#فادى_رمزى يكتب: هل السينما عايزه كده؟

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

الفن السيتمائى من الاربعينات وحتى الستينات من القرن الماضى كان يجسد "الرقى" و"العظمة" بكل معانيهما .. وذلك فى كافة تفاصيل كل عمل مقدم، بدءا من كتابة اول سطر من سطور القصة وحتى حفل افتتاح اى من افلام تلك الحقبة.

وهذا تحقق لأن الفنانين والمبدعين فى هذا الزمن البعيد جدا عن ايامنا، ليس بقياس السنوات بل بطبيعة المحتوى،كانوا يؤدون ... بل يبدعون ... وهاماتهم الفنية والانسانية مرفوعة بطريقة تلقائية سلسة وغير منفرة على الاطلاق ... كما لو كانوا الهة الفن والموسيقى وليسوا مجرد فنانين يقتاتون من عملهم فيها ..

ايضا الالحان والرقصات وقتها كانت مشبعة بـ "الشياكة" والزخم والكثافة الفنية الكبيرة، ومقدمة بطريقة مبهرة لا يمكن ان تكون مسبوقة او ملحوقة ابدا من فرط تميزها وتفردها .. لهذا نجد انه مهما تعددت مرات استماعنا لاغاني من تلك الفترة او مشاهدة افلامها واستعراضاتها، لا يمكن ابدا ان نمل منها.

لكن للاسف جاءت اللمسة التجارية المصاحبة لشيوع ثقافة ال mass production التى غلفت النشاط الانتاجى للحضارة الانسانية بعد الحرب العالمية الثانية، لتمحو الجانب الاكبر من سمات الرقى والعظمة فى اغلب الاعمال الفنية بصفة عامة والسينمائية بصفة خاصة، والتى تلت تلك الفترة ... صار العمق موجوداً بكل تاكيد، فمازالت السينما تقدم اعمالا قيمة للغاية حتى الان ... لكن اسلوب تقديم الفن السينمائى بكافة عناصره اصبح "واقعياً بزيادة" من وقتها ..

صرنا نرى ابطالا يؤدون ادوارا على الشاشة يمكننا ان نراها بصورة او باخرى فى واقعنا او ربما نعيشها او حتى نعيش بعضاً من ملامحها فى حياتنا اليومية ... وقد تختلف بعض العناصر "المبهرة" التى يحاول صناع الفيلم الان ان يضيفوها (كان تكون البطلة جميلة للغاية والبطل وسيما جداً وباقى الممثلون ليسوا كذلك ... او كونهم يعيشون فى جو صحو بصورة دائمة، مادام الفيلم رومانسيا مثلا، او يعانون من الامطار الرعدية اذا ما كانت القصة حزينة .. الخ) لكن يظل الواقع هو سيد الموقف وقواعده هى محركة الاحداث دائما.

ربما يكون سبب هذا التحول الرهيب ان "الجموع الغفيرة" اصبحت لا تنظر للسينما "كخيال الظل" أو كمساحة سحرية خاصة لا تمت للواقع بصلة، خاصة الواقع المرير خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، فبالتالى اصبحوا يريدون "مطالعة" سينما قريبة من واقعهم اكثر ... سينما تناقش الواقع وتعرضه بصورة "خيالية" بدرجة محددة ومحدودة ومتفق عليها، وذلك حتى لا ينفصلوا عن واقعهم او عن ارتباطهم بالعمل السينمائى المقدم او ربما بمقدرة خيالاتهم المحدودة على اداء ادوار البطل او البطلة فى الاعمال المقدمة ..

هذا البعد "الخيالى بلا حدود" ... والمفقود ... كانت السينما تتميز به تماما قبل حوالى نصف قرن او اكثر من الآن ... وبالتالى اصبح الخيال البحت هو سمة افلام الانيميشن والخيال العلمى والفانتازيا فقط حاليا ... اما الدراما الانسانية والاجتماعية فقد صارت اقرب للدراما فى الافلام "التسجيلية" من فرط اقترانها وارتباطها بالواقع بافراحه والامه و"اقصى سقف لطموحات" من يعيشه.

ربما لو كنا توقفنا عن ترديد اسئلة "فصيلة" مملة مثل: "هو صوت الموسيقى ده جاى منين؟" عندما نرى اى مشهد غنائى من "افلام زمان"، التى لا يمل احد من تكرار مشاهدتها رغم عدم منطقية اغلب تفاصيلها، لما كان السؤال قد وصل لآذان صناع الخيال السينمائى، وبالتالى ما كان ردهم سياتى "واقعياً" صادماً هكذا ... وكانهم يقولون لكل واحد فينا انسحب من لسانه وقرر يمنطق الدراما : "عايز سينما منطقية ... طب اتفضل بقى ... ادى الواقع بتاعك بس حطينا تاتش بسيط بتاعنا .. مبسوط كده" .. وهكذا تغيرت سمات السينما وصارت اقرب لدرجة استيعابنا وفهمنا.

هل احنا الجمهور فعلا "اللى عايزين كده"؟؟ ... لماذا اذا تحظى افلام "مش عايزينها" على نسب مشاهدة عالية، ويتم اعادة بثها مرة وراء مرة؟

هل لو انتجت السينما المعاصرة افلاما تحمل نفس الشكل والمضمون الخيالى المبهر الراقى العظيم ... وهى سمات ابتعد كثيرا واقعنا عنها ... سنرفض ان نتابعها وننبذها ونكتفى بمشاهدة "الرقى" والعظمة" فقط بالابيض واسود او بالسينما "سكوب التكنى كولور"؟ ... محددين للديجيتال الواقع المعاصر فقط ليقتات منه فنه؟؟

من الآخر:

هل نعيب على السينما والعيب فينا؟ ..

ام ان على السينما المعاصرة ان تاخذ دورها الريادى المبدع والملهم ولا تلتفت لمحدودية متطلباتنا؟؟ (مثلما ابهرتنا للحظات خاطفة بمشهد خيالى للغاية يتميز بمنتهى الرقى والعظمة فى لقطة التانجو من فيلم scent of a woman التى لا يمكن ان ننساها ابدا)

اترككم مع تلك الاسئلة ومع لقطات من ارقى واعظم ما ابدعته، ما كان يطلق عليها منذ نصف قرن اسم ..... "سينما"

فادى رمزى