#غادة_بدر تكتب: بإنتظار الياسمين

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم سياسة

 

منذ أكثر من شهر مضى وأنا أصحو يوميا فأجد رسائل تنتظرني في الماسنجر ..

رسائل من اصدقاء أحترم أرائهم وأقدرها كثيرا ... وبعض الرسائل تلقي باللوم علي لتجاهلي الكتاية عما يحدث في حلب، على الرغم من الصور والمشاهد التي أراها يوميآ والمشيرة على صفحاتهم وعلى صفحات بعض الأصدقاء المشتركين، والتي تنقل لنا مأساة شعب على وشك الفناء .. وكأنهم يريدون ان يشيروا إلى قساوة قلبي وشخصيتي الذاتية التي لا تشعر ولا تحس بالشعوب الأخرى. وفي نهاية الرسائل اقرأ بعض الكلمات التي كتبوها ثم محوها مرة أخرى ... كلمات زي "هي البعيدة ماعندها دم ولا أحساس خالص .. ولا مقالة ليها تجيب فيها سيرة سوريا أو حتى حلب"

وأصدقاء أخرون يرسلون لي رسائل مفادها أنهم يريدون مني أن أعلن على الملأ موقفي مما يحدث في حلب ...

أقف في وسط بهو منزلي وأبتسامة صفراء تظهر بين أسناني وأقول .. اضحكتموني كثيرًا ... وكأن العبد لله أصبح محلل سياسي أو عالم في بواطن أمور الدول الأخرى أو بيفهم في حاجة من أساسه ... رحم الله أمرء عرف قدر نفسه. 

وأحب أن أوضح شىء فأنا كبيري وحدودي هو وطني الحبيب ... افتي فيه زي ما انا عايزة ... ولكن ابعد من كده مبروحش ... مش ذاتية ولا شيئ من ذلك أبدا، ولكن كل ما في الموضوع انه عهد قطعته على نفسي منذ زمن .. فأنا أول من إنتقض لإخواننا الفلسطينين في إصرارهم المستميت على التدخل في شئون مصر أثناء ثورة 30 يونيو، بنشرهم الكثير من البوستات التي كانت تدين الثورة في وقتها وتنعته بأنه أنقلاب عن الشرعية ... طيب انقلاب وماله احنا منقلبين على جنبنا ... بلدنا واحنا حرين فيها ... ساعة نحب نتقلب لأقصى اليمين وساعات تانية نتقلب لأقصى اليسار، وفي كثير من الأحيان نحب ندحرج من على السلالم – يعني حاجة كدة زي انا أدعي على أبني بس أكره اللي يقول أمين .. فهذا شأننا الداخلي لا يخص أحدا خارج حدود وطني.

كما اتذكر أيضآ أنني شاكلت بعض الأخوة القطريين الذين صادفتهم في زيارتي لدولة قطر في نهاية العام 2014، لإصرارهم على التدخل أيضآ في حياتنا السياسية ودفاعهم عن الأكاذيب والمبالغات التي تبثها قناة الجزيرة من داخل أراضيهم القطرية.

وبعدين أفتكر أن بعد كده حصل في يوم ما طلعتلوش شمس أنني كتبت على صفحتي الفيسية عريضة بالبونت العريض مفادها الآتي "أيها السادة الكرام ... عندما أتكلم وأتحدث في سياسة بلدي .فعلى الاخوة الأشقاء العرب الإمتناع عن الادلاء بأرائهم في شئون بلدي ... ياكش يولع بجاز وسخ ... بلدنا واحنا حرين فيها..... هه"

المهم طنشت رسائل أصدقائي الأعزاء وعملت ودن من طين وودن من عجين ... ولم اكتب عن حلب تحترق ولا حتى عن سوريا التي تضيع أو عن بشار القاتل السفاح. أعود من عملي يوميا ... نجلس متجاورين انا وأبني يوسف وثالثا التلفاز ... وفي العادة أضبط مؤشر التلفاز على قنوات الأو إس أن (شو تايم) ... فلدي مبدأ طالما بندفع فلوس فلازم نستغلها حتى النخاع.

