#فتاة المصنع: الشخوص وتباينها وملابسها

كتب بواسطة: فيروز جبر في . القسم سينما

 

(ملحوظة: نقد الفيلم يكشف الكثير من أحداثه وعن نهايته)

بعد أن استعرضنا فى المقال السابق أحداث فيلم فتاة المصنع وشخوصه النسائية، نستكمل اليوم النقد الفنى ونبدأ بتحليل التقنيات الفنية ..

معظم أحداث الفيلم تدور فى مشاهد خارجية، فى الشارع أو المصنع، لتعكس من جهة حياة المصريات العاملات، ومن جهة أخري افتقادهن للأمان أو للتحاور داخل بيوتهن، وبالتالى يقمن بالبحث عنها خارج أسوار قيودها.

حوارات المشاهد الداخلية بالمنازل سلبية، في معظم الأحيان بين سلوي خطاب و أختها أو بينها و بين ابنتها هيام، ونفس الشيء فى مشاهد الحوار بين الخالة و ابنتها أو حتي فى مشاهد الكول سنتر فى صراع الخالة للحفاظ علي نفسها من تجاوزات صاحب العمل، أو حوارات المترددات علي الكول سنتر عشماً فى حب رجل لا يتحمل قدر كاف من المسئولية ... فيكون مصدر بكاء و شجن أكثر منه أمان و فرح.

وفي ذات السياق نجد أن معظم مشاهد هيام خارج المنزل فى كادرات متسعة، لأنها تتوق الي الحرية و لا تتسم بالاعتمادية ... فهي إما تبتاع العيش لجدتها فى الحارة أو تجوب الشوارع لتشتري لنفسها أو لمن كانت تظنه جديرأ بحبها شيئا.

أما صلاح، فغالباً ما يظهر فى كادرات أقل مساحة، فهو إما حبيس غرفته الزجاجية في المصنع أو حبيس منزله أو حبيس أفكاره داخل بلكونته ... ونري هيام علي الطرف الآخر من نفس مشهدها فى مساحة أكثر اتساعاً (السطح) ترقبه بشفقة لم تخل من غيظ.

وحتي مشهد البحر فى الرحلة، الذي تواجد فيه البطل مع زمرة النساء، كانت الغلبة فى تركيز لقطات الكاميرا فيه علي الأكثرية النسائية، بينما ظهر هو فى لقطتين جانبيتين سريعتين ... استشرافاً  أن تلك النساء هن من سيقدن المشاهد اللاحقة بشكل أو بآخر.

اختيار الملابس، لنيرة الدهشوري، كان ملائماً جداً للشخصيات البسيطة الكادحة، خاصة مع الحقائب التي لا يخلو جلدها من التقشير، و مشهد شراء ملابس الأرصفة ب 20 أو  35 جم علي الأكثر وفقاً للميزانية. و غطاء الرأس الذي يمثل جزء من ثقافة المكان أكثر مما يعكس قناعة من ترتدينه به، بدليل أنهن لا يجدن غضاضة فى التحرر من جزء كبير منه فى رحلة أو  فرح.  

أيضا هناك تعليقان لا يمكن إغفالهما بخصوص الملابس:

أولا: تدرج ألوان ملابس هيام، التي كانت تعيش فى حلم الفوز بقلب صلاح، فقد جاءت ملابسها  فى مشاهد المستشفي والبيت أميل الي اللون الوردي، ثم يتصاعد الأمل بارتداء ثوب زفاف والدتها الأبيض فى منتصف الأحداث،

و حين ينهار الحلم نراها فى تي شيرت اسود ( مشهد انهيار البلكونة)، وأخيراً حين تبرأ من صدمتها نراها بفستانها الأحمر فى المشهد الأخير، تعبيراً عن حالة تعافيها واستعدادها لخوض جولة أخري فى الحياة وهي أكثر قوة و نضجاً.

