فيلم Into The Woods: فانتازيا ديزنى وعبقرية ميريل وابهار مارشال

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

 عادة ما تُعرف الافلام السينمائية بأسماء ابطالها، كأن تقول "فيلم أحمد حلمى، فيلم ميريل ستريب، وحتى فيلم اوكا وأورتيكا" وفى بعض الحالات تُعرف بأسماء مخرجيها فتقول "فيلم يوسف شاهين، فيلم محمد خان أو فيلم ستيفين سبيلبيرج" …

 ولكن الحالات النادرة الوحيدة التى تُعرف فيها الأفلام بأسماء الجهة المنتجة هى فى أفلام السبكى محليا وديزنى عالمياً … أشعر تماما بالغصة التى فى حلوقكم حين تقرأون اسم السبكى وديزنى فى جملة واحدة … ولكن للأسف تلك هى الحقيقة المجردة وأن ظهرت بصورة تبدو فانتازيه تجمع فى إطار واحد كل ما لا يمكن جمعه ابدا.

 الفانتازيا تفعل ماهو أكثر من هذا … وابسط مثال محلول على ما يمكن ان تقدمه لناالفانتازيا من متعة عقلية وبصرية هو فيلم into the woods، الذى استطاع ان يجمع بين  قصص سندريلا وجاك والحبوب السحرية و ريبانزل وذات الرداء الأحمر مع قصص أخرى لا تخلو من امور السحر واجواء الأساطير المشوقة والمبهرة.

 كل هذا يخدم فكرة فلسفية عميقة بدأ الفيلم فى اول مشاهده فى نبش سطحها، ثم فى آخر مشاهد الفيلم قدم الخلاصة، بعد ان وضعنا كمشاهدين فى خلاط سينمائى غنائى درامى غريب وعجيب، استخدم روب مارشال، مخرج شيكاغو وقراصنة الكاريبى و مذكرات فتاة جيشا، كل أدواته من عناصر ابهار وحس موسيقى عالى وممثلين مخضرمين على أعلى مستوى مثل ميريل ستريب وجونى ديب، لإبراز سيناريو محكم وضعه جيمس لابين، الذى نجح فى تحويل عرضا مسرحيا يحمل نفس الأسم، قام هو ايضا بكتابته، إلى عمل سينمائى مبهر يجمع قصصاً كلاسيكية عالمية تخدم الفكرة الأساسية.

 الفكرة التى يقدمها الفيلم تدور حول "التمنى" … كيف ولماذا وبماذا يتمنى الإنسان؟ وهل سقف التمنى مفتوح للمالا نهاية أم محددا بواقعنا؟ وهل يمكن ان يؤثر ما نتمنى حدوثه على غيرنا تأثيرا سلبيا؟ وهل تبقى دى غلطتنا ؟؟

يبدأ الفيلم باستعراض ما تتمناه كافة شخصياته ..

سندريلا وامنيتها بالخروج من الواقع المرير الذى تعيشه مع امرأة ابيها

والطفلة ذات الرداء الأحمر ونهمها لتجربة كل ما هو جديد وامنيتها بأن تعيش وسط عائلة

ريبانزل الجميلة المحبوسة فى برج عالى وامنيتها التحرر من قيودها

والخباز وزوجته اللذان يتمنيان طفلا من ذريتهما

والطفل جاك الذى يريد الانطلاق لافاق ابعد من واقعه ويسعى للبقاء مع البقرة صديقته

واخيرا الساحرة التى تتمنى استعادة جمالها الذى فقدته لسنوات طويلة

 كل هؤلاء يتمنون، ويبذلون كل رخيص وغال من أجل ان تتحقق أمانيهم، فيتلاقون ويتفاعلون مع بعضهم البعض ومع شخصيات أخرى يريدون استخدامهم لتحقيق امنياتهم … فالساحرة مصابة بلعنة افقدتها جمالها، وحتى تتخلص منها تحتاج للخباز وزوجته لاحضار بعض الأشياء لها، منها رداء أحمر، حذاء سندريلا وخصلة شعر من ريبانزل وصديقة جاك البقرة ..

 وسندريلا تصادف الأمير، ولكنها لا تشعر بالإرتياح التام، فحياة القصور تتنافى مع طبيعتها المتمردة، ايضا الأمير ولد ليكون أميرا وبالتالى يفتقد لبعض السمات الإنسانية التى تريدها … وجاك يجد ان المال سيوصله لتحقيق امنيته، فيسرقه من العملاق الذى يقطن فى العالم العلوى الذى وصل له بفضل الشجرة السحرية، ولكن العملاق غضب فهدد عالمه بالدمار … وهرب الأمراء وتركوا الدهماء وحدهم يواجهون الأخطار.