وتشاء الاقدار أنه منذ بضعة ايام مضت يتم عرض احداث حلقات لمسلسل تلفزيوني إنتاج وتمثيل سوري في سوري اسمه بأنتظار الياسمين ... (أنصح بمشاهدته) ... فأشعر وقتها وكأن سوريا وشعب حلب واهل دمشق كلهم قرروا مطاردتي.

يحكي المسلسل ملحمة شعب أبي ... أصبح اليوم شريد الطرقات ... لاجئ في معظم بلدان العالم ...

بإختصار وعلشان ماطولش عليكم ... قصة المسلسل تحكي عن بعض الأسر السورية التي تهدمت منازلهم نتيجة للقصف المستمر بدون توقف ... ففروا هربا من ويلات الحرب فقطنوا معا حديقة كبيرة في احدى المدن الآمنة من القصف ... إفترشوا العراء .. وتقاسموا البرد القارص ... وتقاسموا معه أيضآ مرحاض واحد يتيم كائن في الجهة الأخرى من الحديقة ..

المسلسل ملحمة تروي الكثير من المآسي لساكني الحديقة، فيعرض لنا مواقف لبعض المارة الذين سيتشاركون معهم بؤسهم، ويتعاطفون معهم ويحاولون تقديم أي شيء تجود به إنسانيتهم الجريحة، فيما يستيقظ الشيطان لدى آخرين منهم، مدفوعين برغبة في استغلال ظروفهم كمهاجرين.

صحوت أمس وقلت لنفسي هو أنا هاعيش في الكوابيس دي لوحدي ليه – أمال أحنا أصحاب كده على الفاضي - فقررت ان أتشارك معكم في بعض مشاهد المسلسل التي اصبحت تطاردني في منامي ليلأ فباتت زائر يومي متطفل على أحلامي.

مشهد 1: نظرة الأب المنكسرة أمام بناته وهو غير قادر عن حمايتهم من أعين بعض المارة التي تنهش لحمهم بنظراتهم الوقحة.

مشهد 2: غضب وهياج الأخ الغيور على أخوته عندما يكتشف أن أحد قاطني الحديقة يتلصص على أخوته البنات وهن يقضين حاجتهن في الحمام.

مشهد 3: الشابة الجامعية التي كانت على وشك التخرج فتفقد كل أهلها وذويها في القصف، فتقتسم العراء مع باقي قاطني الحديقة ... مشهدها وهي ذاهبة تجر اذيال الخيبة إلى الكهل العجوز قبيح المنظر الذي يمتلك منزلآ في المدينة تترجاه أن يتزوج بها هربآ من جحيم الحديقة.

مشهد 4: الأم التى ترى أولادها على وشك الموت من البرد القارس، فلا تجد ما يشع الدفء في أجسادهم العارية سوى دموع دافئة تتساقط من أعينها.

مشهد 5: الأرملة التي تصحو من النوم فلا تجد إبنتها بجوارها، فقد أختطفها بعض المارة الشياطين ليبعيوها إجزاء لمافيا تجارة الأعضاء البشرية ... فأقتلعوا كليتها وعيناها وقلبها الصغير.

وأخيرآ مشهد6: الفرحة في عيون الأطفال وتسابقهم على الملابس الشتوية المستعملة الهالكة التي ستحميهم من برد الشتاء القارص، فقد جمعها لهم بعض المارة من ذوي القلوب الرحيمة.

في خط موازي كانت تدور أحداث حياة قاطني المدينة التي تحتضن بين شوارعها الحديقة بلاجئيها،
كانت حكاياتهم بالقطع تختلف عن الحكايات التي يعيشها سكّان الحديقة .. فتروي لنا جانب آخر من الحياة بسوريا يبدو للوهلة الأولى انه مستقر وآمن، ولكن تنقل لنا الاحداث تفاصيل معاناتهم اليومية وقصص حبّهم وتضحياتهم وتأثير الحرب ومجرياتها على سلوكياتهم وأفكارهم وطباعهم والعلاقات فيما بينهم .... فنجدهم هم أيضآ لم يسلموا من ويلات وأهوال الحرب. فهم يعيشون حياة غيرة مستقرة على وشك الأنهيار في أية لحظة.

