#فتاة المصنع: تيمة الواقع المؤلم و الحنين الجارف فى ثوب متفائل

كتب بواسطة: فيروز جبر في . القسم سينما

 (ملحوظة: نقد الفيلم يكشف الكثير من أحداثه وعن نهايته)

تقول أسطورة الحارة أن جنية ظهرت لأحد رجالها، وحين لم يبادلها الحب اختفت وحل سحرها علي المكان بأسره لتكون ذرية كل من فيه إناثاً و ليس ذكوراً.  

من هنا تخرج فتاة المصنع هيام "ياسمين رئيس" ذات ال 21 ربيعاً لتصطحب أختها الغير شقيقة بسمة، فى عالم اكتظ بالنساء، سواء فى الحارة أو طوابير العيش أو  المصنع او الميكروباص أو التوك توك أو  الفسح الترفيهية.

300414 article1 photo2 وخلال رحلتها تبحث عن حب الزمن الجميل الذي كان أقصي نشوته قبلة واحساس دافيء،  تماماً كما جسدت سعاد حسني فى فيلم السفيرة عزيزة الذي تسترجع البطلة لقطاته فى أكثر من مشهد. لكن لأن الزمان غير الزمان لا تفوز السفيرة عزيزة هذه المرة بالزواج من البطل صلاح " هاني عادل " المهندس بالمصنع الذي تعمل به لأنه لا يراها ترقي الي مستواه. لكن هذا لا يهزمها لأنها تري أن الحياة يجب ان تستمر فى كل الأحوال رغم الأوجاع. 

قد تبدو حبكة الفيلم علي بساطتها تقليدية و غير جديدة، لكن فريق العمل بدأً من المؤلفة وسام سليمان والمخرج الكبير محمد خان، مروراً بكل الأبطال و طاقم اختيار الملابس و الموسيقي التصويرية، كف هؤلاء صنعوا من الفيلم حالة خاصة راقية إلي حد كبير، وبعيدة عن القتامة أو  الفجاجة رغم ما استعرض من مشكلات. 

محمد خان و المرأة

كعادته فى  سلسلة أفلامه الأخيرة ( في شقة مصر الجديدة ، بنات وسط البلد) يكمل محمد خان بفيلم فتاة المصنع رؤيته المناصرة للمرأة المصرية كأم و معيلة و حبيبة. لذا لم يكن غريباً أن تكون نماذج النساء أكثر عدداً وايجابية بشكل عام من الرجال.

فزوج الأم عيدة (سلوي خطاب) موجود لكنه ليس متواجداً و لا متفاعلاً مع أهل بيته، وأخوة سلوي خطاب الذكور لا يظهرون الا فى مشهدين للترهيب، و طليق الخالة (سلوي محمد علي) لا يظهر مطلقاً لكنه يرفض التكفل بابنته. وصاحب الكول سنتر الذي تعمل به الخالة لم يكف عن التحرش بها، وصلاح ( هاني عادل ) يترك مصير حياته لقرارات و اختيارات والدته لأنه لم يتمتع بالنضج الكاف ليأخذ هو زمام الأمور.

وعلي النقيض، فمعظم النساء فى الفيلم باختلاف أعمارهن أكثر ايجابية، بدءا من سلوي خطاب، الأم التي تعمل دلالة، مروراً بالخالة التي تعمل خادمة بالمنازل بجانب عملها فى الكول سنتر ب 400 جم شهرياً و الفتاتين هيام و بسمة وكل زميلاتهن بالمصنع.

وبالمثل تقف النساء فى طوابير العيش، ويشترين الوجبات لأنفسهن وقت الراحة من العمل، حتي أنه حين تضيق بالبطلات الدنيا وفى أحد المشاهد لا يجدن مكاناً يبتن فيه، فينمن معاً فى عربة ربع نقل متدثرين ببعضهن البعض.

ومن المشاهد النسائية الجميلة مشهد السطوح، حيث  تقف فتيات فى عمر الزهور ينشرن الغسيل ويؤكد حوارهن أن الزواج ليس دوماً هو الحل لكل فتاة، لأن " آدي نادية اتجوزت اللى بتحبه و أهو مطلع عينها هو والعيال".

لكن الرائع أنه رغم التعب تبقي روح التفاؤل، حين تبدأ الفتيات فى الغناء و الزغاريد عملاً بقول إحداهن " أمي دايما بتشقلب الأمثال و تقول أن الزغاريد بتجيب فرح" ... لتخرج أنت كمشاهد فى نهاية المشهد بإحساس إعجاب وليس شفقة أو خوف عليهن.

والحقيقة أن هذا المشهد، الذي  يأتي  قرب منتصف الفيلم، يمثل تحولاً درامياً فى رؤية فتيات المصنع  مقارنة بمشاهد البداية، حين كن يتهافتن علي المهندس الجديد هاني عادل  " اللى زي القمر..  حاجة كده 5 تدوار" ... و يهمسن لبعضهن البعض بعد فحص يديه "ده مش لابس دبلة " وبناءاً عليه يبدأن فى مطاردته فى الرحلة عله يتنازل و ينظر إلي احداهن.

ثم تتصاعد الأحداث حتي مشهد الذروة ( لقاء المواجهة بين صلاح و هيام فى جروبي ) حيث يصارحها قائلا "أوعي يكون جه علي بالك أني ممكن أفكر اتجوزك انتي!! " فتخرج غاضبة ثائرة لكرامتها وسط خلفية مظاهرة تردد " قالك صوت المرأة عورة لأ دا احنا صوتنا ثورة " وكأن أصوات تلك النساء تدفعها دفعاً الي عدم حصر أحلامها فى رجل قد يأتي و قد لا يأتي و إن أتي فقد يكون سبباً فى تقييدها أكثر من احتوائها.

نستكمل الحديث فى مقال الغد، بعرض شخوص الفيلم لنوضح تبانها.

فيروز جبر