#فادى_رمزى يكتب: من أنت فى فيلم #اشتباك ؟

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

فيلم اشتباك لا يدور حول الثورة او يسجل احداثها بأى صورة ... بل هو فيلم عن تأثير 30 يونيو (ثورة كانت او انقلاب او خدعة عسكرية او اى مسمى تفرضه انتماءاتك السياسية والايدلوجية) على المجتمع المصرى ... لذلك لا تبال كثيرا بالخطاب "الثورى" لصناع الفيلم حول ضرورة دعم هذا العمل بمشاهدته حتى لا يتقاعس أى منتج فيما بعد عن انتاج افلام "ثورية"، بل ادخل الفيلم وابحث عن نفسك بداخله ... وستجدها.

هو فيلم عنك انت ... عما يدور بداخلك وكيف واين ترى نفسك فى تلك الحالة الاستقطابية غير المسبوقة فى التاريخ المصرى، والتى قسمت المصريين الى إخوان/سيساوية او من مريدينهم، ثورجية/عملاء كيفما تريد تحليل مواقفهم واراءهم.

البداية مسيرة تهتف بسقوط الإخوان، لاقت فى طريقها عربة ترحيلات فالقت عليها الأحجار، ظنا ان من بداخلها بالضرورة اخوان، وبدورها، وبغشومية متوقعة، القت الشرطة القبض على افراد المسيرة وضمتهم لاثنين من الصحفيين التابعين لوكالة انباء عالمية كانوا يغطون احداث المسيرات المختلفة والقيا بداخلها.

"انت اكيد اخوان امال الدقن دى ايه" .. هكذا القي الاتهام على احد الصحفيين، وجاء الرد سريعا "مش اخوان ولو على الدقن ماهو انتم معاكم واحد بدقن برضه" ... طبعا ذقن عن ذقن تفرق، ومنذ متى كانت العقلانية هى الحكم فى تلك الأمور وفى ظل تلك الاجواء الساخنة، التى ينسى فيها المرء انه مسجون فى عربة ترحيلات بلا اى ذنب جناه، فالأهم هو التصنيف والتخوين فهى سمة الحياة الدنيا منذ 30 يونيو.

سريعا ينضم اخوان "بجد" لنزلاء تلك العربة، التى تجول انحاء العاصمة مع القوات التى تطارد المظاهرات والمسيرات المختلفة ... ومن خلال شباك العربة الخانقة نرى الدماء التى تراق على الاسفلت .. دماء ميرى ومدنى، ومدنى هنا لا تعنى "التيار المدنى" بل تعنى كل من هو ليس نظامى، فالسيولة التى كانت تغلف الأجواء تجعل العاطل والباطل دماءهما مباحة ومتاحة للسفك فى اى لحظة.

"لو ما سكتوش هى قنبلة غاز ارميها فى العربية" ... هكذا تواجه الشرطة "المشاغبين" فى العربة ..

"الاخوة المنتظمون ييجوا على جنب وانا اللى هتكلم باسمهم" هكذا بدأ التصنيف الإخوانى، باقصاء الجميع بما فيهم المحبين ... فهم ليسوا اخوانا وربما تبعا لعقيدتهم كل من ليس معهم ليسوا ايضا مسلمين مثلهم.

"خونة" ... اسهل اتهام يتم توجيهه لكل من يحاول كشف الحقيقة او حتى السعى لان يكون على جانب الحق منها، تبعا للمتاح منها ولمستوى تفكيره وتوجهاته او توجيهات اللاعبون في دماغه.

تمتلىء العربة بالالتراس وبالمهمشين وبمن يبحث عن ابنه الذى فقده ولا يعرف مصيره وبالابن الثورى والابنة الاخوانية، اللذان خرجا فى حماية اباءهما ولكن حماقة الاحداث جعلت الاسرة كلها مسجونة فى تلك العربة اللعينة، والتى صارت نموذجاً مصغراً للشارع المصرى بكامل خنقته واتساعه وبكل عصبيته وبراحه ... مجتمع كامل تم ايجازه وتلخيصه فى تلك العربة ليعبر عن نفس الوطن الذى قيل فى ثورة 1919 انه يسع الجميع على اختلاف اديانهم ... ولكن واضح ان الأديان السياسة لا يرض اى منها عن احتكار الوطن بديلا.

من الناحية الفنية الفيلم مبدع بكل المقاييس ... اعتبره من اقوى واجمل الأفلام المصرية فى العصر الحديث، فقد تألق محمد وخالد دياب فى كتابة السيناريو والحوار وفى جعل اجواء عربة الترحيلات تمس قلب من يشعر انه يعيش بداخلها.

الكاميرا تبدو وقد تم تثبيتها على جدران العربة بحيث تتحرك بمنتهى السلاسة مع المطبات التى تهز ارجاءها، وبالخبطات المتوالية التى تتعرض لها من صخب الخارج او صراعات الداخل ... وتباينت حركتها بين السرعة حينما يكون الحدث هو البطل وكانها كاميرا مراسل "حربى" او فيلم تسجيلى يطرح الحقيقة بلا أى تجميل او رتوش، والبطء حين يصبح المصرى المقهور المحبوس هو المعنى بالحديث، حينها يكون التركيز على الإنفعالات والانطباعات والوجوه .. وهنا تعبر الكاميرا عن فضولها وربما وجهة نظرها، حين تنظر للاخوانى نظرة خاطفة حينما يتحدث الثورى، والعكس .. ثم تنقل فى لحظة صمت ضيق النفوس من حنقة الاجواء التى يزيدها فرض الوجود مع "اعداء الوطن" فى مساحة ضيقة ولفترة غير محددة.

