#غادة_بدر تكتب: شريف اسماعيل وبائعة الفراخ

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم سياسة

 

 اول مرة رأيتها فيها كانت وهي تحاول أن تقف على أطراف اصابعها حتى تتمكن من قرع جرس الباب ... طفلة جميلة خمرية اللون تمسك بيدها كيس وبأسنانها كيسآ آخر، في محاولة يأسة منها لأن تضغط جرس باب منزلنا بيديها الأخرى.

وصلت انا في اللحظة المناسبة، قبل أن يقع الكيس من بين أسنان منى ويقع الدجاج على الأرض، ارسلتني العناية الإلهية والتقطت انا الكيس. .. انها منى إبنة صاحب محل الدجاج الذي يقع بالشارع الخلفي لمنزلنا . تصغرني بعدة أعوام قليلة..

لم تكن منى بطفلة عادية، فبداخل عين منى يقبع الذكاء والنشاط والهمة الي جانب الإصرار على النجاح ... لم تكتف منى بكونها إبنة صاحب محل فراخ، وأنها مضطرة، نظرا لعدم قدرته المالية على تعيين صبي يساعده، في ان تعمل معه لمساعدته في توزيع الطلبات على الزبائن. ولكنها أيضآ أصرت على استكمال دراستها وتعليمها، فكانت عدد ساعات استذكار منى بالتقريب عشرة في المئة من عدد استذكار اي طالب في الثانوية العامة.

على الرغم من ذلك فاجئت منى الجميع بحصولها على مجموع يؤهلها لدخول كلية اقتصاد وعلوم سياسية ... أعلى كليات القمة للقسم الأدبي ... (مش بقولكم ذكاء وإصرار).

ولكن حلم منى وفرحتها لم يكتملا ... فقد نظر لها ابوها نظرة يملؤها العتاب، وكأن الحلم أيضآ ليس من حقها ... فماذا سيفعلون بالعلام فكفاهم ما حصلت عليه ... وعليها الاكتفاء من التعليم بهذا القدر.

تقف منى في حيرة ... اتترك الحلم الذي أقترب من الحقيقة ... فقد كان حلمها أن تخرج من عشة الفراخ وان يكون لها رائحة عطرة وليست رائحة الدجاج الكريهة، ولكن نظرة واحدة في عين أبيها تجعلها تتنازل عن جزء من حلمها، وهكذا قررت منى الا تلتحق بكلية القمة الاقتصاد والعلوم السياسية.

وفي حقيقة الأمر لم تكن نظرة أبيها فقط هي السبب، ولكنها في لحظة صدق مع نفسها تقف امام مرآتها وبصوت عالي تردد لنفسها ... سياسية ايه واقتصاد ايه يا بت يامنى، هو انتي فاكرة نفسك هتكوني سفيرة ولا ايه ده !!! .. انتي سواء طلعتي ولا نزلتي هتفضلي منى بنت بياع الفراخ.

ولكن كل ذلك لا يمنع منى في ان تحقق جزء من حلمها بأنتسابها لكلية الحقوق ... فلن يتغير شيء في حياتها، فستظل تستذكر دروسها أثناء جلوسها وهي تبيع للزبائن في محل الدجاج .. وستكون اول بياعة فراخ متعلمة وحاصلة على ليسانس الحقوق.

الأيام تمر والشهور أيضآ، وتليها السنين ... وفجاءة يخرج الحلم الي حيز النور ... فمنى تتخرج محاميه قد الدنيا، وكان عليها أن تقف وقفة صدق جديدة مع نفسها ... فهل هي محامية بالفعل وتريد أن تمارس مهنة المحاماة ام بائعة فراخ حياتها كل فراح وحمام وبط.

ولكن لأن منى اصبحت كل حياتها بالفعل فراخ في فراخ، فقد اعتادت رائحتها بل واحبتها أيضآ ... فأختارت ما تمناه لها ابوها، وهي أن تمسك إدارة المحل من بعده. وعند ذلك فكرت منى أكثر بعمق ... فأذا كان قرار ابوها بأن تتسلم إدارة المحل فعليها ان تكون مديرة عن حق ... فأية المانع أن تنتسب مرة أخرى لكلية التجارة قسم ادارة اعمال.

