#The_Imitation_Game ... فيلم حربى عن ثقافة الإختلاف

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

دخلت الفيلم وانا امنى نفسى بمشاهدة فيلم جاسوسية ممتع ومثير يدور فى اجواء الحرب العالمية الثانية، وهى نوعية افلامى المفضلة، ولكن الاثارة التى كانت فى الفيلم لم تأت فقط من الحبكة القوية للقصة، لكن ايضا من دخول الفيلم فى اعماق النفس البشرية ومناقشة "قيمة الإختلاف" بطريقة غير مسبوقة ومثيرة جدا للجدل مع كل مشهد يكشف حقيقة مذهلة عن طبيعة الشخصيات التى تعرض لنا على الشاشة.

بدأ صراع الإختلاف دراميا ما ان ظهر عالم الرياضيات العبقرى آلان تورينج فى الفيلم، وهو يتناقش مع الجنرال الانجليزى حول كيفية فك شفرة جهاز "انيجما" الذى يستخدمه الجيش الألمانى المتفوق فى ذلك الوقت على جيوش الحلفاء كلهم فى اوروبا ...

الإختلاف يظهر فى التباين الشديد بين العقلية العلمية والعقلية العسكرية، فرغم استنفاذ الجيش للحلول "العضلية" واضطرارهم الى اللجوء للعلماء لايجاد حلول غير تقليدية لتلك المشكلة التى اراقت دماء العديد من الانجليز، الا ان العنجهية والاستخفاف بهؤلاء "المدنيين" ظل قائما بدون اى تقدير لهم ولا تمييز.

ثم يظهر إختلاف آلان عن زملاءه من العلماء ... فهو ذو شخصية انعزالية ومكروه اجتماعيا من فرط شعوره بتفوقه العقلى على الباقين، وايضا نتيجة لتشوهات نفسية حدثت له حين كان باقى التلاميذ فى المدرسة يضطهدونه فقط لكونه "مختلفا" عنهم.

يجد آلان تورينج ان جهودهم فى فك الشفرة غير مجدية لعبقرية التصميم الألمانى لجهاز انيجما، والذى تتغير اعداداته كل يوم مما يجعل الطرق العلمية التقليدية فاشلة، فبالتالى يلجأ آلان الى "اختراع" جهاز يقوم بتجربة 150 تريليون، أى 150 مليون مليون،  من الاحتمالات التى يمكن ان تفك بها الشفرة ... وهنا احتاج لعقليات "مختلفة" وطلبها بطريقة "مختلفة" ... كانت غير مستساغة بالطبع عند العقول "التقليدية" من حوله.

جاءه العقل المختلف الذى يريده، موضوعا فى رأس كائن بشرى يسمى بالـ "مرأة" ... وهى تصنف كزوجة او سكرتيرة او ممرضة او اى مهنة اخرى لا تحتاج لذكاء كبير لاداءها، فهى لا تمتلكه اصلا طبقا لثقافات ذلك الزمان فى انجلترا، نعم هم كانوا هكذا فالشعوب لا تولد متقدمة ومتحضرة هكذا بل تتقدم وتتحضر بالممارسة والتجربة.

كانت جوان كلارك عالمة رياضيات عبقرية هى الأخرى، يريد اهلها ان تعمل اى عمل ادارى وتنتظر عريسها، ولكن لانها "مختلفة" فقد اصرت على الانضمام لهذا العمل الغاية فى السرية والذى يحدد مصير حرب عالمية بحالها .. وهى الأنثى المفترض الا حول لها ولا قوة.

نحن الان إذا نستعرض مجتمعاً صغيراً مشبعاً بالاختلافات ... فالآن مختلف كشخصية عبقرية تحوى تشوهات وعقد نفسية عديدة، مصمم على حل علمى مختلف لا تقتنع به عقلية الادارة العسكرية المتجمدة، ومعه جوان المختلفة عن بنات جنسها ... مع مجموعة من العلماء الآخرين، كل منهم يحمل اختلافا بدرجة او بأخرى.

