#تامر_المغازى يكتب: سبتمبر والرؤساء!

كتب بواسطة: تامر المغازى في . القسم سياسة

 
عاصر أغلب من يقرأون هذه العبارات الآن الأيام الأخيرة لرئيس مصري خرج آلاف المصريون في الشوارع ضد سياساته وضد حزبه ورجال نظامه والكثير من ممارسات عصره، ورغم هذا لا يدرك الكثير من المصريين أن إرهاصات إزاحة مبارك سبقت أحداث تونس وفوران ما يعرف بالربيع العربي، وشخصياً أرى أن الخطوات الأولى للثورة ضد مبارك بدأت في سبتمبر.

ما سر هذا الشهر! هو الشهر الذي أراح جسد جمال عبد الناصر في قبره، وشهد غضبة السادات ضد رموز النخبة الإسلامية واليسارية واليمينية على حد سواء، وبالطبع هو الشهر الذي بدأ فيه مبارك بتقليم أظافر أجنحة الغضب ضده، بين إنتخابات غريبة وغلق للصحف والبرامج التلفزيونية، ولكن الأحداث التي أودت بحياة ناصر والسادات، وكان سبتمبر مسرحها الزمني لهي أقوى وأكثر إثارة وثراء مما عاصرناه في العام 2010 بلا شك ولا تفكير.

يعرف المسلمون والعرب جيداً تاريخ حروبهم، يعرفون أكثر عن تاريخ هزائمهم المعاصرة التي غلبت إنتصاراتهم الشحيحة، ورغم هذا فأن حروب كحرب اليمن والاستنزاف وحرب أيلول الأسود لا تزال تحمل بين جنبات معاركها الأسرار أكثر ما تظهر حقائقها وتنتشر وقائعها، وكانت نتائج كل حرب من الحروب الثلاثة سابقة الذكر مؤثرة حقا في تاريخ العرب المعاصر، فكما أخرج إجتياح الصهاينة لبيروت منظمة التحرير من لبنان فقد أخرجت حرب أيلول الأسود المنظمة من مقرها ومستقرها الأول: الأردن.

يعرف الكبير منا قبل الصغير أن مصر عبد الناصر كانت على غير وفاق مع جيران مصر الشرقيين، سواء مملكة آل سعود بأرض نجد والحجاز، أو ملك حسين بما كان يعرف بمملكة شرق الأردن، المملكة التي كانت جزءً من فلسطين التاريخية تحت الانتداب البريطاني، وهي الجزء الذي لم يشمله وعد بلفور في العام 1917، ولم يكن الملك حسين على وفاق مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية ذاك العام، مبكراً عن الوقت الذي اندلعت فيه الحرب الداخلية السوداء، العام التالي لهزيمة 1967.

دوما كان الملك حسين مواءمة أموره الداخلية والخارجية، ورث ذلك عن أباه وورثه نجله الملك عبد الله، ربما هي موروثات جينية وربما الأمر في طبيعة الأردن الصخرية القاحلة الموارد، تحتم علي أهلها أن يصادقوا الجميع كل لا تطحن أحداث المنطقة ملك الهاشميين في هذا المثلث المنزوي في وسط الجسد العربي، هذا المثلث الواقع الآن بين براكين سياسية وفورانات حربية ولا يزال مثلثاً متماسكاً لا يعير الهلوسة الحادثة بالمنطقة أي أهمية، المهم أن يعيش مُلكُ الأردن ويبقى.

هكذا حسم الملك حسين أموره يومها، بعد أن ضربت المعارك الحربية العنيفة أرض بلاده، عدة اشتباكات مسلحة تقع بين الفصائل الفلسطينية المرابطة في مخيمات اللاجئين بالأردن من جهة وقوات الأمن الأردنية من جهة أخرى، اشتباكات وصل عددها لقرابة الخمسمائة اشتباك عنيف وقعت بين العامين 1968 و1970، اشتباكات حدت بحسين إلى زيارة مصر للاجتماع بالرئيس المصري جمال عبد الناصر في فبراير من العام 1970 والسعي لاصدار قرار من مجلس الوزراء الأردني ينظم الأمور في شوارع المملكة ويقنن حمل السلاح والتجول به، وبدا القرار كما لو كان سيمكن قوات الأمن الأردنية من التحكم بصورة أكبر في الشارع الأردني المكتظ بالفلسطينيين الغاضبين حاملي السلاح، وما إن خرج القرار للنور في فبراير من العام 1970 إلا واندلعت اشتباكات أعنف بين الجيش الأردني وبين الفصائل الفلسطينية، ووقع 300 قتيل إثرها، وهادن حسين الموجة كعادته مطلقاً صيحته الشهيرة: كلنا فدائيون، حاول بها احتواء لهيب الدم المتصاعد والمهدد لعرشه، وذهبت صيحته أدراج الرياح...

