#غادة_بدر تكتب: أسرع محاكمة في مدينة الأحلام

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم سياسة

 

هاتفتني صديقتي من مدينتها البعيدة باكية بدل الدموع دم ... أردت بشدة أن أحتضنها بقلبي وأحتويها في عيوني، ولكن لكونها كانت في أم الدنيا فلم يسعني سوى الأنصات اليها بأذني ... ومست قصتها دقات قلبي قبل أذني ... فأسمعوا معي:

في إحدى المدن البعيدة ولد صبي صغير .. تربى هذا الصبي في مناخ ديمقراطي حقيقي ... فقد كان كل فرد من عائلة هذا الصبي يمثل له حالة منفردة بذاتها من الحرية الذاتية التي يحلم بها أي مواطن عربي حر... فهذا شيوعي وذاك ليبرالي وهذا أخواني وآخر معتدل وهاك ناصري، أما عن هذا فهو وهابي سني. وهكذا كانت عائلته .... مناخ نادر تواجده في كثير من المنازل ..

توفى رب عائلة أمه تاركا أرثآ كبير لجدته ... ستة فتيات في عمر الزهور ... فقامت الجدة على تربيتهم أحسن تربية .. كانت جدته عاشقة لفنانات الزمن الجميل، وبالأخص الفنانة فاتن الحمامة، فهي من جيل الأبيض والأسود، الجيل الخالي من الألوان المصنعة أو الألوان الباهتة ... شاهدت الجدة فيلم أمبرطورية ميم أكثر من عشر مرات، فقد أحبت دور فاتن التي سمحت لأولادها بكل أنواع الديمقراطية وفي النهاية لم يخطئون بل أختار كل منهم الطريق الصحيح الذي يتناسب مع شخصيته وهكذا قررت أن تكون أساليب الحكم في مملكتها.

وفي هذه البيئة والمناخ الصحي ترعرعت والدة هذا الصبي ... صديقتي الباكية ... فكانت الأبنة الكبرى لهذه الجدة. فإختارت طريقها الذي كان مخالفاً تمامآ لما هو متعارف عليه في تلك الأيام، فقد كانت بداية ظهور بعض التوجهات الدينية في المدينة ... فقد كثرت دروس المشايخ في المساجد الكبرى وعلت أصواتهم من المنابر ..

ومن بعدها ظهرت موضة الحجاب بين البنات .وتأثرت صديقتي بكل ذلك، ولذا كان طريقها مختلفآ تماما عن الطريق الذي سلكته أخوتها ... وبالرغم من ذلك لم تعترض الأم فهكذا أرادت أن يكون لكل بنت من بناتها لون وطعم مختلف يمثل شخصيتها المستقلة التي تناسب طبيعتها وميولها، وحتى أن كانت تخالف طريقتها هي شخصيا واحلامها، ولكنها في النهاية لا تخالف القيم والمبادئ التي ربتهم عليها.

تمر الأيام وتتزوج الأبنة الكبرى المتمردة وتنجب طفلا خلق من رحمها المتمرد ... فكيف له ان يكون سوى متمرد جديد على الحياة.

تمر الأعوام وفجاءة تقوم ثورة بالمدينة ضد الحاكم الظالم المستبد وأولاده. وفى 25يناير تثور المدينة كلها في وجه الظلم،وتفاجأ الجدة بنزول أبنتها الكبرى معها في المظاهرات، وتصطدم الابنة الكبرى أيضآ بطفلها، ويفاجئها أن الطفل قد كبر وأصبح شابآ في مقتبل عمره يبدأ صفحة جديدة من عشريناته.

تنجح الأم والأبنة والحفيد في هز كيان الحاكم واولاده، وليس هزه فقط بلا أسقاطه من على عرشه الذهبي والرقص على كل سنوات العمر الضائعة.

وتمر الأعوام ويمسك زمام أمور المدينة الجماعة التي تنتمي لها الأبنة الكبرى، تحزن الأم كثيرا فقد أرادت حاكماً أخر معتدل ... ولكنها تؤثر ذلك في نفسها .... ينفطر قلب الأبن أيضآ، فلم يكن يريد حكم ديني مظهري، فهو يعلم تمامآ أنه أجوف من الداخل.

شعر الأبن أن ثورته قد سرقت منه ... فيبقيها في نفسه.