ترى هل ينجحون فى فك تلك الشفرة الألمانية، وايضا الحياتية، حتى ينتصروا فى الحرب ويثبتوا ايضا ان الاختلاف نعمة وبدونه وبدون قبوله واستيعابه وحسن توظيفه ما تحقق اى نصر ولا نهضت اى امة ؟

وهل سيستطيع أولئك "المختلفون" ان يلعبوا دور الآلهة، ويختاروا اى البرقيات سيعملون على فك شفراتها وايها يتم تركه للتهلكة ؟؟ ... اى ارواح سيختارون السعى لانقاذها من الغارات المتتالية ؟؟ هل ارواح جنود بارجة ام مدنيين فى مدينة مهددة ام ارواح احد اقرباءهم فهم اولى بالمعرفة ؟؟ ... من سيحدد كل هذا ؟؟ هؤلاء المختلفون فقط ... فهم الأعلم من كل الدنيا وقتها.

الفيلم مبنى على قصة وشخصيات حقيقية، سجلها أندرو هودجز فى كتاب اسمه (آلان تورينج :إنيجما) وكتب سيناريو الفيلم جراهام مور، فى اول عمل سينمائى له، وهو عمل مبهر بكل تأكيد ... فالسيناريو محكم ومشوق للغاية، ويكفى انه يتنقل بين ثلاثة ازمنة: قبل الحرب وبعدها وخلالها، لعرض طبيعة شخصية آلان تورينج المثيرة للجدل، وذلك بمنتهى السلاسة وفى الوقت المناسب تماما لفك عقدة من عقد القصة او لاستكشاف عقدة من عقد تلك الشخصية العبقرية الغريبة والعجيبة والمختلفة عننا.

ايضا جاء الحوار ممتعا وخاصة فى لحظات الجدال بين "التقليدى" و"المختلف" .. فبكلمات قصيرة حادة تنتقل الى خانة المؤيد للمختلف والمتفهم تماما لمدى تميزه وتفوقه، وتنبهر من البلاغة الشديدة للحوار والتى تنقل اعمق الأفكار بمنتهى السلاسة والمهارة وبأقل كلمات ممكنة.

الاخراج للنرويجى مورتن تايلدم، وقد اجاد استخدام الكاميرا فى نقل انفعالات الممثلين بطريقة غير مسبوقة، وكان الكاميرا تنقل ما يدور بداخلهم اكثر مما نراه من احداث من حولهم، كانت الكاميرا احدى شخصيات الفيلم تختار ما يبرز الاحداث وما ينقل الرسالة المطلوب ايصالها بدون اى شفرات تستعصى على المتلقى فهمها.

مورتن ايضا سيطر جيدا على ايقاع الاحداث، فلا توجد لحظة ملل واحدة، مع ان الموضوع كله يدور حول فك شفرة ظاهريا ويدور فى نفس المكان تقريبا، وذلك باستخدام المونتاج فى جعل المشاهد قصيرة ومتلاحقة فيما عدا مشاهد يجب التوقف عندها ... فانت كمشاهد تلهث وراء الأحداث حتى تشعر انك جزء منها، ثم فى لقطة معينة عليك ان تسترخى وتتامل جيدا ما يدور امامك .. فالابداع الفنى هنا يستحق التوقف احتراما له والإستمتاع بكل تفاصيله، فهو الذى يوفر عنصرى الابهار والمتعة، وهما عنصران لا يخلو الفيلم ابدا منهما.

الممثلون كلهم ابدعوا فى اداء ادوارهم، وامتزجوا بالحوار ولم يكتفوا فقط "بتشخيصه" ولذلك تشعر انهم ارتجلوا الحوار ولم يحفظوه ... وكان لكل منهم "ماستر سين" خاص به، اعد جيدا له وقدمه كاروع ما يكون ... وساتوقف هنا فقط عند ثلاثة من هؤلاء المبدعون:

اولهم الإنجليزى بينيدكت كامبرباتش (آلان تورينج) هو فى الأصل ممثل تليفزيونى اخر اعماله حلقات شيرلوك، الذى يقدم فيها بمنتهى التميز شخصية شيرلوك هولمز، وقد قدم فى فيلمنا هذا اداءاً يستحق عليه بكل تأكيد الترشح لأوسكار أحسن ممثل، بل والفوز به وبتفوق. كان اداءه الصامت اعمق تعبيرا من اداءه الحوارى، كانت نظرات اعينه تنقل الكثير من انفعالاته، تردده يظهر من هزات راسه ونظرات زائغة فى عينيه، عصبيته تظهر اولا من ارتعاشة يديه ... تماسكه الظاهرى تكشفه بسهولة وتشعر تماما باضطرابه الداخلى .. كيف فعلها لا ادرى؟

