#غادة_بدر تكتب: دربكتم الدنيا على دماغي

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم سياسة

 

صحوت من نومي بعد ليلة كلها ارق في ارق ... طبعا ازاي هيجيلي نوم بعد ما الكام (ملطووش) اللي كنت محوشاهم من شقا سنين الغربة خسوا النص (ويمكن أكثر ) .... أموالي اللي كنت ناوية اتعكز عليها بعد ما الكويت تديني بالشلوت، او بعد خمس سنين على أكثر تقدير طبقآ لرؤيتي البترولية .. لما نصحى يوم نلاقي البترول ما بقالوش عازة عند الدول الكبرى ... بالتأكيد ساعاتها ماكنش هيكون عندي حل تاني غير اني أرجعلك يا خضرة، هو انا ليه حتة تانية ... فلا عمري فكرت في جنسية تانية ولا حتى إقامة دائمة في بلد تانية.

وهكذا عشت حياة الغربة بمرها وحلوها وكل املي بعد انتهائنا من تعليم ابننا ان نعود الي ارض الوطن. ارتمي في حضن أمي الكبيرة مصر وامي الصغيرة زهرة .. كان املي ان يسند قوتنا القرشين المتحوشين في البنك، يطلعولنا كام الف يدوبك ناكل ونشرب بيهم ... ما هو مش معقول بعد العمر ده كله ارجع وانا داخلة على سن الستين ابدأ ادور على شغل ولا أخاطر بجنيهاتي المعدودة واعمل بيهم مشروع اخسر فيه السقط واللقط ... ولذا فقد كانت كل أمالي منحصرة في الفوائد البنكية لهذه الجنيهات المستودعة بالبنك ... في أن اصرف منهم الي ان ياذن الله ويسترد وديعته.

ولكن تبقى حقيقة مؤكدة لا مفر منها .... انت تريد وانا اريد والله يفعل ما يريد ...

وهكذا بين ليلة وضحاها صحوت من نومي فوجدت أن الجنية ركب العوامة وفلوسي خست النص ... أي أن قيمتهم المصرفية أصبحت النص ... وقطعآ الدنيا بعدها ولعت والأسعار كلها زادت – ناهيك عن المستورد اللي أحنا متعودين عليه في الكويت – ده مش هنقدر حتى نبصله في كارفور.

الصدمة جعلتني في حالة ارق طول اليوم ... فتركت العمل ومشيت في الطرقات كالثور الهائج ثم أستقر بي المقام في منزلنا – جلست القرفصاء على سريري وفي يدي موبايلي مبحلقة فيه – أستقصي منه أخر الأخبار وأراقب التطور والتدهور السريع في سعر صرف الجنية بعد تعويمه ... ففي مطلع اليوم كان الدولار ب 13 جنية ولكن بأنتهاء يومي وصل سعر الدولار الواحد الي 16 ونصف چنیة ... مقلوكمش قلت اتخمد احسن وطبعا فارق النوم عيناي وخاصمت الراحة جفوني.

وصحوت في اليوم التالي اجرجر اذيال الخيبة ... مقررة البدء من جديد .... وماله... سأبدأ حياتي من الخمسين من حيث ينتهي الآخرون في أوربا والدول المتحضرة ... وبدأت اخطط مخطط جديد لحياة تمتد الي الثمانين من العمر ...حياة لأمرأة سوبرمانية تعمل عمل متواصل يمكنها من خلاله تعويض خسائرها بسبب تعويم عملة بلدها.

وهكذا وانا في عز قهري اضرب اخماس في اسداس ... فجاءه أسم صوت قرع باب مكتبي ... انظر في اتجاه الباب وعيناي مشتتة، فقد كان أخر همي ان ارى اليوم اي مخلوق في هذه اللحظات المريعة... فيفاجاءني وجه عم ابراهيم المحفور عليه كل علامات الشقاء ... احاول استقباله بإبتسامة واسعة ... فما ذنب هذا الرجل الطيب في المصيبة التي حلت علي وأصابتني فى مقتل.

جائني عم إبراهيم وكل عين من اعينه بها حيرة وغلب الزمان ... قصدني وهو يعتقد أنه سيجد عندي الإجابة الشافيه لكل تساؤلاته ... جاءني وهو لا يعلم أنه لن يجد عندي اكثر من حيرته ... وانه هيطلع من عندي قفاه يقمر عيش.