ثانيا، مشهد صندوق ملابس الأم سلوي خطاب، الذي يشبه صندوق العجايب فى ألف ليلة و ليلة. فمن هذا الصندوق استخرجت من خزانة ذاكرة الشخصية المصرية موديلات فساتين الستينات والسبعينات لترتدي كل فتاة من الثلاث أحدهم.

وحين تعلق احداهن "بس ده مفتوح أوي يا خالتي" ترد الأم بقولها "علي أيامنا مكانش مفتوح" .

هي دوماً حالة الحنين إلى الماضي التي تمثل قاسماً مشتركاً فى أفلام خان. و لا يخل الحنين أيضا من اختيار أسماء  الأبطال "هيام و صلاح " الأقرب الي الماضي منها الي أسماء شباب اليوم.

كارمن فى ثوب مصري

ياسمين رئيس كانت طبيعية جداً و أجادت تمثيل دور الفتاة التي نعم تحتاج للحب، لكن ليس علي حساب كرامتها. ولا أعلم إن كان هذا مقصود من الكاتبة وسام سليمان أم لا، لكنني أري  كثير من ملامح شخصية كارمن الغجرية المتمردة فى شخصية هيام البطلة .

فكارمن كانت تعمل فى مصنع للسجائر، معظم العاملات به نساء، وكذلك هيام تعمل فى مصنع لكن للملابس الحريمي. وكما كان هناك صراعاً بين كارمن و فتيات مصنع السجائ،ر كذلك كان هناك صراعاً بين هيام وفتيات مصنع الملابس ... سواء علي رهان ساذج أو على الفوز بعريس لم يذهب لأي منهن، أو بسبب تهمة شرف يحاولن  إلصاقها بها و تثبت لهم برائتها منها.

وهيام فى فوزها عليه زميلاتها تؤكد، مثل كارمن، أنها لا تقبل القيود أو الحياة الراكدة وإلا فقدت هويتها.

 وكما حاولت كارمن لفت نظر الضابط خوسيه لها، ظناً منها أنه من سيمنحها الحرية، كذلك ظنت هيام، حين مالت إلي البطل صلاح، لكنه حين رفض حبها لم تركع أو تتذلل بل رقصت فى مشهد النهاية فى فرح و زهو بفستان أحمر قاني، رقصة الحياة والحرية وسط نظرات إعجاب زميلاتها.

وقد كانت رقصتها  فى عنفوانها، مثل رقصة الفلامنكو أو الثأر التي رقصتها كارمن. فليهنأ صلاح بعروس اختارتها والدته ولتنتظر كارمن المصرية مصارع الثيران الذي يفهم طبيعتها التواقة للحرية.

هاني عادل أجاد أيضا تمثيل دور الشاب الذي يترك مصيره للآخرين، ويعكس تعبير وجهه وعينيه وطبقة صوته طوال الفيلم ... هو فى حالة حيادية، فلا نعرف حقاً هل هو سعيد أم تعيس، محب أم راغب، اعتمادي أم  مستقل،  و ذلك بعكس هيام التي عكست  ملامح وجهها و عينيها دوماً مشاعر صريحة سواء فرح أو  حب أو غيظ أو اشمئزاز.

وقد تأكدت حالة التضاد بين شخصيتي البطل والبطلة في قصر الجمل الحوارية لهاني عادل، مقارنة بطولها لياسمين رئيس، كما فى مشهدي المستشفي لكل منهما ... ففي حين خرج صلاح من المستشفي علي نفس حالة الحيادية ليتزوج فتاة حيادية مثله، تخرج هيام من المستشفي أكثر قوة و نضجاً .. تخرج لتثبت للجميع أنها كما قالت صديقتها نصرة "بختم ربها" .. فتعكس  بذلك حالة "التطهر فى الدراما الكلاسيكية" حيث يجب أن يمر البطل بصراع نفسي و بدني كي يستعيد كيانه.

سلوي خطاب كانت جيدة هي الأخري في دور الأم عيدة، و لو أني أري أن اختيار من قام بدور زوجها لم يكن موفقاً للغاية لأنه بدي أصغر سناً وأقل بنية منها ... اللهم إن كان السبب فى هذا الاختيار  أن تبدو هي أيضا الأكثر تفوقاً علي مستوي الشخصية.