 وتظل المخاطر مهددة لحياتهم ولكن الأمل فى تحقيق امنياتهم يدفعهم لتحمل تلك المخاطر، والتصرف احيانا بأنانية .. واحيانا أخرى يجبرهم على التعاون سويا … ولكن كيف يواجه الغلابة السحر والسلطة، وكيف تحقق امنياتك وسط اقدار مهلكة ومملكة محطمة ومنهارة على نفسها ..

 كيف تربى اولادك على ان "يسمعوا الكلام" وكل الكلام غير قابل للتصديق او غير مقبول ولا معقول؟ … كيف تسيطر على اولادك و فى نفس الوقت تريد لهم الإستقلالية؟ … ثم كيف تتعارض أمنياتك مع امنيات اولادك؟ وهل الأمنيات تورث؟ ام ان للأطفال ايضا الحق فى امنيات منفصلة؟

 الغابة تحوى كل تلك الصراعات النفسية والإنسانية والحياتية … فهى تحيط بالقرية والمملكة، وعلى كل من يريد تحقيق امنياته الخوض فيها وتحمل ما ستقدمه له من خيرات ولعنات. ولكن هل سيخرج الإنسان من الغابة محققا أمنيته التى دخل بها ؟ ام سيخرج بتحقيق أمنية أخرى لم ترد من قبل على باله ولا على خاطره؟

 ميريل ستريب تقوم بدور الساحرة كما لم يؤد أحد من قبلها … فهى بالفعل  ساحرة بموهبتها وهذه المرة قدمت السهل الممتنع فى اطار استعراضى غنائى فى اغلب مشاهده، وياتى آخر مشاهدها فى الفيلم مبهرا بكل تفاصيله ومسرحى الطابع فى قدرته على انتزاع التصفيق الصامت من المشاهدين فى صالة السينما. والطريف أن ميريل رفضت أن تقوم بدور الساحرة، أى ساحرة، طوال تاريخها الفنى، ولكنها هنا وافقت بعد ان طالعت السيناريو والمشاهد الموسيقية الغنائية التى أقنعتها أخيرا بخوض تلك التجربة.

 جونى ديب قام بدور الذئب الذى يلتهم ذات الرداء الأحمر و جدتها … جونى ديب طالع ذئب … اعتقد ان هذه العبارة كافية لتخيل كم الفانتازيا التى مزجها جونى ديب مع عبقرية موهبته المتميزة. دور قصير "مكير" خفيف الدم … يبرز أمنية مباشرة للذئب، لأى ذئب، وكيف يستغل أطماع البشر لتحقيقها.

 إيميلى بلانت تقوم بدور زوجة الخباز، إمراة قوية الشخصية تحب زوجها ومصممة تماماً على تحقيق امنيتهما، عبرت بتلقائية عما بداخل شخصيتها من حيرة، فهى لا تريد التخلى عن مبادئها ولكنها تتمنى طفلا تمارس معه مشاعر الأمومة … الصراع الداخلى ابرزته فى آخر مشاهدها، حين سقطت على المستوى الإنسانى، فلم تعرف كيف تتعامل مع تلك المعطيات الجديدة … ممثلة موهوبة متلونة الأداء، فهى التقت مع ميريل ستريب من قبل فى الفيلم الكوميدى Devil Wears Prada، ولم يقل اداءها حينها عن حد الروعة.

 دانيل هاتلستون الذى قام بدور الطفل جاك فى فيلمنا هذا، ومن قبله ظهر فى فيلم Les Miserables،  ادى دور الطفل الطموح الذكى الشقى البرىء المصمم على تحقيق أمنيته. شخصية معقدة اداها من قلبه، وفى اطار غنائى فى اغلب مشاهده … موهبة صغيرة متميزة بلا شك يجبرك على الإنفعال بأداءه.

 أخيرا هى خلطة فنية فلسفية يعدها ويقدمها ديزنى وجيمس لابين و روب مارشال … على مائدة مكونة من المع نجوم الدراما … قد تبدو لك غريبة او غير مستساغة، ولكنها ستجبرك على إعمال عقلك … ودى لوحدها رسالة للفن غااااية فى الأهمية.

فادى رمزى