كيف تطلب من ممثل ان يؤدى دور شخص عبقرى ؟؟ فى مشهد صامت وباستخدام تعبيرات وجهه فقط ... كيف يجعل عيناه تشعان بالذكاء ويرسم بابتسامته الساخرة مدى تفوقه الذهنى على الآخرين ... تحدى فنى رهيب نجح فيه بينيدكت باقتدار شديد.

ثانى المبدعين الإنجليزية كيرا نايتلى (جوان كلارك) ... متمردة بالفطرة فى مجتمع عنصرى النزعة، تباين رهين يخلق الصراعات بمجرد وضع تلك الشخصية فى ذلك المجتمع، بدون الحاجة لسيناريو مكتوب، وهو ما تفهمته كيرا جيدا لذلك شعرت انها لا تكترثابدا  بالدور المكتوب فانفعالاتها صادمة ومفاجئة وتهتم اكثر بصراعها الداخلى بين تقاليد اهلها وتمردها الأنثوى وشغفها العلمى ... اداء عبقرى تستحق عليه الترشج لجائزة أوسكار أحسن ممثلة بكل تأكيد.

ثالث المبدعين الطفل اليكس لوثر (آلان تورينج الصغير) .. لا يظهر كثيرا على الشاشة طوال الفيلم، مجرد لقطات قصيرة ومتباعدة، ولكنه يحوز على انبهارك باداءه تدريجيا، فكل مشهد تشعر فيه بحضور اليكس القوى، حتى ياتى مشهده الأخير وفيه الكاميرا تركز فقط على وجهه المتجمد من هول صدمة خير مفجع يتلقاه ...

فى هذا المشهد يحتفظ بوجهه باردا ليخفى ما يمر به داخليا ... تشعر بانكسار طفولته ودخوله عالم النضج مبكرا، فقط من رعشة شفتيه وباضطراب خافت فى عينيه. ومع كل انفعال ينقله لك يفك مفاتيح شفرة شخصية آلان التى تراها منذ بداية الفيلم، ومع تكراره لنفس الكلمة فى المشه، كل مرة بانفعال اعمق، تشعر وكأنه يقتل بحروفها براءة طفولته ويخفى بقوة الضغط على كلماتها انفعالاته الحقيقية ... اداء مبهر فى اول عمل سينمائى له، مما يعكس دقة اختيار المخرج لممثليه، فهو لا يختار من بين السهل المتوافر بل يبحث جيدا عن الملائم تماما للدور مهما كانت خبراته السابقة.

الفيلم مرشح لاوسكار أحسن فيلم وإخراج وسيناريو ومونتاج وديكور وموسيقى تصويرية ... بالإضافة لأحسن ممثل وممثلة ... 8 جوائز ارى شخصياً انه يستحقها كلها، فهو فيلم العام بكل تأكيد .. وواحد من ابدع ما رايت على شاشة السينما.

أخيرا ارجو بعد مشاهدة الفيلم ومعرفة حقيقة شخصية آلان ان تسأل نفسك عزيزى المشاهد العربى بصفة عامة والمصرى بصفة خاصة ... هل تقبل ان يكون رجلا مختلفا بهذه الدرجة مثل آلان تورينج هو صاحب الفضل فى انتصار بلدك وحمايتها من الدمار وانقاذ 16 مليون انسان من الموت ؟ ... هل تقبل، لو كانت لك حرية اختيار من ينقذ بلدك، ان تختار هذا "المختلف" ام انك ستلفظه حتما انصياعا وراء تقاليدنا العريقة التى ترى الإختلاف نقمة لا رحمة؟

الفيلم قد يغير طريقة رؤيتك لمن حولك تماما ... او يخدش فقط سطح تفكيرك ... الإختيار لك، وطبقا لمدى جمود تمسكك بما نشات عليه من قناعاتك، ومدى استمتاعك بلعبة "التقليد" فى حياتك

فادى رمزى