء لكل من يتغافل عن الحقيقة ويتعامى او يتغابى عنها، وساهى بالطبع تم اختيارها بعناية، فهى اكثر مصرية وعمقا عن "الغافل"، الذى قد يكون غافلا بدون قصد منه او لعدم معرفته بكل الحقائق، وترمى لمعنى آخر يطابق المثل الشهير "ياما تحت السواهى دواهى" ... اى انها كلمة "تلقح كلام" على المتعامى المتغابى وايضاً المستهبل فيها على الآخر وفاكر انه يقدر يضحك علينا بسهيانه فى تصريحاته التى تكشفها افعاله.

"ولا غِنا ولا سيط دولا جنس غويط ... وكتاب ما يبان من عنوانه"  ... فى جملة واحدة نسف جاهين الجميل بتاعنا اصل وفصل الفاسدين الذىن يحاولون رسم صورة اصيلة لتاريخهم الأسود، وينبه فى الشطر الثانى الى ان عنوان كتابهم قد يبدو براقا ولافتا وموحيا ولكنه عكس ما يبدو تماما. "جربنا الحلم المِتعايْء ابو دم خفيف ... وبقينا معاه إخوه شقايق .. فاكرينه شريف ... أتاريه مش كده على طول الخط ... الطبع الرضى من جواه نط ... خلاص بقى مهما إنشال وإنحط مافيش دمعة حزن عشانه .... بانوا أيوه بانوا"

الله يا جاهيننا، وصف النصاب اللى برخصة بمنتهى الدقة، من يأتى متباهيا ببدلته وببساطته والذى اتخذناه شريفا، بتأثير افعال بالغ فى وصفها، ولكن "الطبع الرضى"، اقصر جملة واكثرها تعبيرا فى لمحة عبقرية جاهينية، من جواه نط ... قفز فى وجوهنا وبالتالى لن نذرف عليه اى دمعة فهو يستحق ان يلقى فى طره.

"وعرفنا سيد الرجال ... عرفنا عين الأعيان ... من بره شهامه وأصاله ... تشوفه تقول أعظم إنسان ... إنما من جوه ياعينى عليه ... بياع ويبيع حتى والديه ... وأهو ده اللى اتعلمناه على إيديه ... القهر وقوة غليانه ... بانوا .. أيوه بانوا"

ويبدع جاهين فى وصف من يحترف اظهار قيم نبيلة وطيبة وعريقة حتى تراه وتقول مافيش اكثر من كده تقوى، وتظن ان شجاعته وقوته ستكون الدرع الحامى ضد اى ظلم، ولكنه يبيع والديه ولا يتردد فى سفك الدم ... ويمثل كافة معانى القهر والظلم ويثير فى مشاعرنا الغضب وقوة غليانه، وكشف هنا يعطى درسا فى عدم التأثر بالمظهر وان الأخلاق الكريمة ليست مجرد جلباب ولحية.

"دوروا وشكوا عنى شويه كفايانى وشوش ... ده أكم من وش غدر بيا ولا ينكسفوش ... وعصير العنب العنابى العنابى ... نقطه ورا نقطه يا عذابى يا عذابى ... يكشفلى حبايبى وأصحابى ... يوحدنى وانا فى عز شبابى"

فعلا لا تريد تلك المرأة الأصيلة اى وشوش غير صادقة، من يمثلون انهم مهتمون بها وآخرهم تصريحات سيس وخايبة او يهتفوا انهم واحد من ناسها او أنهم سيجعلونها قوية، وبعدين يغدروا بيها وقت الجد ويكتفوا بالمساندات الفضائية ... نقطة ورا نقطة من عذاباتها المتواصلة، تكشف لها من هم اصحابها واحبابها، الذين تستند بهم ويتجدد شبابها بوجودهم وتضحياتهم المتواصلة من اجلها.

"القلب على الحب يشابى والحب بعيد عن اوطانه ... بانوا .. أيوه بانوا" ... يااااه على اوجاع تلك الجملة ومدى صدقها وقوتها، القلب يشب على الحب فعلا ولكن الحسرة فى وجوده بعيدا عنه، بعيدا عن مسكنه وملاذه ... جاهين اضاف "يشابى" للعامية المصرية فى رايى، وياله من تعبير يحكى تاريخ حياة كاملة بتجميع حروف قليلة.

كمال الطويل فى لحنه لم يقل ابداعا عن جاهين، فهو ايضا ممن جبلوا فنانين ... استلم التيمة "الرداحة" للكلمات وحولها بمنتهى السلاسة لنغمات ... وهو هنا لم يستعرض قدراته اللحنية، فهذا البيان السياسى الغنائى لا يتطلب سوى تيمة موسيقية تلقى الكلمات فى حجر كل فاسد ومحب مرتبطان على سبيل المصلحة او العشق مع هذه االمرأة.

مهد المقدمة كفرش الملاية ... تيمة سريعة متكررة متلاحقة، تعقبها رنات صاجات، وهى آلة موسيقية تلزم الكل بالإنصات لها ... والملحن بالفعل اسكت الآلات الأخرى وقت رن الصاجات. تراقصت النغمات بالمزمار العالى الصاخب اعلانا بان البيان مصرى شعبى اصلى، باستخدام المزمار الخاص بالموالد، وهو ايضا بمثابة بروجى الصحيان الذى يجعل المعسكر الشعبى كله ينتفض والتجمع لسماع التعليمات والقرارات.

