#أغانى_مجننانى: حلوة بلادى السمرا

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون

عندما يمتزج الإبداع الفنى والموهبة الخالصة المخلصة مع الحس الوطنى العالى ... ينتج مثل هذا العمل الفنى الذى لا تملك فور سماعه سوى أن تغنى من كل قلبك و مشاعرك لبلدك.

الأغنية إسمها حلوة بلادى السمرا ... ومن احلى ما فيها ملحنها للعبقرى بليغ حمدى، الذى  يمزج الشجن مع الفرحة، الأمل مع الرهبة، التنهيدة مع الزفرة فى هذه الحالة الفنية الفريدة من نوعها ..

بدأ الأغنية بمقدمة تبدو رتيبة ولكنها مثل دقات الميكروفون التى تسبق اى هتاف جماعى فى اى مظاهرة حب وطنية ... فهى نغمة تقول: انتبهوا جيدا واستعدوا لتكرار الهتاف معى ... اللحن سينبع منكم انتم فأنتم مشاركون وليس مجرد مستمعون.

ويبدأ الهتاف الجماعى بـ "حلوة بلادى السمرا" وهى من ابداعات الشاعر عبد الرحيم منصور الذى وضع كلمات ناعمة سلسلة حنونة وغير متشنجة أو منفعلة كعادة بعض الأغانى الوطنية ... بل انه لم يذكر اسم مصر سوى فى "ليكى يا مصر" و"تحيا مصر" كجمل اعتراضية عابرة تقال فيما يبدو همساً ... فالعارف لا يعرف والمطلوب "حالة فنية" وليس شعارا انتخابيا او إعلانا غنائيا عن حبنا لبلدنا.

وصف مصر بأنها "سمرا" و"حرة" يكفى تماما لأن نتعرف على أصلها وجوهرها والمكانة التى نتمناها لها، فهى سمرا بلون طمى النيل ومن ضى شمسها الدافئة ومن اصولها العربية والأفريقية، وحرة ... منطلقة .. مبدعة ... متألقة بلا قيد يتحكم فى شئونها او فى اتجاه تحليقها وسط اجاء الحضارة البشرية ..

 "وانا على الربابة بغنى مملكش غير غنوة أمل للجنود امل للنصر" ... بساطة وتلقائية تعبيرية تخرج عن اى اطار آخر لأى اغنية عاطفية وطنية، فهى مواطنة تمتلك فقط اوتارا ذهبية هى كل اسلحتها ... وعلى ربابة بدائية الصنع تنبع من بيئة مصرية أصيلة وأصلية، تغنى للجنود من أجل بث الأمل فى النصر فى نفوسهم ..

 مشاعر ام واخت كبرى وحبيبة ورفيقة درب امتزجت مع ومضة لاح فيها الأمل فى نصر طال انتظارنا له ... فانطلقت المشاعر من قلوب كل المصريين ليجسدها الشاعر فى تلك الجملة التى تحمل معانى كثيرة.

 "ابارك كل خطوة تعدى ع الطريق الصعب" ... هذه ليست جملة شعرية بل هى اساس العلاقة بين الشعب والدولة، فبدون "مباركة" الشعب، ممثلا فى تلك المراة التى تقف فى الصفوف الشعبية تهتف وتغنى وتؤيد وتصلى، لن يمكننا ان نعبر من اى طريق صعب ... بل هى تتخذ موقع القيادة حين تقول: "قول معايا يا شعب" ... اذا هى القوة المؤثرة الحقيقية التى بدونها لن يجد الجنود الغطاء المعنوى الذى يحميهم ويدفعهم للمواصلة.

 بليغ حمدى كعادته لم يتمطع ويفرد عضلاته الغنائية، ريتم واحد بسيط يتولى الأغنية من بابها، فالهتافات الجماعية لا تكون معقدة لحنيا ... والريتم مبهج لأن المناسبة مفرحة واقرب لأناشيد الأفراح الشعبية فى التيمة المميزة لها، فهى تيمة يمكن ضبطها بالتصفيق والتطبيل على اى سطح بدون الإحتياج لآلات موسيقية خاصة.

لكنه بحسه العالى، الفنى والوطنى، غير الريتم لثوانى فى جملة "وإنتى اللى ما بتنسيش شهيد هدر بدمه ع التراب الحر" ... فلقد اوقف تيمة الأفراح، بعد كلمة شهيد، احتراما للذكرى العطرة، وذلك بنقلة موسيقية غاية فى الشجن فرضها على خلفية الريتم الأساسى للأغنية ... لقطة خاطفة تجعلك تتمايل طربا واعجابا بهذه العبقرية الموسيقية والإحساس الفنى العالى من الملحن والوردة التى تغنت بالكلمات وشعرت بها فتفتحت آذاننا ومشاعرنا لتلقى هذه الحالة الفنية البديعة والمتميزة.

وردة الجزائرية، المصرية فى هذه الأغنية، اطلقت كل حرف من قلبها ... فى "ما مملكش" تعطيك احساساً بالعجز بكسرة بسيطة فى صوتها، وكل مرة تقول فيها "مصر" فى "ليكى يا مصر" تستشعر مدى اعجابها بتلك الكلمة وما تمثله بالنسبة لها ... وكأنها تستدعى ذكريات حياتها فى كل مرة تنطقها. وفى "أمل" ترتفع بصوتها مضيفة اليه البسمة المطلوبة للتعبير عن كلمة طال اشتياقها لنطقها.

تتجول بين ربوع كلمات الأغنية وتلقيها علينا بمنتهى التلقائية وكانها وليدة اللحظة، ولذلك فى "قول معايا يا شعب" هى واثقة من اننا سنردد من ورائها، فالصيغة هنا ليست طلب او امر بل "هيا بنا نهتف جميعنا فقد حان اوان الفرح بما فعله ابطالنا".

فى كلمة "شهيد" تؤدى معبرة عن لوعة فقدان الشهيد ... بدون اى مزايدة او افتعال، بل من قلب يشعر بالألم بينما العقل يحاول ان يلهمه نعمة التقبل والتفهم. لذلك جاءت "فداكى يا مصر" محسوسة وموجعة وغير تقليدية بل هى بمثابة التذكير بالثمن المدفوع من اجل ان تصير بلادنا السمرا حرة غير مقيدة.

وفى "بلاااااادى" الآخيرة ستجد نفسك تتمايل مع امتداد الكلمة، اعجابا بقدرتها على اطلاقها بمنتهى السلاسة بصورة تدريجية وكأنها ترددت اولا بين اركان قلبها ثم انطلقت لتلمس قلوبنا، وذلك فى نداء اشبه بالتنهيدة، على بلاد غابت كثيرا وعانت طويلا وآن الآوان لان تفرح ... ولو قليلا. أداء صوتى عبقرى يمزج بين الفرحة والشوق والشجن والحسر،ة فى مزيج يمثل البصمة المميزة لموهبة وعمق احساس وردة.

حتى إخراج الأغنية، كما يبدو فى الكليب، به حس فنى عالى ... فهم مجموعة شباب يتغنون ببساطة بمقدار حبهم للبلد، بينما يتسامرون سويا بمنتهى التلقائية ... وليس كورالا جامدا يقف وراء المغنى ليردد الكلمات مثلما اعتدنا.

تحية تقدير وعرفان كبيرة ومن اعماق قلوبنا لكل من ساهم فى هذه اللحظة الوطنية ... والفنية ... فانتم فى الحقيقية من يعطى الطعم والمعنى لمصريتنا.

فادى رمزى