#فادى_رمزى يكتب: ارهاب الفراخ المشوية

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سياسة

 


الزمان: شتاء 1998
المكان: مدينة معسكر الجزائرية

فوجىء الجزائريون بحادث ارهابى مروع نتج عنه المئات من الضحايا الأبرياء ما بين قتيل ومصاب ... قنبلة انفجرت بعد صلاة الجمعة فى احدى الاسواق المزدحمة بمدينة معسكر الواقعة غرب الجزائر، وذلك فى جولة من جولات الصراع المرير بين الارهاب والسلطة الحاكمة وقتها.

بسرعة تحركت الجهات الامنية بحثا عن الفاعل .. وبالفعل نجحوا فى خلال اقل من اسبوع فى القبض عليه ... وهنا كانت المفاجأة، فقد كان الفاعل طفلا صغيرا من اطفال الشوارع فى المدينة.

بالطبع لم تستوعب الجهات الامنية ولا الراى العام فكرة ان يكون الفاعل طفلا، فهو ليس بحادث نشل او سرقة او تشويه سيارة بالة حادة تعبيرا عن الحقد والغضب والشعور بالظلم والدونية. لذلك استضافت القنوات التليفزيونية الطفل ليدلى باعترافاته على الهواء مباشرة ... وهنا جاءت المفاجأة الاكثر صدمة من المفاجاة الاولى.

حين سئل الطفل عن اسباب اقترافه لتلك الفعله الشنيعة قال: فرخة !!!!

طبعا الاجابة جاءت صادمة ... خاصة وان الطفل اجاب بكل تلقائية حين كرروا عليه السؤال ... وشيئا فشيئا بدات تفاصيل الحادث تتضح، ومنها اكتشف الجميع ان الدوافع والاسباب الحقيقية للحادث اكثر فداحة من خبر الحادث شخصيا.

حكى الطفل قصته ... هو من اطفال الشوارع الذين لم يجدوا غيره ملجأ وملاذا .. وفى احدى الأيام جاءت قرصة الجوع المؤلمة امام نافذة احد المطاعم التى تقدم الفراخ المشوية، وبالتالى تضع فى واجهة المحل شواية رأسية بها اسياخ عديدة كل منها يحمل فرخة سمينة تلمع من فرط دسامتها.

الطفل تسمر امام هذا المشهد لدقائق مرت عليه كالساعات ... ينظر الفراخ وهى تتلوى بحركة دائرية مظهرة مفاتنها الغذائية المثيرة للعاب والمحفزة للجوع وما ياتى به من الم وعذاب، واذ فجاة ياتى رجل تبدو عليه مظاهر الورع والتقوى ويربت على كتف الطفل بحنان ومودة قائلا: نفسك فى فرخة؟

بالطبع تهتز مشاعر الطفل امام هذا السؤال المحسومة اجابته، ويتحول بجسده الضئيل لايماءة موافقة كبيرة مشفوعة برغبة عارمة فى ان ينال تلك النعمة غير المسبوقة. يمسك الرجل الطفل بيده ويدخل المطعم ويشترى له فرخة .. وبينما هما فى انتظار تجهيزها قال له الرجل:

"لك منى فرخة مثلها كل يوم ولمدة اسبوع .. بس بشرط" ... التهم الطفل يد الرجل مقبلا وشاكرا وممتنا وموافقا على الشرط قبل ان يسمعه اصلا.

لم يذكر الرجل الشرط واكتفى باعطاء الطفل الفرخة ومراقبته وهو ينهشها لحما وجلدا وربما عظما ايضاً ... ومشى الرجل بعد ان اتفق مع الطفل على اللقاء فى اليوم التالى ... وهو ما حدث فعلا، وتكرر الامر لمدة اسبوع .. نظرة فموعد فلقاء ففرخة فنهش فشبع من بعد جوع مذل قاهر.

واتى اليوم السابع ليتلقف الطفل مع الفرخة شنطة صغيرة ... طلب منه الرجل ان يضعها فى موضع معين فى السوق الكبير بعد ان ينهى على فرخته. وافق الطفل بالطبع وذهب ووضع الشنطة فى الموضع بمنتهى الدقة، فهو مازال يحمل فى معدته الجميل لهذا الرجل المشبع الجميل فى نظره.

ما ان ابتعد الطفل عن المكان بخطوات قليلة حتى حدث الانفجار المروع ... وتطايرت الابدان وتناثرت الدماء ومنها دماء الطفل، ولكن الاقدار شاءت ان تاتى اصابته فقط فى ذراعه، فقد حمته الابدان الاكبر منه بكثير متلقفة عنه موجات التدمير.

بكى الطفل وهو يحكى قصته .. مقسما باغلظ ما يعرفه من ايمان انه لم يكن يعرف ابدا ما فى الشنطة .. ولم يفكر ابدا فى ان يسال الرجل الذى اشبع المعدة ... فكيف يجروء على سؤال ولى النعم، هذا التقى الورع بالذمة ؟؟؟

بالطبع توجهت التحريات بعدها للقبض على الرجل، فهو المجرم الحقيقى هنا، واودع الطفل فى احدى المؤسسات الاصلاحية ... لينعم بالغذاء الاقل شهية بكل تاكيد من تلك الفرخات السبعة التى لن ينس مذاقها طوال عمره ابدا.

مع الجهود الامنية للقبض على الجانى، والتى بائت بالفشل لعدم وجود اى بيانات عنه سوى انه كان يشترى الفراخ المشوية بانتظام، انطلقت جهود اخرى بعيدة عن الطابع الامنى، تهدف الى القضاء على ظاهرة اطفال الشوارع من مهدها ... فقد اكتشف الحكماء فى دوائر صنع القرار فى الجزائر ان تلك هى القنابل الموقوتة التى يمكن ان تنفجر فى اى وقت او ساعة ولن يمكن ابدا ايقافها .... فسهولة تفجيرها فى نفس سهولة تسوية الفراخ على الشواية.

منذ ذلك التاريخ بدات الجهود "الفعالة والحقيقية" لمكافحة الارهاب فى الجزائر الشقيقة ... وذلك بوأده وهو مازال جنينا، قطع اصوله بدلا من محاربه فروعه ... وكانت الحلول التنموية للقضاء على ظاهرة اطفال الشوارع احد الاذرع الرئيسية التى طهرت الجزائر من الارهاب الذى عانت منه لسنوات طويلة ... بسبب انتشار الجوع والفقر و معهم الجهل.

ترى عزيزى القارىء من المتسبب الحقيقى فى رايك فى حادث قنبلة سوق المعسكر:

الارهابى ام الطفل ام الجوع أم انها الفراخ المشوية ؟؟

فادى رمزى