وتتموج النغمات صعودا وهبوطا مع الكلمات، لتماثل حركة يد المراة المصرية حين تنتقد بطريقة رداحه صاخبة وتاخد اللى قدامها غسيل ومكوى ... وبالطبع ارتفع بالنغمات ليضع خطوطا لحنية تحت كل كلمة من كلمات "اتاريه مش كده على طول الخط" (فى الدقيقة 2:47 من الكليب المرفق) ... فهذا هو محور العمل كله، توضيح ان الأقنعة كلها قد سقطت.

وتاتى دفوف الزار لتمهد للمرحلة الثانية، ويتحول اللحن الى تيمة الزفة البلدى ترحيبا بسيد الرجال الذى كان متباهيا باخلاقه وورعه ... ثم يعود اللحن لطبيعته الرداحة المعتادة فى الجزء الثانى الذى يوضح فساده. وتتراقص الموسيقى بعصرية كانها تتنبأ بالتغيير الذى ياتى معه الآفاقون التاليون،  اصحاب السمو والعلو ... ثم تهبط فجاة فى "دوروا وشكم عنى شوية" فهى كانت فرحة بالوشوش التى اتتها اخيرا ثم اكتشفت فساد توجهم وانهم لا يقلون خطرا عليها من النوعان السابقان.

"حبايبى واصحابى" و"يوحدنى وانا فى عز شبابى" يضع كمال الطويل لازمة موسيقية سريعة ومبهرة بعد كل جملة، وهى جملة اراها "كياده" وبمثابة وضع قبضة يد اليمنى على كف اليسرى مع تطليع اللسان لاعداءنا، حتى نثبت اننا معنا اصحاب واحباب ولسه فى عز شبابنا.

سعاد حسنى طبعا عبقرية مصرية اخرى، شقاوة ولذاذة وطعامة واحساس عالى غاية فى العمق والروعة ... تضحك مع دمعة حسرة، تثور وتطغى وهى تظهر الإستكانة، تنتفض رافضة خنوعها وتخضع من القهر وهى عالمة جيدا مقدارها .. لقد ادت سعاد حسنى تلك الأغنية بقلبها، ازعم انها لم تتدرب على اداءها و تهتم بالتفاصيل بل هى اطلقت نفسها وامتزجت بكل خلجة من خلجاتها وكل جزء من جسمها لتتحول للوحة كاملة متجسدة تعكس كيف تسمو المرأة الأصيلة فوق المستفيدين منها، وتثبت لهم انها هى التى تسوسهم وليس هم من يقودونها ويتحكمون فيها.

حركات يدها ونظرات عينها لا يمكن ان تكون سوى تلقائية ... وهزة كتفها تراها تنفض عن كاهلها كل مفاسد من يستغلونها ... وفى "خلاص بقى مهما ان شال واتحط" تضيف تنهيدة الحسرة وزفرة الألم المطلوبة بمنتهى السلاسة فى التحول من حالة لحالة.

هى لا تقدم ما يعرف بـ "الرقص البلدى" ... بل هى تقدم تابلوها من الرقص المصرى المتأثر بانفعالاته وقهره وعصبيته وغضبه من اوضاعه ... هى تقدم لونا جديدا من الرقص يبرز القوة والضعف ... الظلم والقهر .. ويحلم بالعدل .. يقدم الجمال والرشاقة الممتظحان بالقوة وخفة الدم والصراحة ... بدون ان تنتطق اى كلمة، رقص سعاد حسنى وحده ملحمة مصرية.

فى أحد المقاطع تشير "لعريسها سيد الرجال" بايديها بمعنى: تعالالى تعالى .. عاملي فيها ابن ناس واصول، ثم تسخر منه وتمسح به الأرض بحركات كتفها وبعدها تنطلق فى حركة شقاوة طفولية مفاجئة جدا لمن يتابع العمل فى الفيلم، والطفولة طابع مصرى اصلى فنحن مازلنا كشعب نحمل البراءة الطفولية فى اعماقنا، وربما لهذا يرانا الكثيرون سهلو الإنقياد .. ولكن سعاد حسنى كشفت ان الطفولة ميزة وليست عيبا، فبراءتها تكشف الفسدة بسهولة وبفطرة انسانية سليمة لا تخطىء سوى نادرا.

فى "بعيد عن اوطانه" اضافت دفئاً لآخر كلمة بتنهيدة حنين اطلقتها سعاد مع حروف الكلمات، ويالها من تنهيدة توجع القلوب وتعصرها مع قوة كلمة "وطن" التى تعبر عن الحضن والآمان والفخر والسكينة التى نفتقدها كلها.

جاهين كمال سعاد .. ثلاثى مصر وليس فقط مصرى، فهم لنا ومننا وبنا ولأجلنا ..

لم يدّعوا المصرية بل عاشونا وعشناهم ولهذا فهم خالدين متواصلين دوما معنا ..

هم قادة شعب امتلكوا ناصية فنه وعبروا بصدق شديد عنه ..

وتظل اغنية بانوا بانوا لها اكثر من وقع ومعنى ..

وتجعلنا بعدها ندعو على ما فعله السفهاء ... بنا.

فادى رمزى