#سوزان_نادى تكتب: نوارة الجميلة بين الفقر والثراء

كتب بواسطة: سوزان نادى في . القسم سينما

 


الفقر اسوأ شىء يمكن ان يتعرض له الإنسان فى الحياة، خاصة وأن كان هذا الفقر نتيجة ظلم فى تقسيم موارد الحياة الطبيعية وخلل ما فى أدارة مؤسسات الدولة. مما ينتج عنه فروق شاسعة بين طبقات المجتمع المختلفة، فيظهرمجتمع فقير كادح لا ينعم بأى شئ، حتى ولو أبسط الحقوق، ومجتمع أخر فاحش الثراء يعيش فى رفاهية مستفزة.

حينها تصبح كائناً مهمشاً بلا كرامة وبلا إرادة حرة ... لا حول لك ولاقوة ... مما سيجعلك فى النهاية تثور وتنهض مطالبا بالعدل والحرية والكرامة الآنسانية. وتلك الكلمات ليست شعارات ولكنها كالهواء بالنسبة للفطرة والطبيعة الانسانية التى خلقها الله، والتى لا تقبل الذل والمهانة للابد .. ففى النهاية لابد ان تطالب بحقوقها غير مبالية بعواقب تلك المطالب، حتى وان كان ثمن تخليص تلك الحقوق من بين أنياب الديكتاتورية هو الدم والموت، لذلك قامت ثورات الربيع العربى وفى مصر قامت ثورة عظيمة نتيجة ظروف مريرة وشعب كادح يريد أن يحيا حياة كريمة.

هذه المظاهر والظروف والنتائج كلها سوف يسجلها التاريخ بين صفحاته لتتطلع الآجيال القادمة على الحقيقة، وتكتشف بنفسها ماحدث فى مصر عام 2011.

ولكن بالتأكيد للسينما مذاق خاص ... فهى المؤرخ الحى الذى يحول الآحداث لصورة حية تنبض على الشاشة أبدا ودوما. لذلك قررت المخرجة هالة خليل أن تجتزىء لنا من الواقع المعاش حكاية فتاة مصرية جدعة وبسيطة تعيش فى أحدى اﻷماكن المدقعة بالفقر مع جدتها، وتعاصر من هناك ظروف أيام الثورة ولياليها.

تعمل كخادمة فى أحد بيوت الأثرياء، وتحديدا فى بيت وزير سابق، وهى مكتوب كتابها على رجل نوبى بسيط يعيش فى الحى التى تسكن فيه. هم لا يستطيعون أتمام الزواج بسبب ظروفهم المادية الصعبة، فلا عمل لرجلها فقد وقف حال المحل الذى كان يعد مصدر رزق له، ولا توجد شقة فمتطلباتهم كثيرة ويعيشون فى دوامة ليس لها مخرج أو حل.

فى ظل هذه الظروف تحدث الثورة التى دبت فى نوارة الأمل فى أن ينصلح حالهم، وبالتالى تستطيع الزواج من حبيبها الذى يرفض دوما عملها كخادمة.

قصة مكررة وموجوده دائما فى حياتنا ... وقد قالت المخرجة هالة خليل فى أحد حوارتها أن نوارة نموذج لرضا الفقراء، وهى موجوده فى كل مكان حولنا، وقد جاءت لها فكرة العمل عندما شاهدت أحدى البائعات المطحونات فى السوق، والتى أستفزتها أبتسامتها وحالة الرضى التى تنعم بها رغم ضيق الحال وصعوبة العيش. فكانت تلك البائعة هى المادة الأولى لفكرة الفيلم التى عزمت على تجسيده من خلال شخصيات حية، وبالفعل بدأت فى كتابة السيناريو فى عام 2012 وأنتهت منه قبل ثورة 30 يونيو ... لتكون بذلك قد أستغرقت عاماً فى كتابته ولكنه خضع فيما بعد لبعض التعديل، خاصة بعد أن رشحت الفنانة منه شلبى الفنان والمخرج أمير صلاح الدين ليقوم بدور البطولة أمامها، مما جعل المخرجة تقوم بتغير ملامح الدورالمكتوب لتصبح فى النهاية شخصية البطل سمراء نوبية.

وقد أضفى ذلك لحبكة الفيلم نكهة جديدة ومختلفة فى عالم السينما، بكسر الفروق العنصرية التى تحول الحب دون أن يكتمل، فلا فرق بين أبيض وأسود فبلغة القلوب الكل سواء.

ومن خلال الأدوات واللغة السينمائية الراقية صنعت المبدعة هاله خليل من ذلك السيناريو لوحة فنية جميلة ومعبرة عن صراع الشخصيات وعن آلامها وحواراتها مع نفسها ومع الواقع الذى تعيش فيه. وذلك من خلال ترتيب المشاهد واللقطات.

يفتتح الفيلم بلقطة تصور نوارة وهى تحمل "جراكن" المياة الثقيلة لتصل بها إلى المكان التى تسكن فيه، حيث لايوجد صنبور مياه فى بيتها. وتتحول الكاميرا إلى النافذة التى تطلعنا على حياة العشوائيات وقبح المكان ذا البيوت متهالكة والشوارع المتعرجة المشوهه الخالية من أى مظهر من مظاهر الجمال والآدمية.

