ألذ وأخف دم ثورة فى الدنيا

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سياسة

 

فى ثورات الدنيا كلها من المعتاد، بل و من الضرورى، ان تكون كافة الأصوات الثورية مشبعة بملامح الغضب والعصبية، فالثورة تعنى وصول الأمور لحد من الفساد، فى كافة المجالات، لا يمكن السكوت عليها ... وبالتالى ثار الشعب، من كم الضغط الأمنى والإقتصادى والسياسى، على حكامه صارخاً فى وجوههم طالباً منهم ان يرحلوا ويحلوا عنه ..

لكن ثورتنا إحنا يختى عليها ... لازم تبقى مصرية ومميزة ...

هى ثورة جادة وبها اصوات عديدة حزينة وغاضبة ومنفعلة، ولكن تظل خفة الدم المصرية تقوم بدور لا يستهان به لجعل ميدان هذه الثورة واحة فنية ابداعية تعيد صياغة الكوميديا السياسية مرة أخرى ... ليتعلم منها كافة العاملين بهذا المجال، مسجلين لمحة إجتماعية شعبية من النادر تواجدها فى اى بلد أخرى ..

والثورة، بفضل تلك السمة، تكتسب يوماً بعد يوم متظاهرين، اوعلى الأقل متفاعلين، جدد ... وصلت لهم الرسالة الثورية بأكثر الطرق سلاسة وسهولة..

لو نظرتم لمعرض الصور فى المجلة ستجدون لافتات كثيرة لا يمكنك ان تتوقف عن الضحك، مش بس الإبتسام، عند قرأئتها ..

يعنى مثلاً:

"بتلعب بالوقت مع مين .. ده أحنا 8 مليون عاطلين" .. شعار فى منتهى القوة والعمق وخفة الدم، ففعلاً ما فيش "أفضى" من العاطل اللى قاعد على القهوة بقاله سنوات طويلة، بقى ده تلعب معاه لعبة الصبر والنفس الطويل حتى يزهق ويترك الميدان !!

و هذا الشعار العبقرى: "مستشفى التحرير: خلع ضرس 25 جنيه، خلع مبارك 25 يناير" ... يخرب بيت الإيجاز والإيفية الحارق الخارق.

ولا اللافتة المكتوب عليها: "ميدان التحرير مغلق للتعديلات الدستورية" ... أو التانية: "تفتكر عشان بدقن يبقى إخوان" وبها صورة الرجل العجوز بتاع كنتاكى (كولونيل ساندرز) ... ولا دى بقى : "شيلوا مبارك حتى لو حتجيبوا جوزية" ... أو "من أجل مشاركة كل ألدغ، إرحل=إييحل، إغحل" ..

الأمثلة كثيرة وستجدون الكثير منها فى معرض الصور فى مصرى، وخاصة فى قسم "خفة دم المصريين" ..

لكن الشىء الذى ابهرنى شخصياً هو كم الحوارات المتداولة والتى ظهرت وليدة اللحظة ...

فخلال الضرب المتتالى بالقنابل المسيلة للدموع يوم الجمعة 28 يناير، وهو يوم أجلت فيه مباراة الدورى العام بين الأهلى وإتحاد الشرطة، فوجئت بمتظاهر بجانبى يقول: "النهاردة الأهالى ضد الشرطة مش الأهلى ضد اتحاد الشرطة" ... انا بصيت له منبهرا وانا بقول فى سرى، ايه الدماغ العالية المتكلفة دى ... فى عز الأزمة الغدة الكوميدية لسه شغالة !!!

وإذ بمتظاهر آخر بعد دقائق أراه يتجول بين المصابين وهو يرش على اوجههم من بخاخة جلانس مليئة بالكوكاكولا، وذلك حتى يخفف من الإحتراق الذى تسببه القنابل فى الأعين ... ويقول: "شدوا حيلكم يا رجالة" .. لأ ماقالش كده ... "ده حيخفف آلحرقان" ... لأ برضة ... قال ايييه، قال:

"خدلك بخه ... المظاهرة دى برعاية كوكاكولا" ... طبعاً مابقتش عارف انت بتعيط من القنابل ولا من الضحك من قوة الإيفية ؟؟؟

وحتى الآن فى التحرير تجد الهتافات المثيرة للفشة الإنسانية، مما يجعلها تعوم فى الإطلنطى مش بس فى معدتك ..

مثل: "إرحل يعنى إمشى، أصله ما بيفهمشى" ...

وليضاً هذا الهتاف الذى يقطر انوثة مصرية، وسمعته من مجموعة سيدات وبنات يهتفن بالصوت الحيانى هتافاً لا يستطبع اى رجل ان يشاركهن فيه وهو : "يارييييسنا .. يا وااااكسنا" ... جامدة قوى واكسنا دى، اتحدى اى ثورجى فى اى دولة يكون قد توصل للمعنى الحقيقى للوكسة، بالصورة التى تتبادر الى خيالك عندما تسمعها من انثى ..

وحين تغادر الميدان تسمع حوارات مثل:

- حنروّح بقى يا أمى كفاية كده علشان رجليكى ما تتعبش

- بس الميدان كده حيفضى ياوااااد، وإحنا مش عايزينه يفضى فى عرضك

- مش حيفضى يامّه، شايفة الطابور ده كله، كل دول داخلين

طبعاً تخيلوا نبرة الصوت الغارق فى الأمومة والمشبع بالثورة، وصورة إمرأة ممتلئة تمشى بصعوبة مستندة على كتف ابنها ..

انا لم اتمالك نفسى والتفتت إليها اريد ان اقبلها من كم "الطعامة" والحنية اللى فى كلامها، وقلت لها: "ماتقلقيش مش حيفضى، الناس شايلة كتير وماصدقت تطلع اللى جواها" ... وإذ بها تقول: "يسمع من بقك ربنا يابنى، والنبى ده حتة ريحة الهوا فى الميدان أحلى من برة" ..

فيه بالذمة ثورجية الذ من كده !!

أو حوار تليفونى عصبى مثل: "انا قلت لك ترن لى بعد ماتعدى تانى دبابة مش بعد العربية المحروقة" ... ثم يضحك فجأة بعد ان يلاحظ غرابة الجملة.

وعند طابور الخروج تسمع بعض المتظاهرين يودعون المنصرفين منشدين : "حنيجى بكرة تااانى .. حنيجى بكرة تاانى" ... وإذ بشاب ينشد بنفس النغمة، مشيراً إلى بنات مصاحبين له : "اوصلهم وراجع تااانى ... اوصلهم وراجع تاااانى" ..

الخلاصة اننا شعب مالوش حل ... سرعة بديهة وخفة دم لاذعة يعكسان ذكاءاً فطرياً ووعياً شعبياً من النادر وجودهما فى شعب آخر أصيب بفيروسات تعليمية وثقافية مسرطنة مثلنا ..

أى قوة تلك نمتلكها؟؟ والتى مكنتنا من الإحتفاظ بجوهرنا النقى رائفا وصافياً رغم كم الأتربة التى القتها علينا النظم الحاكمة المختلفة ..

ما هى الطاقة التى نستمد منها كل هذه القوة ؟؟؟ ...

معقولة كلمة "مصر" لوحدها بتثير كل تلك الطاقة الإبداعية بمجرد ذكرها فى مناسبة قومية شعبية.

والنعمة ده احنا شعب زى البلسم ما نستاهلش البهدلة دى كلها ..

واى حاكم يتمنى بس رضانا نرضا ... بدل ما ناخده غسيل ومكواة بلساننا.

فادى رمزى