#أهم_خبر: "أمن الأمهات" حل برازيلى بسيط وعبقرى

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم اهم خبر

 

تعانى البرازيل من شغب الملاعب، والذى تمارسه مجموعات من المشجعين المتحمسين لفرقهم "بزيادة" شوية ... التراس يعنى، فهم متواجدون فى كل الدنيا.

كان فى امكان منظومة حفظ الأمن فى الملاعب البرازيلية ان تلجا الى تعزيز قواتها لمواجهة تلك الظاهرة، او استخدام اسلحة متطورة من اسلحة مكافحة الشغب، او القيام باجراءات قانونية خاصة وصارمة، تلقى بمن يثير الشغب فى السجون بعد محاكمات عاجلة ... وكل تلك الأمور تعتبر منطقية للغاية، من الناحية النظرية، وبالطبع ستجد العديد من المؤيدين لها بلا اى مشكلة.

لكن فيما يبدو ان خبراء الأمن وتنظيم المباريات فى البرازيل قد لجأوا الى العلوم الإنسانية، علم النفس على سبيل المثال ... حيث ان تلك الظاهرة مرتبطة بمنافسة رياضية، وبالتالى فمثيرى الشغب ليسوا من معتادى الإجرام، بل هم مشجعون متحمسون لفريقهم بطريقة مبالغ فيها. هم مخطئون حين يلجأون للعنف بكل تأكيد، لكنه يظل فى اطار تشجيع فريق كروى، وليس من خلال ممارستهم مثلاً لعمل إجرامى، وكل من هؤلاء الالتراس له حياته الطبيعية الخاصة خارج حدود التشجيع، سواء فى مجال التعليم او العمل ... أى ان العنف ليس وظيفتهم او منهجاً يتبعونه فى كافة شئون حياتهم.

المسئولون لجاوا الى حل خارج صندوق الأفكار التقليدية تماماً ... فقد اهتدوا الى ان الشاب المتحمس هذا سيرتدع اذا ما وجد ان والدته من ضمن منظومة الأمن فى الأستاد ... نعم والدته ... امه ... ام اخوه واخته ... على الأقل ساعتها لن يقاوم قوات الأمن وافراد تنظيم المباريات بطريقة عنيفة، خوفا من ان يصيب امه او ربما ام صديقه وزميله فى رابطة تشجيع فريقه.

وبالفعل قام المسئولون بمنح تلك الفرصة لأمهات شباب الأتراس الراغبات فى المشاركة، ودربوهم على اسس الأمن وتنظيم المباريات، فالعلم هنا يفرض نفسه فى كل خطوة وليس فقط خلال مرحلة طرح الفكرة، والبسوهم زياً خاصاً مكتوب عليه "أمن الأمهات"، واوقفوهم فى اماكن مختارة فى الاستاد خلال المباريات.

وقبل بداية المباراة رفع اللاعبون لافتة مكتوباً عليها: "أمهات الجماهير هن المسئولات اليوم عن الأمن .. اظهروا الاحترام" ... وبس خلاص ... التزم الجميع بالتشجيع المثالى وكان النجاح باهراً ومحققا للامن والآمان.

حل بسيط وعبقرى فى الوقت نفسه، سهل وممتنع ... ولكنه ينم عن توافر عقول مجتهدة تدرك جيدا حجم المسئولية الملقاة على عاتقها، وتدرك ان الأمن علم وفهم وليس هز كتاف وفرد عضلات ... وان الهدف هو منع وقوع اى حوادث قد ينتج عنها ضحايا، والحرص على تجانس منظومة الجمهور والأمن، فلا تخلق اى كراهية او ضغينة بين الطرفين بسبب استمرار العنف والعنف المضاد، فالعنف دوما ما يولد العناد.

ايضا ينم التفكير فى اللجوء لهذا الحل مدى حرص المسئولين على سلامة الجمهور، كله بما فيه من ينتهجون العنف فى تشجيعهم، فاللعبة قد خلقت لكى يتمتع الجمهور بها، وليست ابدا ساحة للعنف او للصراعات بين الجمهور والأمن بأى صورة .. فالكل يجب ان ياتى إلى الإستاد آمنا ويشاهد المباراة مستمتعا ومخرجا للشحنة العصبية التى يحتاج ان يخرجها، ثم يعود الى بيته راضيا ومحققا للغرض الذى قرر من اجله الذهاب للأستاد، بدلا من المشاهدة وهو جالس على الكنبه.

الغرض من هذا العرض ليس ان نأخذ نفس الفكرة كما هى ونطبقها عندنا ... قد تصلح او لا تصلح لا ادرى ... لكن الغرض هو ان ننتهج نفس المنهج فى التفكير عند التعامل مع الجمهور الكروى بصفة عامة والألتراس بصفة خاصة، وهذا المنهج يتلخص فى النقاط التالية:

1- اللجوء لعلم النفس ... فمش عيب ان الأمن يلجأ لعلم النفس لمساعدته فى عمله

2- الحرص على سلامة كافة المشاركين فى منظومة الكرة بداخل الملعب وخارجه

3- النظر للأمن على انه "خدمة" مقدمة للجمهور واللاعبين وكافة المشاركين، وبالتالى يجب ان تقدم على اعلى مستوى وبكفاءة عالية.

4- الأمن دوره ان يمنع حدوث العنف وليس فقط التدخل عند حدوثه.

5- مقياس نجاح الأمن فى اداء دوره يتلخص فى عدم حدوث اى خسائر عند اى طرف على المستوى المادى او المعنوى.

تلك القواعد أو الأسس الخمسة هى ما يمكن استنتاجه من آلية صنع القرار فى البرازيل الشقيقة، فى الإنسانية على الأقل. والمطلوب ان ننتهج مثل هذا المنهج فى التفكير على مستوى المسئولين وايضا على مستوى المواطنين ... فالقدرة على اكتشاف اساس الخطأ تساعدنا كلنا فى الوصول الى اسباب تكراره مرة تلو الأخرى، فلا ننشغل ابدا بتفاصيل او امور هامشية تبعدنا عن اكتشاف الثغرة المهولة التى يمر الفساد منها كل مرة.

وأخيراً اختتم مقالى هذا باللغة البرتغالية، قائلا من صميم القلب:

Dá-nos , Senhor,

أو كما يقال بالعربية: اوعدنا يارب

 

فادى رمزى

مصدر الخبر كما جاء فى جريدة الأهرام يوم 11 فبراير 2015