فيلم مزرعة الحيوانات: عن الخنازير والخرفان

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 

أبدع الكاتب الإنجليزى جورج أورويل رواية Animal Farm  أو "مزرعة الحيوانات" فى عام 1945، وهو كان يقصد الشيوعية وثورتها ويحكى اهوال ما حدث من جراء حكم ستالين من بعدها ... وذلك عن طريق اسقاط سياسى تم تغليفه فى صورة أدبية "حيوانية" رائعة، يرينا أورويل من خلالها كيف ان الثورات دوما ما تبدأ رومانسية حالمة، وتعلى من قيم الحرية والعدالة وترفعها على اكتاف بواسلها وشجعانها ...ولأن الثورات دوما ما تستند الى الحق، وترى فى اقراره الأمر المستحق، فهى بالتالى تنفض الظلم عن كاهل من قاموا بها بسرعة ... ولكن من بعدها يأتى الأوغاد دوما ليحصدوا ثمار لم يلقوا يوما ببذورها.

ولأن أورويل أديب عبقرى، ولأن العباقرة بصفة عامة يتمتعون بنقاء الرؤية والنضج العالى والبصيرة الكاشفة للخطوط الفاصلة بين الزيف والحقيقة، فبالتالى .. ومدفوعا بموهبته الربانية ... جاءت رواية أورويل صالحة للتطبيق بعد سنوات طويلة ولعهود عديدة، حتى بعد ان تركت الشيوعية الحياة السياسية، بعد ان ادلت بدلوها واخذت فرصتها كاملة فى التأثير على الحضارة الإنسانية.

عمل مثل هذا كان من الطبيعى ان تتلقفه السينما، لأسباب سياسية وأدبية، وبطبيعة الأحوال جاءت السياسة سباقة كعادتها وتم طرح العمل فى صورته الكارتونية عام 1954، وقد جاء مليئا بالدعاية الأمريكية التى تحذر من مخاطر الشيوعية، وهو العمق الذى كان مطلوبا وقتها عند تناول هذا العمل ... ولكن فى عام 1999، ونتيجة لصلاحية العمل للتقديم على مدار الأزمان التى تتحكم فيها السياسة فى مصائر كوكبنا، تم إنتاج العمل مرة أخرى كفيلم سينما ... كما يجب ان تكون عليه السينما.

الفيلم بدأ بالكلبة "جيسى" (صوت جوليا ارماند) وهى تستعيد ذكرياتها هى ومن تبقى معها من الحيوانات الهاربة من المزرعة، وهى تقص علينا ما كان وما كان يجب ان يكون ثم ما صار بعد ذلك من جنون.

مزرعة "مانور" كانت ملوكة لرجل متعجرف قاس، يترك اولاده "الإثنين" يعذبان فى الحيوانات المسكينة على سبيل اللعب والتسلية، بينما زوجته عنه لاهية وتتحكم فى مدير المزرعة السكير كما يحلو لها. وهو بدوره لا يهتم بان يعطى للحيوانات حقها و يتركها جائعة، مهمومة بالبحث عن قوت يومها.

لكن تثور الحيوانات بعد ان فاض بهم، ويقررون ان يتولوا هم امور المزرعة وينالوا حقوقهم من خيراتها. وينشدون انشودة تتغنى كلماتها بنسائم الحرية وتتوعد بسقوط الطاغية، ومعه لجام ونير العبودية. ومن صرخاتهم العالية يستيقظ ديكتاتور المزرعة والزبانية، يهاجمون الحيوانات البرئية، ولكن من يستطيع ان يقف فى وجه الثورة ... فالحيوانات بتصميمها وبقدرتها على استغلال امكانياتها وقدراتها المختلفة، فى تخطيط واحد متجانس، يستطيعون طرد الطغاة، ممن يوصمون بالإنسانية، من المزرعة.

ودخل الثوار من بعدها إلى البيت الكبير الذى كان يسكن فيه السادة، ووجدوا فيه ما افسد النظام السابق والكثير من ملامحه البشعة، وبالتالى تعاهدوا على مطالب الثورة .. وهى، كما ابدعها اورويل، يراد منها ضمان زوال الديكتاتورية وأى من مظاهرها :

- كل من يمشى على اثنين فهو عدو

- من يمشى على اربعة او له اجنحة فهو صديق

- لن ترتدى الحيوانات اى ملابس

- لن ينام الحيوانات على أسرة

- لن يشرب الحيوانات الخمر

- لن يقتل حيوان حيوان آخر

- كل الحيوانات سواسية

مطالب صاغها الثوار واقسموا على الحفاظ عليها ... وكتبوها فى مكان بارز فى المزرعة، ورفعوا علمهم الجديد واطاحوا باللافتة القديمة، واطلق اسم "مزرعة الحيوانات" على موطن الحرية وأرض استرداد الحقوق الضائعة.

