فيلم #Begin_Again من الموسيقى ولها وعنها

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 ظننته فيلماً رومانسياً موسيقياً، يحكى عن قصة نجاح فنانة شابة تهوى الغناء، تنفصل عن حبيبها، ثم تلتقى بمدير شركة تسجيلات يعانى من حالة نفسية سيئة بعد انفصاله عن زوجته ... وبالطبع توقعت ان يدور الفيلم حول بدايتهما الجديدة معا وكيف نجحا فى التغلب على حالتهما النفسية واثبتا ان الحياة حلوة بس اللى يفهمها، ونمضى اوقاتا لطيفة مبهجة مع الفيلم ونخرج بابتسامة عريضة مثل اى فسحة سينمائية لطيفة.

لكننى أكتشف ان القصة المعلنة هى مجرد القشرة الظاهرة، بينما الفيلم فى جوهره يحكى عن تأثير الموسيقى فى حياتنا ... أو بمعنى أدق يعرض كيف تشكل الموسيقى حياتنا دون ان ندرى. كيف تجعلنا نتلمس فطرتنا الإنسانية النقية البريئة فى ومضات ساحرة نستعين بها على قضاء كل ما تلقيه علينا الدنيا من اعباء مادية ومعنوية ... فبتموجات نغمات الموسيقى نسمو فوق أى هموم حياتية، بل تصير اشجاننا وافراحنا جملا لحنية تتراقص على وقعها مشاعرنا واجسادنا، فى توحد متناغم يعبر عن أسمى ما ابدعته الحضارة الإنسانية ... فن الموسيقى.

القصة والإخراج للأيرلندى جون كارنى، وهو له تجربة سينمائية موسيقية سابقة وهى فيلم Once ذو الاجواء المشابهه ... ويكفى لابراز مدى تميز اسلوبه انه قدم لنا نفس الأغنية كاملة مرتان متتاليتان ... فى جراءة اخراجية غير مسبوقة وبدون لحظة ملل واحدة تتسرب الينا.

المرة الأولى كانت من وجهة نظر جريتا المبدعة وهى تعتصر النغمات من وحى اشجانها، والمرة الثانية بأعين دان مكتشف النجوم، حين ينبهر أولا بالاداء ثم يتخيل الاغنية فى صورتها المكتملة ... المخرج هنا اكتفى فقط بتغيير زاوية الكاميرا، مع خلق جو فانتازى بسيط فى الخلفية، حين تشارك آلات موسيقية بلا عازفين فى عزف الأغنية، فى واحد من ابدع المشاهد السينمائية التى رأيتها واكثرها واعمقها تأثيرا.

الفيلم عبارة عن جملة لحنية رومانسية، والرومانسية هنا ليست بين الشخصيتان المحوريتان جريتا ودان، بل أنها بين الإنسانية والموسيقى بكل ما بينهما من عشق وهيام وتكامل وإكتمال. فالإنسانية تستحق صوراً للانطلاق أسمى وارقى بكثير من الصور المادية، والموسيقى تحتاج لمن يجمع نغماتها المتفرقة من إنفعالات الطبيعة البكر المختلفة ... تحتاج لمثل شخصيات الفيلم،  فكل شخصية تعبر عن نغمة حياتية مبعثرة، وتأتى الموسيقى فتؤثر فى نظرة تلك الشخصيات للدنيا ودرجة تفاعلهم مع معطياتها ...

نرى الصديق ستيف يمضى حياته متجولا بين الحانات والأرصفة عارضا فنه الموسيقى الخاص، حتى ولو كان هو المعجب الوحيد به ... فهو ذو حضور صاخب وساخر ورافض للواقع المفروض عليه.

أما جريتا فهى براءة الموسيقى ونقاءها، الرافضة للتجارية المبتذلة التى تصاحب خطوات صناعتها، فالأغنية عندها كائن حى جسده الموسيقى والكلمات هى المشاعر النابضة، تُعرض على الناس كما ولدت من رحم مبدعيها ... بدون اى رتوش او مُكسبات تعاطف او محبة.