وقد كللت عيدة مناخ الأساطير بأخذ شعر ابنتها المقصوص و إلقائه فى النيل راجية منه أن يعيد لابنتها تاج جمالها بقولها "يا نيل يا كبير .. خللي شعر بنتي طويل" وكأنها تستعيد بذلك أسطورة ايزيس التي جمعت  أشلاء جثة زوجها من بقاع مصر لتعيد الحياة لنفسها بميلاد ولدها حورس. وكما تحولت دموع ايزيس الي نهر ثم نصر، تحولت هيام من هزيمة حب الي انتصار فى النهاية .

الحقيقة أن الشخصية النسائية السلبية الوحيدة فى الفيلم كانت شخصية الجدة، التي إن لم أكن مخطئة ترمز إلي بعض الموروثات القديمة المغلوطة فى الثقافة المصرية. فهي دوماً تجلس لتنتظر عون حفيداتها لكنها لم تحاول قط احتضانهن أو التحاور معهن بل و تصدق ما يقال عنهن افتراءً من الغير.

كما أنها لم تكف علي معايرة الخالة بطلاقها أو معايرة زوجة ابنها المتوفي سلوي خطاب بأن خلفتها كلها بنات وكأنها وصمة تستحق عليها التأنيب ليل نهار. وفى النهاية أرادت الجدة معاقبة الحفيدة بقص شعرها فحولت هيام الأمر فخراً و انتصاراً لذاتها فى مشهد النهاية حين رقصت أمام الجميع بشعرها المقصوص بأنوثة و جمال طاغ.

يحسب لهذا الفيلم أنه، رغم ما عرض من مشكلات لطبقات أقرب الي الفقيرة، لم يتسم مناخه العام بالقتامة ولم تكن أيضا ألفاظه فى مجملها بذيئة، باستثناء القليل جدا. كما خلا فى التعبير عن مشاعر الحب من أي تجاوزات ... فحتي مشهد القبلة فى المطبخ بين صلاح و هيام (الذي يمثل تواز درامي لمشهد سعاد حسني و شكري سرحان فى فيلم السفيرة عزيزة)  كان لشفاه تتقارب ولا تتلامس. خان بذلك يؤكد أن الفن الراقي لا يحتاج الي الانزلاق الي الفجاجة بحجة أنه يعكس المشاعر أو الواقع.

وقد دعم  المناخ المتفائل للفيلم الموسيقي التصويرية الرشيقة لجورج كازازيان وأغنيات السندريلا سعاد حسني التي صاحبت الحالة الدرامية للبطلة صعوداً و هبوطاً (عايزين نحب، يا واد يا تقيل، البنات البنات، خدنا أجازة، صغيرة علي الحب، و غيرها) .

وكما كان فيلم "فى شقة مصر الجديدة"إهداء لروح الأسطورة ليلي مراد، أهدي خان فتاة المصنع لروح سعاد حسني مؤكداً علي حالة الحنين الجارف لماضي لازالنا نعيش علي ذكري طلاوته.

ينتهي الفيلم بأن تلد الجارة بنت جديدة تضاف الي فتيات الحارة الرائعات العاصيات.  و بعد أن تستوعب هيام جملة سعاد حسني فى أغنية حبيبي يا فيلسوف:  "السحر يبطل مفعوله بالوقت زي ما بيقولوا ... " تأتي عرس صلاح و قد فهمت الدرس و تخلصت من أسر سحره .. تأتي و هي في قمة رونقها و بهائها لتبدو فى تمردها أكثر قوة منه ..

تأتي مع خلفية أغنية الفينالة ليسرا الهواري "بابتسم" لتردد و نردد معها معزوفة حياة لمن لا يرضي بالانكسار :

بابتسم من كتر حبي للعالم .. بابتسم من كتر خوف وعيت عليه

وعينيا المفتوحة على القلق .. كأنها وجع يبص ويبتسم !!

فيروز جبر