#فادى_رمزى يكتب: interstellar ..فيلم "علم خيالى"

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

نعم العنوان صحيح ... فما شاهدناه من اعمال سابقة كانت افلام خيال علمى .. الخيال فيها هو سيد الموقف، وياتى مرتكزا على حقيقة علمية معينة، ينسج حولها الدراما اللازمة. أما بالنسبة لفيلم "Interstellar" أو "بين النجوم" فهو بمثابة بحث علمى يقدم اكتشافات مذهلة، ولكن قرر القائمون عليه الإستعانة بفن يطلق عليه فن السينما، ليتم تقديم محتوى البحث بأكثر الطرق ابهارا وتشويقا ... ليس من اجل إمتاعنا كمشاهدين فقط، ولكن من أجل تحقيق مصلحة التقدم العلمى، تم الإستعانة بفن السينما.

الدليل على ما أقول هو أن الفيلم مبنى على ابحاث عالم فى الفيزياء والفلك اسمه د. كيب ثورن، هو الذى أشرف بنفسه على كافة تفاصيل الفيلم العلمية، بل وأعطى معادلاته الفيزيائية المعقدة لفريق المؤثرات الخاصة بالفيلم حتى يضعوا برنامجا خاصا يعتمد على تلك المعادلات فى خلق المؤثرات البصرية الخاصة بالفضاء والثقوب السوداء وغيرها من الظواهر الطبيعية التى جاءت فى الفيلم.

صانعو الفيلم وعلى رأسهم الأخوان كريستوفر وجوناثان نولان، وجدوا فى هذا تحديا جديدا قدمه لهم العلم، فتألقوا وابدعوا ليكونوا اهلا لهذا التحدى ويقدموا العلم المجرد الجامد فى صورة مبهرة ومشوقة للعالم أجمع، وعلى التوازى وجد العلم ان السينما تجسد له افكاره وابحاثه بامكانيات غير مسبوقة.

أثمر هذا التعاون المتميز عن فيلم سينمائى اجاد العلم وضع الاطار المحكم له، وحمايته من شطحات الفنانين التى قد تبعده عن المسار العلمى المطلوب، واثمر ايضا عن ورقتى بحث علمى نشرهم د.ثورن فى الدوريات العلمية، قدما تصورات جديدة فى ابحاث الفضاء لم يكن من الممكن التوصل اليها بدون ان يقدم فن السينما الدعم البصرى والتكنولوجى المطلوب.

وبعد ان اثبت لحضراتكم ان الفيلم يصنف كعلم خيالى وليس العكس، نبدا فى التعامل مع عناصره السينمائية التى قدمت لنا قصة لا تخلو ابدا من الواقعية، على الرغم من انها تدور فى اجواء فضائية خيالية.

القصة تدور احداثها فى المستقبل القريب ... ربما القريب جدا من يدرى ... حين تتعرض الأرض كلها لمجاعات متتالية، بسبب سوء استغلالنا للطبيعة واستمرارنا فى تلويثها، ف بالتالى ضنت علينا بخيراتها من المزروعات واصبحت الآفات الزراعية هى الأقوى، والتى تعمل على طردنا من أرضنا واستهلاكها لنسبة الأوكسوجين المطلوبة لابقائنا على قيد الحياة.

فى وسط تلك الأزمة الطاحنة يكتشف العلماء ثقبا اسودا ينفتح فجأة فى المجموعة الشمسية، ويؤدى الى مجرة بعيدة بها كواكب عديدة صالحة للحياة الانسانية، وعلينا فقط ان نستكشفها ونوجد الآلية اللازمة لنقل سكان الأرض الى هناك فى محطات فضائية ضخمة ... يجاهد العلماء لايجاد وسيلة لتمكينها من الطيران ومقاومة الجاذبية الأرضية.

الثقب الأسود مجهول المصدر، والذى يفسر وجوده كل شخص طبقا لمعتقداته ومفاهيمه الخاصة، يحتاج لرائد الفضاء السابق كوبر، ماثيو ماكونهى، الذى تفرغ للزراعة مع والده وابنته وابنه بعد وفاة زوجته، فهو افضل مرشح لقيادة العملية الاستكشافية، التى قد تستغرق اياما قليلة ... ولكن بسبب اختراقه للثقب الأسود فهو قديعود ليجد مئات السنوات قد مرت على الأرض، وان من يحاول انقاذهم من احبابه قد فنوا منذ سنوات عديدة.

إذا هو ومعه العالمة الشابة د. براند، آن هيثاواى، عليهما ان يحاربا الزمن ضمن تحديات عديدة .. من اهمها الطبيعة البشرية التى تظهر افضل او اسوا ما عندها عند التعرض للخطر، حيث نعرف ان هناك بعثة قد سبقتهم لاستكشاف الكواكب الصالحة، وكلهم يعتمدون على مجموعة من العلماء مطالبين بالتغلب على تحديات نقل سكان الأرض من احبابهم واقاربهم ... فهل كلهم لديهم نفس الأولويات ام تغلب عليهم المصالح الشخصية؟

الى هذا الحد يبدو الفيلم انسانيا نفسيا بالاضافة الى كونه علميا ... ولكن الأمر لم يتوقف هنا، فابنة كوبر ترى ظواهراً غير طبيعية فى حجرتها، فى صورة شبح يتواصل معها بلغة خاصة تحاول جاهدة ان تكتشف مفاتيحها ..

وبين الفضاء واحداثه وحجرة الإبنه وغرائبها والطبيعة الانسانية وتقلباتها والمعتقدات الخاصة وغيبياتها وانقلاب الارض على سكانها ... نتمتع باحداث فيلم يجبرك على ان تسلمه كل حواسك منذ الثانية الأولى، تتركه يقلقك ويثير شغفك وفضولك ويضحكك ويبكيك بحرقة فى منظومة فنية علمية تخرج بعدها محاولا ان تستعيد معلوماتك فى الفيزياء، وقد تتبادل النقاش مع من معك فى صالة العرض لاستعادة التفسيرات العلمية التى جاءت متلاحقة وسط الاحداث المبهرة.

هو فيلم يحتاج للمشاهدة مرة اخرى ... لاسباب عديدة تبدأ بالرغبة فى فهم بعض ما فاتك من احداثه، وللتمتع مرة اخرى باداء انسانى راقى لماثيو ماكونهاى يجبرك على احتضان احبابك ما ان تخرج من الصالة ... او قد تختار المشاهدة مرة أخرى للانبهار بموسيقى العبقرى هانز تزيمر، الذى لم يعطه المخرج كريستوفر نولان السيناريو كاملا بل اعطاه ورقة وحيدة فيها رؤيته كمخرج فى الفيلم طالبا من هانز بان يبدع لونا من الموسيقى لم يخلق من قبل.

كلها اسباب مشروعة لدخول الفيلم مرة ثانية ولكن يتبقى السبب الأسمى، ألا وهو الرغبة فى إستعادة تجربة المتعة العقلية البصرية غير المسبوقة، والتى فتحت باباً لابداع جديد يطرقه هذا الفن اللى داخ معانا ودوخنا .. 

فن السينما.

فادى رمزى