#غادة_بدر تكتب : تحب تموت إزاي؟

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم سينما

 

محدش يقول ان المقال تشاؤمي ... فلا أحد مخلد وكل نفس ذائفة للموت، وأنا مجرد هعرض بعض الحقائق مش اكتر. وبصراحة كمان ... بما أن مالكمش يد في اختيار طريقة وفاتكم، أنا قررت أديكم الفرصة دي واعرض عليكم بعض الخيارات التي تنهون بها صفحات كتاب الحياة .. محدش يبصلي كده، أنا بديكم "أوفر" عمركم ما هتصادفوه في حياتكم، وكل سيأخذ نصيبه سواء ابى ام رضى.

من الأخر أصدقائي ... اذا كانت لديكم فرصة اختيار لطريقة وفاتك او مقدمات تمهيدية للوفاة ماذا ستختارون؟؟؟

هل تختارون موت الغفلة ؟ اي ان تموت وانت بكامل صحتك وعافيتك ... حادث سيارة مثلآ ... او التعرض لأزمة قلبية تؤدي الي الوفاة فجأة ... او جلطة في المخ تنتقل على اثرها الي الرفيق الأعلى ... أو أدعي عليك فتموت بالسكتة القلبية ؟؟ ... هل حقآ تريد ان تفاجأ ذويك برحيلك، يعني بأختصار هل ستختار ان تموت فجاأة دون ان تتعذب او تبتلي بالمرض والآمه؟ ام أنك ستختار الموت بعد معاناة قاسية مع المرض ؟

مش جنان ولا حاجة ... ممكن طبعا وليه لا فالمرض ابتلاء ... هكذا وجدنا انفسنا نردد كما ردد اباؤنا واجدادنا من قبل، فالمرص ابتلاء يرفع درجاتنا الي السماء ... فيطهرنا وينقينا من ذنوبنا الماضية ... ويعدنا ليوم حساب نكون فيه مطهرين وانقياء كالثوب الأبيض. ومن منا لا يريد تنقية ثوبه وتطهيره، ولا هو كلام وبس وساعة الجد هنهرب ... أه وفيه ميزة كمان للمرض فهو تمهيد لأحباءك بقرب رحيلك.

طيب افترضنا انك اخترت التطهر من ذنوبك والإبتلاء بالمرض ... لأنك راجل مؤمن وترضى بقضاء الله ... فبأي مرض تختار ان يبتليك الله سبحانه وتعالى ليرفعك الي جناته؟

سأعرض عليكم بعض الأمراض واختاروا منها ابتلائكم .. خليكوا معايا بس للاخر هتفهموا قصدى.

هل تريد ان يكون ابتلائك بمرض القلب ؟؟... فتعيش حياة لا يمكنك الاستمتاع فيها بعافيتك حياة بقائمة طويلة من الممنوعات بداية من المجهود البدني او الذهني او حتى المشاعري بالإضافة الي قائمة طويلة من الأطعمة المحظور؟ فقد يؤثر كل ذلك على قلبك وقد يكلفك حياتك كلها وبعد كل هذا الحرمان النفسي والعاطفي يجيلك الواد ابنك بمصيبة تتنرفز شوية تموت بأزمة قلبية.

او

هل تريد ان تصاب بداء السرطان ؟ (يا ساتر عارفه .. اتقلوا بس ع المقال تاخدوا حاجة نضيفة)
السيدات: مثلآ عندنا سرطان الثدي، وده طبعا ممكن فيه يتم استئصال معالم الأنوثة لديك وتشعرين وقتها ان زوجك يزهدك، حتى وأن لم تكن هذه حقيقة مشاعره .. كما انه عليك استكمال بقية حياتك تحت ضغط وتهديد عودة المرض مرة اخرى ويتحتم عليك اجراء اشاعات وتحاليل دورية، فأنتي مهددة بعودة المرض مرة اخرى في اي مرحلة عمرية ...

او سرطان الامعاء، وعندها يمكن يتم استئصال تسعين في المية من امعاءك فلا يمكنك اكل اي شىء او الاستمتاع بلذة الطعام ومشهياته، مع العيش في خوف دائم من انتشار المرض مرة اخرى بالرغم من استئصاله ... فجسم الأنسان من جوا حدوتة.