ودان يرى الموسيقى ولا يكتفى بسماعها، فهى عشقه ومهنته بعد ان كانت مجرد موهبته ... يجيد التقاط المواهب الشابة، يرى ما وراء نغماتها الناشئة، فيعطيها الدفعة الفنية الحساسة اللازمة. وهو مثل جريتا يرى براءة الموسيقى ويعشق ارتباطها بالإنسانية، فهى ايقاع حياتنا اليومية ولذلك يجد بسهولة الفكرة البسيطة العبقرية لإنتاج اول ألبوم لجريتا.

ميريام هى زوجة دان، او بمعنى أصح طليقته، ناقدة موسيقية تستمع وتندمج وتحلل الموسيقى للآذان العاشقة حتى تدرك كافة ابعاد التجربة الموسيقية. ميريام تعشق التغيير ولذلك تركت دان، بعد ان اندمجت فى تجربة موسيقية ارادت ان تمضى في طريقها حتى النهاية.

فيوليت إبنة دان وميريام، مراهقة تتخبط فى طريق تشكيل هويتها وبلورة أحلامها. تهوى العزف على الجيتار، ولكن فقط لنفسها ... بالنسبة لوالديها هى فاشلة فى العزف ناجحة فقط فى المعارضة، بالنسبة لها الجيتار هو رفيقها، اوتاره تكتم أسرارها ثم تبوح عند العزف بما تسمح به فقط اناملها.

ديف هو حبيب جريتا، الذى يبذل كل رخيص وغال لتحقيق حلمه فى النجاح فى عالم الموسيقى ... يقع ضحية التجارية وتحاول فطرته المفعمة بالموهبة ان تنقذ ما يمكن إنقاذه من نغمات صادقة، فلا تقع ضحية الابتذال والسعى وراء المال.

الفيلم يعرض نتاج إجتماع كل تلك الشخصيات فى منظومة موسيقية واحدة؟ بكل ما يحملونه من تجارب انسانية مكتملة ومشوهة ... أى موسيقى سيتم انتاجها؟ وماذا لو امتزجت النغمات باصوات الشارع والطفولة المشردة والمواصلات الصاخبة والاعصاب المنفلتة؟

شخصيات هذا الفيلم خلقت بالموسيقى ومنها ولها ... فهى تمثل الكيانات الإنسانية المبدعة التى نجد انفسنا منفعلين مع ابداعاتهم بدون ان ندرك معاناتهم ... فقط نشترى الألبومات او نحملها من الإنترنت ونضعها فى اجهزتنا المحمولة، وبسماعات الأذن ننفصل معها عن الدنيا ... نحاول ان نبقى انفعالاتنا الخارجية جامدة امام الاخرين، ولكن قد لا نستطيع السيطرة على ردود افعالنا فتفلت منا هزات كتف او ربتات من اكفنا على ارجلنا ... وتصبح قمة متعتنا أن نجد من يشاركنا طرف من اطراف سماعات الأذن فى تلك اللحظة الحالمة، ونقع فى الحب مرة أخرى حين يندمج قلبينا فى خفقات موحدة على نغمات ساحرة واحدة.

كلها انفعالات لا إرادية وتجارب حياتية ضرورية، فهى تحافظ على تواصلنا المستمر مع جوهر انسانيتنا.

ستختبر خلال المشاهدة كيف تأتى الموسيقي كل مرة وتلمس مشاعرك .. فتتحول أنت نفسك لنغمة اتسانية تسمو بروحك الى افاق ارقي بكثير من تفاصيل خياتك اليومية ... ثم تنتهى المقطوعة السينمائية فاذ بك إنسانا اكثر نقاءا وطهارة وبراءة ... تلك هى عظمة الموسيقي ... وفيلم Begin Again هو فيلمها، بأرق وأبسط الصور الممكنة.

فادى رمزى

لمعرفة معلومات إضافية عن الفيلم إضغط هنا