لكن جاءت الخنازير، احدى الفصائل المشاركة فى الثورة، وتولت هى القيادة عن طيب خاطر من باقى الفصائل المختلفة ... يقودهم خنزير كبير اسمه "نابليون" ويعاونه خنازير أخرى ويحرسهم كلاب متوحشة ... هم فى الواقع ابناء جيسى الطيبة الوفية الأصيلة، ولكن الخنازير اختطفوهم ودربوهم على السمع والطاعة وعلى قتل كل من يحاول الإعتراض او المقاومة.

تأثر الحيوانات، مدفوعين بالأمل فى تحقيق نهضة حقيقية، بالأوضاع الجديدة .. وقال اغلبهم نعم على اى قرارات تصدر، ظنا منهم ان القيادة الجديدة بالتأكيد لن تفعل مثل القديمة. وكان اول المؤيدين هم الخرفان، كما جاء فى الفيلم والرواية، حيث "مأمأوا" تهليلا بكل قرارت السيادية. ومن بعدهم جاءت الأفرخ والدواجن ... حتى جاء اليوم الذى اصدر فيها الخنازير فرمانهم بان تسلم كل فرخة بيضها للسلطة، فقررت اغلب الدجاجات ان تكسر البيض ولا تسلمه ابدا .. فكانت النتيجة ان حكم عليهم بالإعدام شنقا، وتم تنفيذ الحكم وسط تهليل الخراف وحسرة باقى الفصائل الحيوانية.

الحصان الأصيل بوكسر تفانى فى العمل فى المزرعة، كان قويا ويحظى بتقدير الجميع، وكان من ضمن من ايدوا قرارت الجماعة الحاكمة، رغم تحذيرات جيسى ورغم مشاهد القتل البشعة لأى معارضة بواسطة الكلاب من الزبانية. ولكن جاء الوقت الذى اصيب فيه بوكسر خلال عمله، واصبح لا حاجة له ... حينها طالبت الحيوانات بان يتم تكريمه ورعايته مكافأة على مجهوداته، ولكن الخنازير باعوه لأقرب سلخانة، واقنعوا الشعب بان ما راوه مكتوبا على عربة السلخانة ليس صحيحا، ولكنها عربة اسعاف كانت مملوكة من قبل للسلخانة ... وكالعادة مأمأت الخراف وزعقت الدواجن فى الآلة الإعلامية التى استخدمها الخنازير، بعد ان تحكموا فى ادواتها مثلما فعل بنى آدم ممن كانوا يمتلكون المزرعة.

عاشت الخنازير فى البيت الكبير وشربت الخمور ونامت على الأسرة وقتلت المعارضة ... لكن كيف استباحوا هذه الأمور بينما ميثاق الثورة قد حرمها ... الحل كان فى اعادة صياغة دستور الثورة، ليصبح كالتالى:

- لن ينام الحيوانات على أسرة ... مفروشا عليها ملاءات

- لن يشرب الحيوانات الخمر ... إلى حد زائد عن الحاجة

- لن يقتل حيوان حيوان آخر ... إلا بسبب

- كل الحيوانات سواسية ... ولكن يوجد بعض الحيوانات اكثر "سواسية" من الحيوانات الأخرى

- من يمشى على اربعة فهذا جيد ... ولكن من يمشى على اثنين فهذا افضل

والقى الخنازير الخطابات واحد تلو الآخر، بكلمات تتغنى بالثورة بينما تفوح من المزرعة معالم الفقر ومن البيت الكبير معالم الثروة، ويرتدى الخنازير النياشين والملابس ... بعد ان اتفقوا مع النظام القديم على التعاون، فالمزرعة بها خير كثير، ويستحق التضحية بالمبادىء والمعارضين.

ويأتى ماستر سين الفيلم والرواية، السهل الممتنع والغاية فى العبقرية، حين تتسلل الكلبة الوفية الجميلة جيسى، وتنظر من شباك القصر الخنازيرى ... وترى نابليون وحاشيته فى مآدبة فخمة تتراص عليها لحوم الحيوانات والكحوليات، ومعهم بنى آدم الفسدة، الذين يتبادلون معهم الضحكات وعبارات المحبة ..

تنظر جيسى جيدا وتفتح وتغلق اعينها ... تشك فى نظرها فقد اصبحت الملامح متشابهة، واصبح الخنازير يشبهون تماما اصحاب المزرعة، نفس الملامح الغليظة القاسية، التى لا تنتمى للحيوانات ولا حتى للإنسانية.

هنا كانت اللحظة الحاسمة، فى الفيلم، حين تعرف الحيوانات ان الخنازير ماهم الا وجه آخر للسلطة السابقة ... وحينها ينتفضون مرة آخرى مصممين على الثورة الكاملة ... مقتحمين عرين الخنازير ومحطمينه فوق رؤسها.

هكذا راى جورج أورويل السياسة وهكذا صاغتها السينما، بنفس الصورة الفريدة الخيالية ..

وهنا انتهى دور اورويل ومهمة السينما .. فياترى ... هل تفهمنا جيدا ادوارنا؟

فادى رمزى