نجا حسين من محاولة اغتيال في يونيو من العام ذاته في عمان بعيد أن فاجأ عبد الناصر المصريين والعرب بقبول مبادرة روجرز لوقف اطلاق النار اطلاق هدنة بين الثوات المصرية والقوات الصهيونية، وهي المبادرة التي وافقت مصر بموجبها على الوضع الجديد على الأرض في فلسطين وسيناء، وقبل عبد الناصر الرجوع لحدود 4 يونيو 1967 لا حدود القاء اسرائيل في البحر، وكذلك أوقف حرب الاستنزاف التي أنهكت العدو ربما لأن مصر كانت قد أتمت بناء حائط الصواريخ واعادت بناء ما تم تدميره من جيشها وعتادها.

تحمل الشعوب العربية بذور الخلاف فيما بينها وهم في أحلك لحظات التاريخ دوما، يخدمون عدوهم بأكثر مما يتوقع هو، ففي الحاضر يقف الداخل الفلسطيني منقسما بين غزة التي تسيطر عليها حركة حماس الاسلامية وبين ما تبقى من الضفة الغربية وتعتلي عرشه منظمة التحرير الفلسطينية ، وحاضرهم توأم ماضيهم، ففي قلب الشتات الأردني كانت الفصائل تتنازع مع الدولة التي تحتويهم، فكانت المنظمات الفلسطينية تفعل ما تلوم عليه حماس اليوم، فأبو مازن ورفاقه يريدون السلام وطريقه المتعرج المظلم ويرفضون المقاومة التي تبديها أحيانا حماس بلا أي طائل أو عائد سوى مزيد من القصف الصهيوني لقطاع غزة، وهو بالضبط ما حدث بين العامين 1968 و1970، تقوم منظمة التحرير الفلسطينية باطلاق نيران متقطعة من أسلحة بدائية بحوزتهم وهو يرابطون في جيوب مقاومة متناثرة على طول الحدود مع فلسطين، وكان العدو الصهيوني يرد بأسلحة أكثر تطوراً على أراضي الأردن.

وبسط ياسر عرفات سلطته وأزعج الجيش الأردني الهش وأقامت قواته نقاط تفتيش وأكمنة بل وفرض الضرائب وإستحال الوضع إلى دولة فلسطينية داخل الدولة الأردنية ما أزعج الملك حسين وحدا به إلى اصدار سبعة بنود ضمن اتفاقية بينه وبين الفصائل الفلسطينية كان من أهمها أن يمنع التجول بالسلاح في الشوارع وأن تكون قوات الأمن الأردنية هي المختصة بالأمور الأمنية داخل المخيمات الفلسطينية.

وما لبثت الإتفاقية أن نقضت، وتصاعد الغضب الفلسطيني في الداخل والخارج في أيلول 1970، وانطلقت عمليات خطف للطائرات من مطارات عالمية واقتيادها الى مطارات عربية منها مطار القاهرة، ومطار آخر بالأردن، وطالب الخاطفون الفلسطينيون باطلاق سراح رفاق لهم بسجون أوروبية، وقاموا بتفجير الطائرات ولكن بعد اجلاء ركابها عنها، وفي منتصف سبتمبر طالبت منظمة التحرير الفلسطينية باقامة سلطة فلسطينية على أرض الأردن!

ضاق حسين بالقلاقل ذرعا وفكر في توجيه ضربات عسكرية محدودة للفصائل الفلسطينية بينما كانت قيادات جيشه تفكر في ضربات أكثر قوة وأقوى تأثيراً، وحدث هذا في الوقت الذي كان عرفات من جهة يتلقى تطمينات عربية واحدة تلو الأخرى بأنه لن تهاجمه قوات عمّان، ومحمود عباس يطالب من جهته بحل الحكومة العسكرية التي شكلها حسين وأن يكون للفلسطينين دورا في الحكومة الجديدة وأن يكون تسليح القوات الأردنية في عمّان مقتصراً على العصي فقط.