وجاء المونتاج متباينا ايضا فى ايقاعه، مرات يحول الفيلم لتريلر عن احداث ما بعد يونيو ومرات اخرى يطيل فى المشهد، فالانطباع المنقول والخوف من المجهول يستحقان فرد المساحة اللازمة، فتلك هى رسالة الفيلم والمقصود منه من الاساس.

والعبقرية فى صناعة هذا الفيلم تكمن فى انه على الرغم من ضيق المساحة وضعف الإضاءة التى يفرضها المكان، الا ان الطابع العام ليس كئيبا او مملا على الإطلاق، ورغم سوداوية النفوس الا ان الفيلم به من اللحظات الضاحكة والمبشرة بالامل الكثير، ولكنه يظل ضحك كالبكاء وأمل يشبه ما تبثه فيروز فى اغنيتها "ايه فيه امل" وذلك حين تقول "في أمل ... إيه في أمل .. أوقات بيطلع من ملل و أوقات بيرجع من شي حنين لحظة تَ يخفّف زعل".

الاداء الراقى جدا لطاقم التمثيل ساهم فى تجسيد الشخصيات المرسومة بحرفية شديدة بكل براعة، كلهم يستحقون التقدير وخالص الاحترام على هذا الأداء المتميز. ومن ابرع المشاهد التى تنافس الجميع فى ابرازها مشهد الهلع من ان يحدث لهم نفس مصير نزلاء عربة ترحيلات مجاورة ... حين خفتت اصوات المحشورين المكدسين فيها بطريقة تتنافى مع ادنى متطلبات حقوق الانسان، تلك التى يسخر منها من ماتت ضمائرهم مطلقين عليها "حكوك انسان" ... فى هذا المشهد جالت الكاميرا بالوجوه كلها ... ولم نر وجها متشفيا او حتى متجاهلا ما يمكن ان يكون قد حدث لهؤلاء المساكين نتاج التكدس والحر الخانق ... فقد رأوا الموت ظلما وكمدا وقهرا وحشرا ... لمن هم مثلهم حتى وان اختلفوا فى التوجه والمبدأ.

ايضاً رأوا تجاهلاً مهيناً للاعراف الانسانية من قبل "حماة الوطن" ومن ظن بعضهم انهم "ايد واحدة" معهم، واذ بهم لا يبالون سوى بضحاياهم أما الباقون فخونة لا يستحقون حتى المعاملة الكريمة حتى يتم الفصل فى امرهم بالاساليب "اللامؤاخذة" قانونية مثلما يجرى فى الدول التى تحترم ابناءها.

كافة الممثلين يستحقون تقديرا منفردا ولكن اذكر منهم:

خالد كمال "ربيع" ... (الصاغ شريف فى جراند اوتيل) أداء عملاق يؤدى من خلاله دور شخص مهمش يحاول ان يتصرف كالبلطجية حتى لا يتم دهسه فى ظل صراع السلطة الغاشم من حوله، وحتى يضمن عدم تهميشه اكثر فى هذا المجتمع الذى يراه "جربان" مثل صديقه الوحيد الذى فقد حياته وتركه فجأة.
أحمد مالك "منص" ... (كريم فى هيبتا) يؤدى بسلاسة وتلقائية شديدة دور شاب ثورى يريد ان يعيش، يريد ان ينعم بالحب بدون ان يدينه احد، يريد ان ينتهز اى فرصة للرزق الحلال، حتى ولو كان عن طريق الدعاية لعمله ك "دى جى" افراح وحفلات وسط نزلاء عربة الترحيلات الكئيبة.

محمد جمال قلبظ "تامر" ... بخفة دم تلقائية يؤدى دور اخوانى لم ير غير الاخوان اهل واسرة، يعشق الغناء ولكن "لبيك اسلام البطولة" كانت الاغنية الوحيدة التى وجدت صدى لدى فصيل وحيد من المستمعين .. فغناها.

مى الغيطى "عائشة" ... (فاطمة فى جراند اوتيل) ... موهبة كبيرة واداء تلقائى محكم، تبرز كيف تحولت "عيشة" البنت المصرية الى "عائشة" التى لم تجد الانتماء سوى فيما قدم اليها من فكر اخوانى عن طريق والدها. اظهرت بدون افتعال كل القوة والتصميم والاستقلالية الاكبر من عمر شخصيتها بكثير، وايضا الضعف والتشتت والبحث عن الاحتواء المطلوب لمن هن فى عمرها.

أحمد داش "فارس" ... (هانى فى لا مؤاخذة) ... موهوب ونظراته تعبر عن الشخصية التى يؤديها حتى فى حالات صمتها. قدم دور ابن الممرضة، طفل مصرى ثورى وكمان زملكاوى، ملطشة معاه تمام يعنى، يدرك الحق بقلبه قبل عقله ... ورغم تعرضه لنضج مفاجىء بسبب احداث الثورة الا انه مازال طفلا يريد اللعب مثل من هم فى سنه.

هانى عادل ونيللى كريم وطارق عبد العزيز ... فى ادوار الصحفى والممرضة وزوج الممرضة ادوا ما هو مطلوب منهم، لكن بالتأكيد امكانياتهم التمثيلية اكبر بكثير من الدور المرسوم لكن وجودهم اضاف ثقلاً للفيلم بكل تأكيد.

من الآخر:
الفيلم عن مصر ما بعد الثورة وليس عن الثورة ... ويستحق بكل تأكيد المشاهدة، وكمان لأكثر من مرة.

فادى رمزى