الرجال: مثلا عندنا سرطان الرئة ... الذي يعد من اخطر انواع السرطان واوجاعه والآمه لا طاقة لك بها ... أو سرطان الكبد.

ولا اقولكم ... عندي ليكم مرض يمكن ما تعرفوش اعراضه قوي او بيوصلكم لحد فين ...
هو مرض الزهايمر ... المرض الذي يسحب منك الحياة ببطء فتصحو يومآ فتجد الحياة قد غادرتك وما أنت الا جثة هامدة تتنفس ... تصحو يومآ فتجد الزهايمر وقد حولك إلى وعاء أو إلى إنسان فارغ من الذاكرة والتاريخ.

من حوالي اكثر من عام مضى جاء هشام ابنى ومعه فيلماً شاهده من قبل، وبالرغم من ذلك اصر على ان نشاهده سويآ .. وكعادتي اقاوم وارفض، فأنا دائما رافضة لأي تغيير لروتينى اليومي ... اعترضت ولكن كالعادة في النهاية رضخت وما هي الا دقائق واخذني الفيلم الى عالم اخر ... كان اسم الفيلم... "ما ازال أليس" ... بطولة جوليان مور.

جوليان مور تجسد في هذا الفيلم دور سيدة في الخمسينيات من عمرها، تعمل أستاذة جامعية في علم الإنسانيات بجامعة كولومبيا الأمريكية، ذات شخصية قوية ومستقلة،
ويظهر الفيلم جوليان او أليس وهي تجوب العالم لنشر أفكارها بشأن النظرية المعرفية. وعندما تعود إلى نيويورك،ترجع إلى مسكن كبير أنيق في حي "آبر ويست سايد"، وهو مسكن تقطن فيه مع زوجها الشغوف بها الذي يلعب دوره آليك بالدوين.

ويعمل الزوج عالما وباحثا، يميل إلى الهوس بعمله بعض الشئ. ولكنه الهوس الذي يجعل الزوجين قادرين على التعايش معا. وتكون المشكلة الوحيدة التي تعاني منها الأسرة منحصرة في أصغر الأبناء، وهي الابنة والتي تلعب دورها كريستين ستيوارت.

تحاول الابنة أن تحقق النجاح في عملها كممثلة في لوس أنجليس، على خلاف باقي اخوتها ... ولكن أمها أليس لا تهدر فرصة الآ لتسفية عمل إبنتها، وهكذا، فإنه ليس بوسع الاثنتين، الأم وابنتها، تناول العشاء معا دون أن يبدر بينهما خلاف ما.

وخلال تناول أليس وزوجها وابنتهما وابنهما وجبة العشاء أثناء عطلة ما، يبدأ هذا الضباب، الذي تشعر أليس بأنه يغشى عقلها، الذي لا تفهم له معنى. ورغم ذلك تحاول أليس بشجاعة الإبقاء على ذلك طي الكتمان، حتى عن نفسها. فهي تحاول بشتى الطرق ان تبدو دائما بشوشة ومخلصة، وتبذل كل ما في وسعها لئلا ترتسم مشاعر القلق على ملامح وجهها.

ولكن بعد مرور اسابيع قليلة لم يعد بمقدور أليس تجاهل مخاوفها، عندما وجدت نفسها فجاءة، أثناء ممارسة الركض على نحو روتيني حول حرم جامعة كولومبيا، نهبا لحيرة وتشوش كاملين. وصار سؤالها لنفسها: أين انا؟ وما هذا المكان ولماذا أنا هنا؟
بعد ذلك، تضطر إليس أن تأخذ خطوة جديدة بزيارة طبيب أعصاب.

نرى أليس عند الطبيب تقلب بين أصابعها بطاقات تعليمية بهدف إجابة أسئلة اختبار لتحديد مدى قوة ذاكرتها. في بادئ الأمر، تبلى أليس بلاءً حسنا ... مما يجعلها تشعر بالأطمئنان، فربما لا يكون هناك ما يسوء في نهاية المطاف. لكن الطبيب يطلب منها فحصا للمخ بالأشعة، يكشف عن أن هناك مؤشرات تفيد بوجود تآكل لخلايا الدماغ مرتبط بالإصابة بمرض الزهايمر. وهذا ناتج عن جينات وراثية ورثتها من امها التي توفت بحادث وهي في الأربعين من عمرها ولم يكن المرض قد اصابها بعد..