ثم ياتى مشهد أخر، بعد وصول على ونوارة، لاحدى المستشفيات العامة للإطمئنان على صحة والد على، الذى لا يجدوه فى العنبر فيبحثون عنه ليجدوه ملقى فى أحد دورات المياة لأنه لايوجد مكان لسرير فارغ. ويعد هذا المشهد من المشاهد الهامة فى الفيلم، فهو تصوير حى وحقيقى لما يوجد من أهمال فى تلك المستشفيات. وبسبب واقعية التصوير وبراعة كل من قام بإداء المشهد، حتى الكومبارس، جاء المشهد غاية فى القسوة على نفسى ونفس المتلقى ... فقد جعله يرى حقيقة واقعة فى مرآة الكاميرا ... فينطلق صارخا (نعم ..نحن هكذا ....).

ويبرز التضاد والفرق الشاسع بين الطبقات فى عدة مشاهد، من ضمنها مشهد وصول نوارة إلى الحى و الفيلا التى تعمل بها، بعد أن تركب أربعة مواصلات من الحى الذى تسكن فيه للوصل إلى هناك ... وكأن المقصود من ذلك بعد المسافة بين الطبقتين، فشتان الفارق بين المنطقة الكادحة التى تعيش فيها نوارة والمنطقة التى تعمل فيها كخادمة ... فالمنزل رائع وبه أماكن ممتلئة بالأشجار ومبانى بارعة التصميم والجمال. ومن خلال الكاميرا نلتقط جمال وهدوء الحى ورفاهية الفيلا التى تعمل بها.

مشهد وقوع نوارة فى أيدى رجال البوليس، بعد أتهامها بسرقه عشرين الف جنية، وترحيلها فى البوكس يدل على مدى الظلم الواقع على الفقراء، وعلى هروب الآثرياء حتى فى اللحظات الآخيرة.

ثم ياتى المشهد النهائى ... على يجرى خلف سيارة الشرطة راكبا دراجته، قائلا لنوارة: مش هسيبك يا نوارة ... وكأن المخرجة ترمز لنوارة بمصر، ومن يجرى خلفها محاولا أنقاذها هو محبوبها (على)، الذى يمثل شباب مصر المخلصين الآوفياء.

أما عن أداء الممثلين ... فجميعهم مبدعون وقد أجادوا اداء أدوراهم ببراعة وطبيعية.

منة شلبى (نوارة): تتألق دائما فى كل ماتقدم، فهى هنا ترتدى ثوبا أخر مختلف عن كل ماقدمته من قبل، فتجسيد شخصية نوارة تلك الفتاة البسيطة التى تكافح وتحاول بذل نفسها من أجل جدتها التى تريد أن تحج، ومن أجل لقمة العيش التى تحتمى بها من الوقوع فى الخطأ، مع الإحتفاظ بتلك الضحكة التى لاتفارق شفاها منذ بداية الفيلم.

تتحمل ظلم وقهر اقارب تعمل لديهم بدون أن تنطق، ولا تحاول الدفاع عن نفسها ... وقد برعت منة فى تجسيد الآستكانة والهدوء، حتى فى نبرة الصوت الهادئة الخافتة المكسورة. وكأنك تشاهد احدى الفلاحات السذج اللاتى يتعاملن بمنتهى البراءة وسلامة النية لا يدركن ماينتظرهن من مصير.

أمير صلاح الدين (على): موهبه رائعة وله أعمال مسرحية متميزة وتمثل بصمة مهمة فى تاريحه الفنى منها مسرحية قهوة سادة. فى تجسيده للشخصية تشعر وكأنك تشاهد شخصاً تعرفه أو رايته يوما فى مكان ما، فهو الشاب المصرى الذى يحاول دائما المطالبة بحقه البسيط. فنجد صوته يعلو على الممرضة فى المستشفى مطالبا بحقة فى وجود سرير آدمى لوالده الملقى على الآرض. أدائه وتعبيراته تنم عن بؤسه من هذا الواقع المفروض عليه، ونجده يتجادل مع نوارة فى ظروفه الصعبة التى لا يوجد لها حل.

محمود حميدة: قام بأداء دور الوزير الذى يرفض قبول واقعه وتقبل أن الثورة تهدد كيانه، فهو على شفا حفرة وسيسقط حتما. يؤدى بصوته الجهور الذى ينم عن كبر وعظمة، فهو لايسقط ابدا و رأسة مرفوعة دائما، لا يبالى وينزل الى حوض السباحة وكأنه فى مأمن من الخطر ... فلديه الوقت الكفاى للمتع واللهو.