أن البعض منكم ممكن أن تصور له مخيلته أن هذا مسلسل من تأليف مؤلف أو كاتب قصاص ذو خيال واسع ولكن المسلسل للأسف قصة من واقع الحياة، فكل تفاصيلها حدثت منذ أكثر من عام مضى ... وأغلب الظن أن السيناريو المحاك أقل حدة مما حدث في الواقع، ترفقآ بالمشاهد، ولكنه بالقطع لم يبالغ بأي حال من الأحوال بل نقل لنا جزءًا مما يحدث الآن للشعب السوري.

والحقيقة اننى لا أعلم كيف كان لهؤلاء الأبطال أن يغمض لهم جفن وهم نائمون في العراء في الحديقة أو في مأوى وانا التي لا تغفل لها جفن في غير فراشها .. يارب احفظ لنا نعمة الأمن والأمان في هذا الوطن أنها نعمة لا يعلم قيمتها إلا من فقدها.
أخيرآ ذلك لا يعني أنني ضد النظام السوري لبشار الأسد أو أشير بأصابع الأتهام إليه ... أو أنني ادعم المعارضة السورية ... فقد شرحت من قبل موقفي من القضية السورية فهي طالما كانت بين شأن سوري و سوري، وأنا من خلال قناعاتي أعتبرها شأن داخلي لا يمكنني أبداء الرأي فيه، وبالأخص عندما ظهرت في الأونة الأخيرة بعض الأنتماءات والتوجهات الداعشية لبعض من أحزاب المعارضة السورية فأصبحنا غير موقنين أين هي الحقيقة بالفعل، وما هو الهدف الحقيقي من وراء كل ذلك.

كما ان أهل سوريا أنفسهم حالهم كحال معظم الأمة العربية منقسمين داخليآ فمنهم من هو ضد ومنهم من هو مع ... ولكن الأمانه كانت تقتضي علي أن أقوم بعمل أستبيان صغير على قدي من خلال بعض الأصدقاء السوريين الذين يعيشون معنا هنا في دولة الكويت ... مع العلم ان من بينهم أسر تم قصف منازل ذويهم بسوريا فسارعوا بأستقدامهم هنا للعيش معهم في الكويت بأمان.

خلاصة الأستبيان علشان منطولش على بعض أن 90 في المية من الأخوة السوريين يتمنون عودة سوريا كما كانت من قبل 2010 ... كما أنهم يصرون أيضا على أستمرار عائلة بشار الأسد في الحكم، بل يطالبون بعمل أنتخابات نزيهة يشرف عليها ... الجن الأزرق ... وهم واثقون أن بشار سيكسبها بأكتساح.

و5 في المية فقط أمتنعوا عن الرد وكانت الدموع تملئ أعينهم على وطن يغيب ولا أمل في عودته.

اما ال 5 في المية المتبقية فلا تريد بشار الأسد وعائلته، بل تريد محاكمته عبر المحاكم الدولية وتطالب بأن تتولى المعارضة السورية زمام الأمور حتى يتسنى لهم أجراء انتخابات نزيهة.

ملحوظة: الأستبيان تم على عدد مائة شخص سوري بالتقريب من الأصدقاء والزملاء وأصدقاء أصدقاء .... من فئات مختلفة المهن والخلفيات الثقافية والمستويات الاجتماعية، مع العلم ان أغلبهم قد طالته ألسنة الحرب.

لا أعلم أيضآ إذا كان هذا الأستبيان مرآة حقيقية للشعب السوري ام ان اللي ايده في المية مش زي اللي أيده في النار، فكل الأصدقاء كانوا من مقيمي دولة الكويت يعملون ويسكنون بها وليسوا لآجئين في حديقة أو يحتضنهم مأوى بأي حال من الأحول.

وتبقى حقيقية واحدة تفرضها علي الأمانة المهنية .... ان كل الأصدقاء الذين أجريت معهم الأستبيان لم يستشهد او يقتل له أحد على يد بشار أو معاونيه ... اي ليس بينهم وبين بشار دم ... فلربما كان لهم رأيا مغاير إذا كان القصف قد أصابهم في مقتل.

أصدقائي ... في أعتقادي أن وجود دماء سالت بين الطرفين تحسم قضية سوريا وتحصرها في حل واحد وهو التقسيم وإلا سيظل الصراع الي أبد الأبدين.

هنيئا لنا فقد بداءنا نسير بالفعل في الدرب الذي رسمه لنا المخطط الصهيوني .. ولازالنا في أنتظار الياسمين.

غادة بدر