فيلم Paper towns .. فتش عن المارجو

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

هذا الفيلم ينتمى لنوعية الأفلام التى ترسم على وجهك ابتسامة خفيفة منذ اول مشاهدها وحتى تترات النهاية. ابتسامة سببها الوحيد الجو المبهج الدافىء الذى يغلف احداث الفيلم ذو القصة البسيطة والاحداث المنسابة بسلاسة.

من قرأ الكتاب، قبل مشاهدة الفيلم، سينعم بابتسامة اعرض قليلا ممن لم يقرأه، فهو سيستدعى الشغف الذى انتابه، بينما يغزل الكاتب جون جرين اجواء قصته بكل حيويتها وخفة دمها صفحة وراء صفحة ... مبرزا عالم .. عفوا كوكب المراهقة بكل سطحيته وعمقه، واقعيته واحلامه، قسوته ونعومته، مقالبه السخيفة ومواقف الجدعنه الخالدة التى تظل طوال العمر فى الذاكرة ... كوكب ملىء بالضحكات الصافية وخفقات القلب الأولى بكل حرارتها ... كوكب لا يدرك سكانه ما الداعى لكل هذا الصخب الدائر حوله، من سكان كواكب اخرى يتمنون لو استعادوا ولو لدقائق معدودة ذكريات وجودهم على كوكب المراهقة.

تلك كانت اجواء الرواية، بـ "مشاهدها" الطويلة فى بعض الاوقات، والتى تنقل ادق التفاصيل والحوارات. بينما الفيلم لا يمتلك تلك الرفاهية، فمدة العرض لا يمكن ان تغطى كل تفاصيل الرواية، وبالتالى امرت "القوى العليا" فى صناعة الأفلام الهوليوودية ان يتم تصفح الرواية ذات ال 300 صفحة وامتصاص الخلاصة المطلوبة، ثم اختيار بعض المواقف "بتاعة المراهقين دول" والتى يمكن ان يتم ابرازها على الشاشة بدون اطالة ..

ولكنها امرت ايضا برسم شخصيات كوينتن ومارجو بمنتهى الحرفية والدقة، فهم فاكهة الفيلم ومن يحددون عمقه ... واطاع صناع الفيلم تلك الاوامر بكل اخلاص وامانة، أكل عيشهم برضه وتتحرق الرواية.

الفيلم يدور حول امكانية تحقيق الحلم الأزلى لكل مراهق عاش على وجه الأرض، وهو ان يكون مسار حياته مختلفا تماما عن مسار حياة والديه ... ان يحطم كل القواعد الاجتماعية السطحية والعقيمة لبيئته المحيطة ... ان يعيش حرا مستقلا مستمتعا بكل لحظة ومتفاعلا مع اجمل ما فى الحياة وكأنه احد تروس دورانها، مبدلا من اسلوب المعيشة السطحى الرقيق الهش مثل "الورقة"، والذى يحول البشر الى صفحات نمطية مملة من كتاب اهترأ من كثرة قراءته مرة تلو المرة.

مارجو هى جارة كوينتن منذ الطفولة، وبالتحديد منذ ان وقع الولد الكيوت الطيوب Q فى حبها ... هى فتاة مختلفة .. مختلفة للغاية ... فقد رات مبكرا كل الاخطاء المعيشية فى صفحات الحياة النمطية التى تغلف عالمها، فقررت بالتالى ان تكون ثورية، متمردة عليها وعلى كل مفرداتها.

وقد حاول Q الصراحة ان يكون صوت "الحكمة" ويهديها للطريق القويم المعتاد بكل همة، ولكنه فى قرارة نفسه لم يجد حججة قوية بما فيه الكفاية امام تمردها، فتخيلوا وقع جملة مثل (هشتغل واتجوز واخلف .. وساعتها هبقى سعيد) على مارجو التى، طبقا لوصف Q نفسه (تعشق الغموض والاسرار بشدة حتى انها صارت هى نفسها لغزا) ... وبالتالى ما ان قال لها تلك القاعدة الحياتية حتى "شرشحته" بكل معانى الكلمة.