ثم تتطور شخصيته ويبدأ قبول واقعة، ويرى انه لآن أصبح فى خطر بعد أن سجن بعض من أفراد النظام السابق، نجده يخضع لرغبة زوجته ويركب سيارته فى أنكسار ليسافر إلى الخارج. وكان محمود حميده متكمناً ومدركاً تماماً لكل لحظة أنفعال تمر بها الشخصية، فجاءت لذلك تعبيراته صادقة واضاف علامة مميزة للفيلم على الرغم من صغر مساحة دوره.

شيرين رضا: فى دور زوجة الوزير، شيرين صاحبة العيون اللماحة والذهن المتقد، سريعة التصرف التى تحاول تأمين بيتها والحفاظ على أسرتها من التشرد. تلح على النوارة البقاء فى المنزل حتى تحميه، وتنفعل على زوجها كى يدرك حجم الخطر الذى أصبحوا فيه. شخصية ذكية تجيد حسم امورها. وقد جاء أختيار شيرين رضا، بمواصفاتها الجسدية وأدائها الطبيعى، مناسباً جدا للدور.

أما أهم شخصيات الفيلم، فى اعتقادى، هى الممرضة التى تمثل نموذجاً لكل شخص فاسد فى محل عمله. وقام بأداء هذا الدور الفنانة شيماء سيف، وقد لعبت الشخصية بمنتهى الواقعية، فهى تتحرك وتنظر للمرضى، التى تشعر أنه سيأتى من ورائهم مصلحة، ولا تبالى بمن لا يدفع لها ولاتعيره أى أهتمام ... هى تعد على أن هناك سرير سيصبح خاليا لوالده، ثم بعد قليل تعطية لمن يدفع لها. تلك الشخصة المستفزة تجعل كل من يشاهدها يثور ويغضب وكأنه يريد تحطيم رأسها ... وقد أجادت شيماء توصيل تلك اﻷنفعالات للمتلقى من أداء حركى وطريقة كلام ونبرة صوت خاصة ومؤثرة.

المكان والزمان: البطلان الرئيسيان للفيلم ... فهناك منطقتين تم تصوير اﻷحداث فيهما، وكل منطقة تختلف أختلافاً شديداً عن اﻷخرى، منطقة فقيرة كادحة ومنطقة رائعة الجمال ... غرفة نوارة المتهالكة، حتى أن نافذتها تعد كالمحل الذى تبيع فيه جدة نوارة بعض سندوتشات الفول والطعمية، وبالغرفة ايضا مكان تربى فيه بعض الكتاكيت الصغيرة والضعيفة، مثلهم فى هذا العالم الموحش.

المكان الآخر هو الفيلا التى تعمل بها نوارة، فيها البهو الشاسع والديكورات العملاقة والمساحة الضخمة لكل غرفة من الغرف.

اما عن البناء الدرامى للفيلم فقد جاءت الأحداث مترابطة متسلسلة من بداية ووسط ونهاية. ولكن شعرت أحيانا فى منتصف الفيلم أننا ندور فى حلقة حول أنفسنا ولاجديد ... تذهب نوارة إلى الحى الشعبى ثم تعود الى الفيلا وهكذا عده مرات، حتى تبدأ الآحداث فى التصاعد لنهاية الفيلم. وقد جاء الحوار مترابطاً متماسكاً، لا وجود للثرثرة الفارغة، فهناك تسلسل فى الافكار والحوار شيق فلا فرصة للملل.

أما عن الموسيقى والأغانى فقد أفتقر الفيلم لذلك العنصر رغم اهميته الشديدة، فلا وجود لموسيقى مميزة للفيلم ... ومن المعروف بالتأكيد ان الموسيقى التصويرية المميزة تعد أحد أبطال الفيلم وتعطى للفيلم مذاقاً متميزاً ... ولا ننسى انه على مر السنوات الطويلة فى السينما المصرية كان اﻷختيار الموسيقى ضعيفاً للغاية، رغم اﻷهمية الشديدة لذلك العنصر.

و رغم ان المخرجة صرحت بأنها لاتقصد طرح وجه نظر سياسية فى الفيلم إلا أن الفيلم يدعو للإنتباه لظلم الفقير المهمش، الذى يفتقر لثقافة واسعة تجعله يحلل الآحداث بدقة ... فهو يصدق كل كلمة تقال له، فكانت الأخبار تذيع دائما نبأ عوده الأموال المسروقة، والإبتسامة تعلو على شفاه الفقراء وتفرح نوارة ... ولكنها فى النهاية تظلم ويتم وضعها فى السجن لأتهامها بسرقة عشرين الف جنيه كانت قد أهدتهم لها زوجة الوزير السابق.

فى النهاية نوارة قصة بسيطة تحدث أثناء الثورة ... وهو أول فيلم مصرى يجعل من الثورة خلفية للأحداث بتلك الجدية، ومن خلال قصة شيقة ومعاناة حقيقية تؤرخ حال الفقراء وتسجل الوضع القائم فى البلاد أنذاك.

والجدير بالذكر أن الفيلم فاز بجائزة الوهر الذهبي، من مهرجان وهران بالجزائر، كأفضل فيلم روائي طويل، وفازت الفنانة منة شلبي بجائزة أفضل ممثلة.

سوزان نادى