#سوزان_نادى تكتب عن خان وامانة نقل الواقع

كتب بواسطة: سوزان نادى في . القسم سينما

 

أحيانا يظهر القدر بشائر المستقبل للإنسان ... ولكنه لايعى ولا ينتبه لذلك إلا بعد مرور سنين.

كان حلم محمد خان منذ صغره إن يصبح مهندسا معماريا، ولكن الرغبة شئ ومعرفة الله بقدرات ومواهب الإنسان شئ أخر، والأخيرة هى التى فى النهاية ترجح كفتها ويتبعها الشخص من تلقاء نفسه.

ففى منزل تحيط به مجموعة من دور العرض السينمائية تربى خان، وبدأ رحلته فى عالم السينما متفرجا عاديا منبهراً بالممثلين وبما يجرى على الشاشات وهو لا يفقه شيئاً عما يجرى فى الكواليس خلف الشاشة، من أنتاج واخراج وديكور وكتابه ...حتى حين حان وقت سفره إلى أنجلترا ليدرس الهندسة.

هناك تعرف بالصدفة على صديق يقطن معه فى نفس العمارة ويدرس فنون السينما، وعلى الفور قام بتغيير مساره التعليمى ليلتحق بمعهد السينما فى انجلترا ليكتشف عالماً أخر ... عالم ساحر مليء باﻷسرار .

هذا الفتى الذى ولد ﻷب بنجابى من الهند، لا تمت له أى علاقة بمصر، بل جاء اليها صدفة بعد ان فشل فى دراسة الطب وكأن القدر قذف بذلك اﻷب إلى هنا لينجب لنا أعظم مخرج عرفته السينما الواقعية.

يعتبر المخرج محمد خان أقوى من سجل فى أفلامه شوارع مصر وطرقاتها بمنتهى الأمانة، وكأنه يحفظ للأجيال القادمة صوراً حيه ينبض بها الشارع المصرى فى تلك الاوقات، فلا مجال للديكورات والمبانى والشوارع المزيفة، فالسينما تأتى من الواقع وللواقع تعود عند خان ... كما أن لشخوص أعماله الفنية، التى يجتزها من الواقع، وما تخفيه من معانى إنسانية النصيب اﻷكبر الذى يشغل باله دوما.

فى إحدى لقاءاته التلفزيونية قال أن معظم ماقدمة للسينما من أفلام لم يأت بمضمونها من كتاب او رواية قرأها فى احدى الايام وأستثارت فكره، بل من شخصية حيه وحقيقية رآها بعينيه جعلته يبنى من أجلها قصة وحبكة درامية، ليصور فيها ما تخفية تلك الشخصية من معاناة او ليناقش من خلالها معنى ما.

فى فيلم زوجة رجل مهم، وهو أحد اﻷفلام الهامة فى تاريخ السينما المصرية، ناقش خان معنى السلطة الغاشمة والظلم الذى يدمر النفس اوﻷ ويدمر الضعيف معها ولا يبال بأحد. وفكرة هذا الفيلم جاءت من الواقع عندما تعرض محمد خان لحادث تصادم بسيارته مع شخص أخر وأكتشف بعد أن نزل من سيارته أن هذا الشخص ماهو إلا ظابط شرطة حاول ظلمه والتعدى عليه وركله بقوة وعنف فى صدره ..

يومها ذهب خان ذهب إلى قسم البوليس ليحرر محضراً بتلك الواقعة، وﻷن تربطه معارف كثيرة فى الداخلية وماشابه كان هذا الظابط سيفصل من عمله، حتى تدخل الوسطاء للصلح فعفا خان عنه ... ولكن تلك الشخصية بجبروتها أضاءت ذهنه بفكره، وتسأل كيف لو كان من نصيب ذلك الظابط أن يقابل شخصاً ضعيفاً ليس له أحد ... ومن هنا جاءت فكره فيلم زوجة رجل مهم ليناقش فيه جبروت السلطة والظلم الذى يصيب البعض. وقد لعب دور الضابط أحمد زكى، والذى برع فى تصوير تلك الشخصية بجميع مراحلها بداية من القوة حتى الهزيمة والضعف.

وللحب نصيب كبير أيضا فى قلب محمد خان، فلقد قدم هذا المعنى اﻷنسانى الرائع من خلال شخصيات عديدة فى أفلامه، وكان فيلم فى شقة مصر الجديدة واحدا من أهم ما قدم فى السينما الحديثة، وناقش فيه مفهوم الحب بصورة فائقة اﻷنسانية و الجمال، الفيلم من بطوله غاده عادل التى لعبت دور فتاة صعيدية بسيطة تبحث عن الحب حتى تركت بلدها لتبحث عن معملتها تهانى، رمز الحب فى الفيلم، والتى كانت دائما ماتحدتهم عنه فى رسائلها وتؤكد لهم أن الحب موجود دائما ولكن عليهم البحث عنه.

ومن خلال رؤية المخرج فى أداء الممثلين وحركة الكاميرا وتصوير الشخصيات وترتيب المشاهد واﻷحداث فى شوارع حيه حقيقية تنعم بالحياة، جعل من هذا الفيلم لحناً جميلاً عن الحب لا ينسى قط من ذاكرة السينما على مر السنين.

ونذكر ايضا فيلم موعد على العشاء بطولة أحمد ذكى وسعاد حسنى وحسين فهمى، والذى أقتحم فيه خان نفس المرأة المقهورة بكل تفاصيلها ومعاناتها، ليصور لنا صراعتها المريره وعذابتها وهى تحيا مع رجل غليظ القلب والفكر لايعرف معنى الحب ولا يبالى بمشاعرها وعواطفها، كل ما يريده أن يمتلكها ... لتنهى مأساتها تلك بموعد على العشاء مسموم معه.

وهناك الكثير من اﻷفلام التى كشف فيها عن النفس الانسانية بكل تفاصيلها ومعانتها وصراعتها، فيعتبر المخرج محمد خان أفضل من يهتم ببناء الشخصية وتطورها، لذلك جميع شخصياته تأتى صادقة وحقيقية، ونذكر أخر كلماته قبل إن يرحل عن عالمنا حين قال: "لقد قدمت للسينما ثلاثه وعشرون فيلما و كنت أتمنى أن أصنع للسينما ثلاثون فيلما ولكن ليس هناك وقت"

لقد ترك محمد خان للسينما ثلاثة وعشرون فيلما، ولكنها سينما مختلفة لها مذاق وطعم خاص تنبض بالحياة دوما على الشاشة ووفى عقول وقلوب عشاق السينما.

سوزان نادى