فى أحد الأيام اختفت مارجو ... قبل حفل التخرج من المدرسة ... اختطفت روحها خارج "المدينة الورقية" التى نشات فيها وتوجهت لمدينة ورقية "حقيقية" تلك المرة، تاركة بعض العلامات الذكية التى تشير الى مكان توجهها. وعلى الفور قام Q و"انتيماه" بن و رادار، مع ليسى صديقة مارجو وانجيلا صديقة رادار، بالتوجه فى رحلة طويلة متتبعين العلامات التى تركتها مارجو فى محاولة لايجادها.

المتعة والتسلية فى ذلك الفيلم، وكذلك فى الكتاب، كانا فى الرحلة نفسها ... وبالتالى جاء اقتطاف "وش القفص" فقط من الرواية مزعجا بعض الشىء لمن قراوها، وان كنت قد استعدت من ذاكرتى المشاهد الضرورية لملأ الفصول المحذوفة فى الفيلم، وذلك للتواصل بصورة افضل مع الشخصيات المختلفة والانفعال بالاحداث اكثر وايضا لاضافة العمق المطلوب الذى كان الفيلم يحتاجه فى رأيى بشدة.
الفيلم يستحق المشاهدة، بغض النظر عن قراءتك للكتاب من عدمها، وذلك لان الجو العام الذى يضعك فيه ممتعاً ومسلياً للغاية، وايضا لروعة المناظر الطبيعية التى جاءت فى مشاهد البحث عن مارجو المختلفة (مختلفة هنا تعود على المشاهد وعلى مارجو ايضاً فهى ليست بنوتة عادية).

المخرج جاك شريير، فى ثانى اعماله السينمائية، والثنائى سكوت نويشتادتير ومايكل ويبر، فى رابع سيناريو يكتبانه سويا للسينما، نجحا فى ابقاءك ماخوذا بالجو العام للفيلم من خلال سلاسة عرض الرواية المشوقة وانسيابية توالى المشاهد وراء بعضها، والتى جاءت تخلو من اى احداث مفاجئة او صادمة قد تمنعك من الاسترخاء امام الشاشة وترك خيالاتك تطفو مع تدافع احلام المراهقة.

ايضا اجاد نات وولف، الممثل والمغنى وكاتب الاغانى، اداء شخصية كوينتن بمنتهى الفهم والحرفية، فاسلوبه الهادىء الصادق فى الاداء يجعلك تصدق براءته وطيبته وتلمس مشاعره العميقة غير المعلنة تجاه مارجو ... تلك المتمردة.

أما كارا ديليفينجن، الممثلة وموديل بيوت ازياء زارا وشانيل الشهيرة، فقد عاشت شخصية مارجو بداخلها قبل ان تبرزها على الشاشة، بل انها بالتأكيد تحمل "مارجو" ما بداخلها بكل انطلاقاتها وتمردها. وعلى الرغم من قلة مشاهدها الا انها نجحت فى وضع بصمة قوية على كل مشاهد الفيلم، حتى انه عندما يذكر اسمها فى مشهد هى ليست فيه، على الفور تتداعى صورتها الى ذاكرتك وكانها بطلة المشهد الحاضرة الغائبة. هكذا كانت قوة اداءها.

لو كانت شخصيتك مرنة بما فيه الكفاية، قد يساعدك هذا الفيلم على التواصل مع "مارجو اللى جواك"، التى تمثل نسختك الخاصة من احلام "تغيير العالم" التى عشتها وقت المراهقة ... قد يكون هناك وقت للبدء فى تحقيق اى منها، من يعلم ... او على الاقل يكفيك شرف المحاولة والقدرة على الاحتفاظ بروح التمرد والمغامرة لاطول فترة ممكنة. لكن احرص وانت تفعل كل هذا ان تحافظ على وجود كوينتن الطيب الكيوت خطوة بخطوة مع مارجو ... فانت و"مارجو بتاعتك" بالتاكيد تحتاجونه حتى يوزن الامور وتستطيع الوصول للحياة "غير الورقية" التى تستحقها.

فادى رمزى