ومين قالك انى أقدر أكون إله؟

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

"أحمد مالوش دخل دلوقتى يا أمى احنا ما بنتكلمش عن أحمد" ..

جملة تبدو بسيطة قالتها فى الثلث الأخير من قصة "ضيف على العشاء"، ضمن سلسلة حكاية وراء كل باب التليفزيونية. جملة اوقفت بها امها التى اخذت تدافع عما فعلته مع والدها حين اخفت خطابات حبيبها أحمد عنها، لظنهم انه لا يصلح لها.

ظنت الأم ان الإبنة تناقش الماضى فى محاولة يائسة لتغييره، لكنها فى الحقيقة كانت فى العمق الأول لعبارتها السابقة تحاول تفهم الدوافع التى كلفتها فقدان حبها، وفى العمق الثانى للعبارة هى تحاول ان توصل لامها فداحة ما فعلوه معها، وفى العمق الثالث تناقش واقع المرأة فى مجتمعاتنا الشرقية، حين يقرر الغير مصيرها ويسلبوها فى سبيل ذلك كل حقوقها.

لكن كيف ادت فاتن تلك الجملة ؟ (دقيقة 4:53)

صوتها جاء كنبرة حازمة ولكنها منكسرة، رافضة لاى محاولات لخداعها مرة اخرى، صارخة من فرط الظلم الذى عانت منه وحطم قلبها ... ثم اكملت الرسالة المطلوبة بحركات يدها، وتموجات جسدها وهى تجلس على يد الكرسى المقابل لامها .. حتى تظل اعلى منها على المستوى البصرى، فتضمن الا تتجه المحادثة لطريق المراوغة.

تموجات صوتها فى الديالوج التالى كان عبقريا ... فهى تحاول منع دمعة من ان تفر من عينيها .. تفلت منها زفرة الم فى "اتجوز أى واحد" ... "اتعذبت سنين" ... "كنت هعمل نفس الغلطة مع بنتى" ... وهى الجملة التى بعدها انطلقت بكامل قوتها لتنقل الرسالة التى يريد الفن نقلها فى تلك الحالة الفنية البديعة والملهمة.

 

"نصلح الخطأ ده ... نتجوز"

قالتها فى الخيط الرفيع لعشيقها بمنتهى التلقائية ... واثقة من انه سيلبى فورا طلبها، فهى من صنعته ودعمته ومن اهم اسباب نجاحه فى الدنيا. ولكنها تفاجأ بصمته ويالها من مفاجئة !!

لكن كيف أدت فاتن حمامة تلك اللحظة الصامتة الصاخبة؟ (دقيقة 0:47)

منتهى العبقرية ان تؤدى فنانة جملاً حوارية كاملة بدون ان تستخدم حنجرتها، جملا تحكى فيها قصة حياتها مع حبيبها، فقط بنظرات اعينها وارتعاشة انفاسها غير المسموعة لنا.

ابدعت فاتن حمامة فى التدرج فى الصدمة ... فهى انتظرت الإجابة النموذجية المتوقعة، انتظرت اطول مما ينبغى ... فبرقت عيناها، لمعت من فرط الصدمة وكانها تنقل الوميض الأخير لحبها.

صرخت بداخلها ... لعنت زمانها ... لعنته هو ... ذكرته بفضلها عليه ... كل هذا فقط بصمتها وفى ثوانى معدودة امتلكت فيها الكاميرا ... ثم انهارت حين تخيلت الحياة بدونه، فتخلت يداها عن راسها ... فظهر شحوب وجهها ... كيف جعلت وجهها يشحب هكذا، كيف تمكنت موهبتها من التحكم فى لون بشرتها؟ ام ان هذا ما اوحى الينا به اداءها ؟؟

ثم جاءت كلمة "أخرس" التى خرجت من اعماق قلبها قبل ان تصل الى لسانها ... كانت مدوية وتجبرنا كمشاهدين على احترام هذا الصمت وانتظار لحظة انفجار تلك العاشقة الرقيقة التى تم استغلالها.

بعدها انطلقت فاتن فى حوار عبقرى لاحسان عبد القدوس ... ما كان سينبض بالحياة لولا الاداء المبهر لمحمود ياسين وفاتن حمامة فى هذا المشهد. فهى تحاول ان تلبى احتياجاتها كإمرأة، بذلت كل رخيص وغال من اجله هو وليس من اجلها، وهو يحاول ان يضعها زورا فى مكانة اكبر من طاقتها البشرية، حتى يفلت بفعلته، وفى نفس الوقت يحصرها فى اطار بعيد عما يرسمه لمستقبله.

حاول اقناعها انها فى مكانة الآلهة ... فهو يعبدها ... ولكنها لم تكن تريده عبدا لها، بل كانت تريد محبوبها ... لذلك القت بخدعته فى وجهه وقالت "ومين قالك انى اقدر اكون اله؟" ... قالتها بقلبها، بلهيب مشاعرها، بإنكسار أحلامها، بخفقات قلب ذليل يحاول الخروج من الموقف بقوة.

لا يمكن ان تستطيع ممثلة اخرى ان تؤدى نفس الجملة كما ادتها فاتن مهما حاولت، فإحساس فاتن المبدع الراقى فى اداء هذه الجملة، قد لخص كل نضجها وخبرتها وموهبتها الفنية وايمانها العميق بقيمة ما تقدمه لنا ... وكل هذا فى ثوان قليلة تثبت لنا لماذا هى سيدة الشاشة وليس غيرها.

 

 

فعلا سيدتى وفاتنتى ... انتى لستِ إله ولا تقدرين ان تكونى إله ... لكن موهبتك اعطتك قدرات فنية خارقة، وإحساسك وصدقك واحترامك لفنك منحوا اسمك واعمالك خلود الآلهة ... لذلك ستبقين معنا دوما ... مع دعاءنا لك بالرحمة بقدر ما امتعتينا وبعدد دقات قلوبنا التى دقت مع صدق مشاعرك، فى كل لحظة اشرقت الشاشة بظهورك عليها.

فادى رمزى