وبالفعل تخرجت من كلية التجارة بتقدير جيدا جدا ... وفي خلال رحلة العلم والعمل تزوجت منى وأنجبت البنين والبنات، وهكذا اشتهرت منى في حي العجوزة بأطعم دجاج واشهى حمام وألذ بط.

بالفعل أحبت منى عملها فأتقنته فأحبها عملها واحبها أيضآ كل من تعامل معها من أهل حي العجوزة ... لم تكن منى يوما من الشخصيات الطامعة في المال، فقد كانت تفضل المكسب القليل والمحبة الكثيرة بين اهل الحي عن المكسب الكبير والمحبة القليلة والأتهام بالجشع ... ولذا فقد كانت أسعارها لا غبار عليها ... فطيلة حياتي لم اسمع يوما امي تجادل او تفاصل منى في أسعارها.

وهكذا أعتدت لزمن طويل على طعم دجاج منى وأبو منى وأم منى. فدجاجهم له طعم مختلف تماما عن طعم الدجاج المثلج الذي اشتريه هنا بالكويت من الجمعيات، دجاج ساديا أو الأهلية أو غيرها من شركات الدواجن.

اقترب موعد سفري ... فالأسبوع القادم سأسافر في زيارة سريعة للقاهرة للإطمئنان على صحة الوالدة والتمتع بحضنها الدافي ... ولأن زيارتي ستكون قصيرة ... لن تتعد الثلاثة ايام يتخللها الخميس والجمعة، فليس علي سوى تذكير الوالدة في مكالمتنا اليومية على أن توصي منى بتحضير المعلوم والمخزون... وطبعا المعلوم والمخزون كلكم عارفينة أجواز الحمام البلدي والدجاجات ذات اللحم الأبيض.

في طريق عودتي من العمل أجريت المكالمة الهاتفية اليومية المعتادة بأمي، ولأني كما تعلمون مسطولة بعد أن أغلقت الهاتف تذكرت المعلوم والمخزون... فأعدت الإتصال بها.

انا: الو ماما
ماما: في ايه يا غادة ما انت لسة مكلماني هي سيرة
انا: اه بس نسيت اقولك حاجة مهمة... ماتنسيش تكلمي منى تقوللها تحضر الفراخ والحمام بتوعي وأهم حاجة الفراخ البانية
ماما تتهتهة : لا ما هو خلاص مش هينفع
انا: يعني ايه مش ينفع... ايه اللي حصل... هي منى ربنا افتكرها...

ماما: ايه الكلام الزفت ده ...فال الله ولا فالك... الملافظ سعد يا بنت. بعد الشر عنها
انا: طيب يا ماما في ايه طمنيني... انا خلاص مفاصلي سابت... كله الا منى
ماما: منى قررت تعتزل.. مش هتبيع خلاص
انا: نعممممممممم ده منى ممكن تموت ولا تعتزل... دي منى من غير ريحة الفراخ يجيلها كرشة نفس وضيق تنفس

ماما: اصل العلف بقى غالي جدا يا غادة لأنهم بيستوردوا بالدولار..
انا: وانتي عرفتي منين موضوع العلف... ايه ده يا زوزو ده انت بقيت مثقف خالص

ماما كملت كلامها وهي بتجز على سنانها، شكلها كدة قربت تتطرشق مني ..

قالتلي: منى جت زارتني من كام يوم وعيطت ... وقالتلي يا طنط انا مش قادرة اغلي الأسعار على اهل الحي بتاعي ... طنط... انا واحدة منكم فحاسة بيهم قوي.. خايفة الناس يقولوا عليه اني مستغلة واستغليت أن الدولار بقى ب ١٨ جنية وبحاول اكسب.

هيقولوا ده منتج مصري ليه سعره يغلى، محدش فاهم أننا بنشتري العلف مستورد ... خايفة هما اللي يقاطعوني زي ما قاطعوا بياعين حلاوة المولد. انا احسن ليا اني انا اللي اقاطعهم وأقفل المحل عن انهم هما اللي يقاطعوني.

طنط انا بجد مش عايزة استغل حد .. بس مش هاقدر كمان اخسر وأبيع بالسعر القديم.

اغلقت الهاتف ولم اجد ما اقوله لأمي ولذا فضلت أن أوجهة رسالة لحد تاني غير زوزو

رسالة الي رئيس الوزراء.
رئيس وزارتنا المبجل ابو مخ تخين تحية طيبة وبعد ..
بعد السلام والذي منه ... معاك المهندسة غادة محدثتكم من الكويت – أحب أن أبلغكم أنكم أصدرت من يجي كام يوم قرار خرنج ... ولأنه خرنج رجعتوا فيه بعد يومين على طول .. عمومآ مش دي مشكلتنا ..