وفاجأت القوات الأردنية الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي بالهجوم على الفصائل بالخطة "جوهر" مستخدمة مجنزرات وآليات عسكرية في حربٍ حقيقية، لم تفلح تطمينات عربية ولا زيارة النميري رئيس السودان في وقف القتال الدموي الأسود، لم تهدأ الأمور بل زادت الامور تعقيداً، وتدخلت القوات السورية كي تناصر الفصائل الفلسطينية، كان السوريون يظنون أن الأمور ستكون يسيرة ولكن القوات الأردنية أبلت بلاءً حسنا دفاعاً عن أراضيها من خلال العملية التي سمين بقوات الحجاب، حدث هذا في الوقت الذي كان الشقاق وخطأ المعلومات يضرب الجانب السوري، حيث منع حافظ الأسد القوات الجوية من مساندة التقدم البري السوري ووجدت سوريا نفسها في مأزق أنقذته منها السعودية التي طلبت من الأردن السماح للقوات السورية بالانسحاب مخلفة وراءها خسائر فادحة.

وصل الفريق صادق رئيس أركان الجيش المصري بتكليف من عبد الناصر إلى عمان، كان القتال مستعراً وكان عبد الناصر في اجازة اجبره عليها الأطباء في مرسى مطروح وكان الفريق صادق يتأهل لاجراء جراحة في مستشفى المعادي مستغلا اجازة رئيس البلاد، ولكن جاءته التكليفات بالذهاب لعمّان فغادر المستشفى بعد أن تم تحضير غرفة العمليات، وقام الرجل بمغامرات عسكرية وتفاوضية متعددة أنهاها بالخروج من عرفات متنكرا والنجاة به من القصف الأردني والوصول للقاهرة يوم 27 سبتمير 1970، حيث كانت الوفود العربية تجتمع لانهاء الأزمة الكارثية، ووصل حسين ملك الأردن هو الآخر للقاهرة لانهاء عملية التفاوض وحقن الدماء والابقاء على المقاومة الفلسطينية ولكن مع احترامها للقانون الاردني وعودة أفرادها لخطوط التماس مع العدو الصهيوني، وانتقلت منظمة التحرير الفلسطينية بعد ذاك إلى لبنان، مكونة دولة أخرى داخل الدولة ولاعبةً دورا هاما في الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، حيث كون عرفات دولة الفكهاني داخل بيروت( وكأن التاريخ لا يتوقف عن تكرار نفسه فاليوم يفعل حزب الله الشيئ ذاته كونه دولة حقيقية داخل الدولة اللبنانية في بيروت وجنوبها).

وأمر عبد الناصر الفريق صادق بدخول المستشفى واتمام الجراحة التي فوتتها عملية انقاذ عرفات ووقف القتال الدائر في شبه حرب أهلية في ربوع الأردن، حيث لام عبد الناصر على الرجل عدم اعلامه أنه مريض وبالمستشفى، وبينما يتأهب الرجل للجراحة للمرة الثانية جاءته مكالمه هاتفية كسابقتها تخبره بضرورة التوجه هذه المرة لمنزل عبد الناصر، وقال صادق في سره: سبحان الله، مش هيرتاح أبدا، حيث ظن أن جمال عبد الناصر سيكلفه بمهمة جديدة، بينما كانت المهمة في حقيقة الأمر قراءة الفاتحة على روحه والاعداد لجنازته، حيث لم يتحمل جسد عبد الناصر جهد القمة العربية الطارئة التي إستضافها في القاهرة وأنهت القتال الدموي في الأردن وفاضت روحه لبارئها بعد أن ودع أمير الكويت في المطار.

والبادي لي أن عبد الناصر قد مات قبل هذا التاريخ بتسع سنوات كاملة، ففي نفس اليوم... 28 سبتمير من العام 1961 وقع الانفصال بين مصر وسوريا بعد وحدة قصيرة هي الاولى في التاريخ العربي الحديث وتترك أحداث الإنفصال جرحا هائلا في الجسد العربي وفي قلب عبد الناصر.

وهكذا أنهت أحداث سبتمبر الأولى حياة الرئيس المصري جمال عبد الناصر غالبا بأزمة قلبية لم يتحملها قلب الرجل إبن الإثنتين وخمسين سنة، وأبى سيتمبر إلا إن يوقف قلب الرئيس التالي أنور السادات بعد ذلك العام بأحد عشر عاماً، فماذا حدث في سبتمبر 1981؟ انتظروا تحقيقي القادم عن أحداث سبتمبر 1981.

مصادر:
1- تفاصيل تهريب ياسر عرفات من الأردن

2- عبد الناصر وسبتمبر الأسود - د. بهجت قرنى

3-