تستقبل أليس هذه الأنباء كما ينبغي لباحث وعالم مثلها أن يفعل، أي دون اثارة الكثير من الضجة. ولكن ما حيرني وقتها ان أليس تمنت ان يكون ما بها سرطان في المخ عن ان تكون مصابة بالزهايمر ... بصراحة تعجبت فأنا قبل مشاهدة الفيلم بتفاصيله كنت اعتقد ان السرطان هو وحش العصر الفتاك، وكنت شايفة إن ...واية يعني ان الأنسان ينسى شوية .اهو برضوا احسن... بلا هم.

المهم أليس صاحبتنا تقبلت قضاء الله بمرضها وبدأت تخطو خطواتها نحو العلاج بدون يأس،
وعلى الرغم من ذلك، ولأن إليس من البشر، نجدها في احدى لقطات الفيلم، بعد زيارتها لأحدى المستشفيات المتخصصة بمرضى الزهايمر وأصطدامها بشخصيات فارغة الذاكرة ومجرد انفاس على كراسي متحركة لا تتذكر ابنائها او ازواجهم او حتى كيفية السير او الأكل ... نجدها في أحدى المشاهد تخفي قارورة بها حبات منومة في أحد الأدراج، وتسجل على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها رسالة تحتوي على تعليمات بشأن كيفية الانتحار، لكي تساعد نفسها على القيام بذلك في المستقبل عندما يفقد عقلها الكثير من قدراته.

إذا أليس برغم الأمل وعدم اليأس التى تتمسك بهما إلا انها بداخلها تشعر بأن أحداث حياتها تمضي إلى نهايتها ببطء وهي تتلاشى تماما مثلما تتلاشى أليس نفسها.

مشهد أخر مؤثر عندما تقف إليس في بهو منزلها ولا تتذكر مكان الحمام – فتبداء في البحث عنه، ولكن للأسف ذاكرتها لا تسعفها، أنظر انا إلي الجزء السفلي منها فأجد لباسها السفلي مغرق بالمياة، ثم تنتقل عيناي بسرعة إلي الجزء العلوي منها فأجد دموعها أيضآ قد بللت لباسها الأعلى.

من المشاهد البديعة عندما تقرر أليس ان تكشف الحالة المرضية التي تعاني منها على العلن، لعلها تساعد مرضى آخرين، فنجد هذه السيدة تلقي كلمة في غرفة تكتظ بالباحثين. وتمر على كل عبارة قرأتها بقلم مظهر يكسو كل عبارة قرأتها بخط أصفر سميك، لكيلا تتلوها ثانية.

المشهد هنا بجد مفعم بعناصر التشويق على نحو مرهف. وعندما تتلعثم أليس وتسقط أوراقها على الأرض، يجتاحني الخوف عليها من فرط تعاطفي وأحساسي بها.

مع تطور حالة أليس نرى مشهداً اخر مؤثر ... وذلك عندما تذهب لرؤية مسرحية من بطولة ابنتها، وفي نهاية العرض تذهب هي ووالدها واخوتها ليهنئوها عبر الكواليس. .. فنجد أليس تنظر لها نظرات خالية من أي مشاعر، فهي لا تعرف ولا تتذكر انها أبنتها... تثني على يديها وتتنبأ لها بمستقبل باهر في عالم الفن، وتمضي راحلة دون ان تتعرف عليها.

ولكي يتماشى الفيلم مع عنوانه (ما أزال أليس)، تعين على المخرج أن يجعل بطلته أليس متسقة مع شخصيتها حتى النهاية ... فالفيلم دعوة للمشاهدين للبقاء متمسكين بالشعور بالسعادة والتشبث بالأمل، حتى وهم أمام إمكانية إدراك أن كل شيء قد ضاع منهم.

اصدقائي .. كلنا مبتلون، وفي بعض الاحيان عندما اتأمل حياة هؤلاء البشر ادرك كم نحن محظوظون لما نحن عليه، مقارنة بتلك الأرواح المحطمة التي يعصف بها الكرب أمامنا... فأستفيقوا يرحمكم الله وصونوا نعم الله عليكم... فهي كثيرة لا تعد ولا تحصى.

غادة بدر