اعتقد كدة يا جماعة والله اعلم ان عم ابراهيم قد ظن بي السوء وأنني ابخل عنه بتوقعاتي .. فكيف لا يكون لدي اجابات وانا المهندسة ذات الخبرة الزاخرة.. الكاتبة الواعدة التي تخط بيدها موضوعات ذات بعد سياسي كما يسمع من زملائه العمال في الموقع .... فأنا لدي جمهور لا بأس به من عمال الموقع يقراء ويتابع كل ما تكتبه باشمهندسته.

كانت الاستشارة التي استشارني فيها عم ابراهيم بالفعل صعب علي جدا أن افتي فيها ... فقد تعودت ألا افتي بما لا أعلم ... فعم أبراهيم لديه تحويشه عمر شقاء سنين الغربة والبعد عن حضن الزوجة ودفء المنزل والحرمان من رؤية الابناء وهم يكبرون، جائني بثمن كل هذا الشقاء ليستشيرني ماذا يفعل بها ... فقد كانت ثروته حفنة من الدولارات بمبلغ تقريبا يصل إلى ال 35 الف دولار. حصيلة 25 عام غربة عن الوطن.

جاءني عم ابراهيم يستشيرني، هل يبيعهم الان وبستبدلهم بجنيهات مصرية ويشتري بهذه الجنيهات، التي حتمآ ستتعدى النصف مليون جنية شهادات استثمار ... تدر عليه فوائد يسيل لها اللعاب كما يشاهد في إعلانات التلفاز ... وكما ينصحه أصدقاءه السيساوية ... ام ينتظر بعض الوقت حيث أن وضع البلد من أسوأ لأسوأ ودولارته اذا انتظر عليها بضعة أشهر ستتضاعف قيمتها مقابل نظيرها من الجنيهات المصرية فهكذا نصحه صديقه الاخواني.

عم ابراهيم رجل غلبان مثله مثل أغلبية الشعب المصري، لا له في الطور ولا الطحين، فتجده تارة يسمع من صديقه السيساوي وتارة أخرى يصدق صديقه الاخواني ... فعم ابراهيم رجل مصري صميم كلمة توديه وكلمة تجيبه.

لم يكتف عم إبراهيم بهذا السؤال الذي طرحه علي، ولكنه اعقبه بسؤال اخر ... وكأن سؤاله الاول لم يكن كافيأ لأقع في حيص وبيص.

عم ابراهيم اعقب سؤاله قائلا: طيب يا باشمهندسة لو اشتريت الشهادات اشتري انهي فيهم.... اصل ابن اختي مخيمر سأل في البنك قالوا ان شهادات الاستثمار نازل منها نوعين نوع بفوائد قيمتها ١٦ في المية لمدة 3 سنوات ونوع تاني بفايدة قيمتها 20 في المية ولكن لمدة سنة ونصف ... ثم لوى شفتيه قائلآ: تفتكري باشمهندسة فايدة البنك هتقل بعد سنة ونصف ولا هاتزيد ؟!!

نظرت لعم إبراهيم ببلاهة اقتصادية بحته وكان نفسي اقوله هو انا ناقصاك انت كمان، ولكنني تمالكت نفسي واجبته بهدوء: عم ابراهيم انا فعلا مهندسة ومهتمة بأمور الوطن وبحاول افهم اللي بيحصل حواليا، بس للأسف انا كمان مش فاهمه حاجة واحداث وتغيرات الوطن اكبر بكتير من توقعاتي وأسرع مما أتصور ... وكل اللي اعرفه انهم بيحاولوا يلموا كل الدولارات اللي في البلد ... بما فيهم دولاراتك.

بس اوعدك لأني عارفه ان فلوسك دي غاليه عليك قوي وان ده شقى سنين العمر ... هسأل أصدقائي واكيد هيطلع فيهم واحد بيفهم اقتصاد منزلي وهيدلك تعمل ايه.

أصدقائي الأعزاء ...
ارجوكم لا تبخلوا على عم ابراهيم بالنصح فعم ابراهيم مننا وعلينا .... كلمة توديه وكلمة تجيبه.

وأخيرآ هناك حقيقة لا يمكن إنكارها ... أن عم أبراهيم اللي جاي ياخد رأيي ويستشيرني طلع أنصح مني بكتير فقد أدخر عم ابراهيم تحويشة عمره بالدولارات، وأنا المهندسة بتاعة المدارس سمعت كلام أمي... وأدخرت تحويشة عمري بالجنيهات المصرية ... فلقد كان بداخلي ثقة بوطني لا مثيل لها والمصيبة انه لا زالت أمالي تداعبني.

غادة بدر