#عن_يهود_مصر: 40 دقيقة إنسانية

كتب بواسطة: فيروز جبر في . القسم سينما

 

عرض مركز " دال – DAAL " للأبحاث والإنتاج الإعلامى، يوم الخميس 9 ابريل، الجزء الثاني من الفيلم الوثائقي "عن يهود مصر" للمخرج أمير رمسيس، بمناسبة حصول الفيلم مؤخرأ علي الجائزة الفضية في مهرجان الفيلم الشرقي بجينيف.

الفيلم من انتاج مركز دال الذي أنتج بين 2010 و 2014 سبعة أفلام منهما فيلمان عن الأزهر والكنيسة المصرية، و أفلام أخري بعنوان " مدد"  "رب قلوب"  "الطريق إلي رابعة" و "حركات الاسلام السياسي".

توثيق بلمسة درامية

علي عكس الأفلام الوثائقية القديمة التي اعتدنا أن نسمع فيها صوت الراوي منفردا، يسرد تاريخ مكان أو حقبة أو شخص مع نقلات لكادرات الكاميرا بين صور صامتة، يقدم أمير رمسيس هنا صوراً نابضة مختلفة تماما، حيث نلمح لمسة درامية دافئة نستشعرها بخلفية موسيقي العود و الناي و البيانو الهادئة المصاحبة لأحداث الفيلم ... و تعمقها اضاءة خافتة غير مباشرة أميل الي الاصفرار كأنها تستدعي لحظات مضت لهوية مصر الكوزموبولوتية.

وفي مشاهد منزلية تمثل حالة معايشة تتعدد مصادر الأصوات في الفيلم بين الشخصية الرئيسية  السيدة "ماجدة هارون"، رئيس الطائفة اليهودية، وأختها نادية تتخللها صور قديمة للعائلة وذكريات ترويها صديقات ماجدة و نادية المسلمات و المسيحيات في اجتماعهن من آن لآخر بمنزل احداهن للتسامرو التزاور و مشاركة الطعام.

ومن خلال حوارهن نعرف أنه لم يبق من اليهوديات المقيمات في مصر سوي 12 سيدة  تتراوح أعمارهن بين 60 وما فوق الثمانين ُيقمن بالقاهرة و الاسكندرية وكلهن بالطبع خريجات مدارس الراهبات الفرنسية.

ولأن الزمان كان غير الزمان، أكدت نساء الطائفة أن حالة التسامح التي كانت سائدة في مصر خلال الأربعينيات و بدايات الخمسينيات من القرن ال20 عززت روح الاندماج بين أصحاب الديانات الثلاث، حيث لم يكن أحد يسأل الآخر" ما هي ديانتك" ليتم تصنيفه بناء عليها.

وقد انعكست مظاهر الاندماج آنذاك في الأنشطة التجارية (متاجر شيكوريل، سمعان، عمر أفندي، الخ) بالاضافة إلي سجل قديم عرضته السيدة ماجدة خاص  بقابلة (داية)  يهودية كانت ُتدعي "سمحة"، ظلت تدون فيه بيانات المواليد ودياناتهم حتي نهاية الخمسينيات. كما استعرضت مجلة قديمة كانت تدعي "الأولاد رجال الغد" اصدار 1923 كان يديرها مسلم و مسيحي و يهودي.

يتضح من الفيلم كيف كان لوالد السيدتين ماجدة ونادية تأثير كبير علي تمسكهن بهويتهن المصرية. فالمحامي شحاتة هارون كانت أمامه فرصة للسفر لفرنسا فى 1956 ليلحق بمن هاجروا من اليهود.  إلا أنه كان متمسكا بمصريته حتي أنه رفض، حين أصيبت ابنته الصغري "مني" بسرطان الدم، أن يسافر لعلاجها بفرنسا، لأنه قيل له آنذاك "لك الحرية في السفر لكن دون عودة لمصر". وماتت الصغيرة ُمني و بقيت العائلة اليهودية المصرية تشهد ما يشهده الباقون من أفراح وأتراح.

وقبيل نكسة 1967 شعر الأب باقتراب اندلاع الحرب، فهمس لزوجته أنه علي استعداد للتطوع في الجيش المصري لمحاربة الصهاينة/ لكنه فوجيء يوم 5 يونيو بقرع الأبواب، فعرف أن أوزار الحرب قد طالته دون ذنب ... ليودع في السجن لبضعة أشهر شأنه شأن كثير من الذكور اليهود من سن 18 : 60 الذين آثروا البقاء في مصر في أعقاب هزيمة 67.

تراجيديا الحياة

ينتهي الفيلم باصطحاب ماجدة ونادية إلي مقابر اليهود بالقاهرة حيث يرقد والدهما في مثواه الأخير. و في خلفية المشهد تقرأ السيدة ماجدة آخر خطاباً جاءها منه، يحثهما فيه علي البقاء في مصر الوطن، حيث اضطر هو وقتها للبقاء بالخارج، ليس لكونه يهودي لكن لكونه يساري شيوعي.

ولحكمة القدر فقد ماتت الأخت نادية عقب انتهاء تصوير الفيلم بأسبوعين، وبقيت ماجدة  ُمصرة علي حد قولها علي "ازاحة الغمامة عما ألصقته الميديا بصورة يهود مصر بأنهم بخلاء، جواسيس، خونة" .

بقيت لتقول أنها تأمل أن يتحول أحد المعابد اليهودية المقامة بالمعادي عام 1934 إلي مركز ثقافي تقام فيه حفلات للموسيقي العربية أو ُتتلي فيه الصلوات اليهودية جنبا إلي جنب مع آيات القرآن و الترانيم المسيحية.. فهي تري أن بيوت الله يجب أن ُتفتح للجميع.

أما عما يوجعها فهو احساسها أنها تمثل طائفة تكاد تندثر.. يوجعها أنها مسئولة بحكم رئاستها للطائفة عن توفير أكفان من الكتان لل12 سيدة الباقيات علي قيد الحياة.. يوجعها أن حالها كمصرية صار كحال سينما قصر النيل، التي كان لها رونق يوما ما ثم صارت بيتاً للأشباح.

دخلت الفيلم  الذي استغرق عرضه نحو 40 دقيقة، وفي مخيلتي الصورة النمطية لليهود في الأفلام المصرية القديمة، وخرجت منه بصورة انسانية أكثر نضجاً و توازناً.

الفيلم لا يدعو بالطبع إلي التسامح مع العدو الاسرائيلي .. بل للتسامح مع اليهودي المصري الانسان..  فالسيدة ماجدة، شأنها شأن الباقيات من الطائفة، ميسورة الحال، وكان لها خيار الهجرة إلي إحدي الدول الأوروبية لكنها كما قالت يوما ما لاحدي زميلاتها حين سألتها " و انتوا مش هتهاجروا؟ " فردت " كنا هنسافر بس تذاكر الطيارة وقعت جوه  الدفاية و اتحرقت".

لم تكن هناك تذاكر و لم تكن هناك نية للهجرة ... فهل نتسامح؟ 

فيروز جبر

الموقع الرسمى للفيلم