ولكني شعرت وأستحسست أن قراركم هذا كان القصد منه الشفقة والرحمة بالمواطن الغلبان ... قرار ظاهره شفقة وباطنه الله واعلم.

نرجع لأصل الحكاية .. فقد بدأت منذ ان تفتق ذهنكم الحكيم، بعد أستشارة مستشارينك من اصدقاء السوء، الذين أفتوك ان الاعفاء الجمركي على الدجاج المستورد سيصب في مصلحة المواطن، فهكذا ستوفر لهم الدجاج المستورد بسعر مناسب وفي متناول يديهم.

طيب والدجاج المحلي اخباره ايه معاك ؟؟ نطخه بالنار !!!

لكن على الرغم من كوني مواطنة مغتربة خارج البلاد منذ أكثر من 22 عامآ، إلا أننى ارى أنه كان الأولى بكم أصدار قرار بالأعفاء الجمركي لمكونات الأعلاف المستوردة، أو توفير مكونات للعلف المصري عن طريق زراعة الذرة الصفراء والفول الصويا وغيرها ... مش عايزة ذكاوة دي - وهنا نقدر نقول انه قرار به شفقة ورحمة بالمواطن المصري ومنى وانا كمان أقدر اكل واتهنى.

هكسب فيك ثواب يا سيادة الرئيس وهاقولك شوية معلومات عن علف الدجاج... بالتأكيد اصحاب السوء بيخبوها عنك.

مبرووووووك اصبحنا رابع اكبر دولة مستوردة للذرة الصفراء في العالم
· نستورد 90% من مكونات صناعة الدواجن
· الأعلاف تمثل نحو‏70%‏ من منظومة صناعة الدواجن
· استيراد الذرة الصفراء تجاوز خمسة ملايين طن سنويا

مهندس شريف اسماعيل .... احب ازيدك من الشعر بيتاً ..

لقد شهدت أسعار أعلاف الدواجن، التى تمثل 70٪ من تكلفة تربية الفرخة، ارتفاعا رهيبا في الفترة الأخيرة، بسبب الأوضاع السياسية واعتماد الصناعة على مدخلات أولية غير متوافرة في السوق المحلية، وفى ظل الارتفاع العالمي في أسعارها وانخفاض أسعار العملة الوطنية مقارنة بالدولار. حيث تقوم مصر بتصنيع الأعلاف محليا بعد استيراد مكوناتها من الخارج، مثل الذرة وفول الصويا والجيولوتين، فقد أقترب سعر الطن إلى 5000 جنيه خلال الشهر الحالي. وهو ما انعكس سلبا على ارتفاع تكلفة إنتاج الدواجن، وبالتالى زادت أسعار الدواجن بنسبة أكثر من 50% خلال الأشهر الأخيرة.

وزيرنا ورئيس وزارتنا المحترم ..
كنت اتمنى ان ارى منكم قراراً سريعاً بالتوسع في زراعة الذرة الصفراء وفول الصويا وإنتاج بدائل للعلف النمطي من المخلفات الزراعية.. وبالتأكيد البدائل كثيرة وحتما ستجد مستثمرون مستعدون للدخول في هذا المجال. بدل من اصداركم قرار الاعفاء الجمركي للدجاج المستورد المغلف ذو رائحة الدجاج العفنة.

وأخيرآ وزيرنا المحترم ..
هاعمل من بنها ولن اسىء الظن بك ككثيرين غيري، ظنوا ان قرار الاعفاء الجمركي للدجاج المستورد قد اقر لا سمح الله وفعل لمدة معينة لتمرير شحنة لرجل اعمال ذو صلة قرابة وطيدة بسيادتكم ... وسأفترض حسن النوايا والغباء المنقطع النظير لمستشاريك ... والذي لن نقبله مرة اخرى والا في هذه الحالة سنتهم نحن بالغباء وحينها نستحق الإعدام انا وانت واصدقائي واصدقائك وأهالي العجوزة الكرام في ميدان عام.

أخيرآ أتقوا الله في شعب مصر الكرام.

غادة بدر