يمر عام أخر وتقوم ثورة جديدة ... ينزل فيها الأبن ضد أمه ... يسارع الابن بدعوة جدته للنزول معه هو أوصدقائه للمشاركة في هذا العرس ... ترتدي الجدة ملابسها على عجل ولا ينسى الشاب أن يجلب مقعدا لها معه، ليجلسها بجانبه في الشارع عندما يهلكها التعب، فلقد عقدوا النية ألا يعودوا إلا بعد أسقاط شرعية الحاكم الجديد، فلم يكن يختلف عمن سبقوا شيئآ سوى اللحية.
وفي النهاية ينجح الحفيد والجدة في ثورتهم من جديد ... يوم 30 يونيو ... وفجأة يظهر المنزل في خلفية تقترب من الأنهيار، فالمنزل الذي كان دائما مختلفاً مظهريآ ولكنه في ذات الوقت مجتمع على قلب واحد
أصبح اليوم قاب قوسين فلقد انقسم المنزل على نفسه الي قسمين ... قسم سعيد يحتفي بنجاح ثورته وقسم أخر يجلس مهمومآ حزينا يندب حظه... يندب ضياع حلم انتظره طيلة حياته.

بعد ضياع الحلم وانتهاء الأحتفالات ومرور الأيام يبدأ يداهم الشاب شعور الأحباط، فيشعر بأن الحلم لم يسرق من أمه فقط .. فليس هذا ما حلم به لمدينته ... فحلمه وحلم الكثير من الشباب غيره يضيع ويتسرب من بين يديهم. تقف أمه تراقبه من بعيد وتظهر بين أسنانها شبة أبتسامة شماتة.

تصورت مخيلة الشاب الصغير أن الشارع قريب، وديتها يلم كام واحد من أصحابه اللي قاعدين طول النهار على القهوة وينزلوا يعملوا شوية اعتراضات كده على الماشي ... وأنه كما ثار وهاج وماج هو و أصدقاءه من قبل فمن حقه أيضآ الأن الأعتراض والثورة على أوضاع المدينة التي تتفاقم يوما بعد يوم ... دخل الشاب على جدته يدعوها أن تنزل معه لتشاركه كما فعلت من قبل.

كانت الجدة تعد وجبة الغذاء بالمطبخ ... تركت ما بيديها ونظرت له رافعة حاجبيها وبتنهيدة عميقة ردت الجدة: روح أتلهى واقعد ذاكرلك كلمتين ينفعوك ... ثم أعقبت: الامتحانات على الأبواب ... ماله الحاكم بأمره زي الفل وقلبه أبيض وكلنا نور عيونه، هانعوز ايه اكتر من كده... ثم تبرطم... عالم بتستهبل بصحيح.

الشاب: ولكن يا تيتة صنافير وتيرااااان هنسيبهم كده !!

الجدة: أه سيبهم ... ليهم رب كريم يجبر بخاطرهم

يترك الشاب جدته بعد ما يأس من أقناعها في أن تشاركهم أعتراضتهم ... ثم يخاطب نفسه: خلاص انا كمان مش نازل ... فلو هما عايزينه وميتين عليه كده خليهم يشبعوا بيه ... العالم دي اساسا ما تستاهلش التضحية علشانهم.

يستأذن الشاب أمه للذهاب للإستذكار عند أحد أصدقائه، فالأمتحانات على الأبواب ... فالطفل الصغير كبر كثيرا وأصبح على وشك التخرج هذا العام من الجامعة وسيصبح مهندساً عن قريب.

تأذن له الأم يإمائة من رأسها وهي تصلي، ثم فجاءه وهي ترفع رأسها من سجادة السجود تلمح النتيجة المعلقة على الحائط التي تشير أن تاريخ اليوم هو 25 أبريل ... تصرخ الأم بصوت عالي الله أكبر ... ثم تسمع صوت باب المنزل يغلق بمنتهى القوة ... المنزل الذي أصبحت الحياة فيه كالجحيم فهو يعاني الأن من ثلاثة أنقسامات داخلية.

تسارع الأم بإنهاء صلاتها وتتصل بإبنها ... ثم تسمع الجدة صوت أبنتها يضوي كالرعد داخل منزلهم قائلة: أنا بقولك أرجع دلوقتى ... أنت يا زفت ما بتفهمش عربي ... بقول ارجع يعني ترجع ... ثم تلين الأبنة وتقول: طيب كلم صاحبك ييجي هو يذاكر معاك .... ثم تعلو نبرة صوتها مرة أخرى .... أنت ايه ما بتسمعش ولا أيه أتطرشت يعني ... ثم تغلق هاتفها بعنف.

تكمل حديثها مع نفسها ... ياربي هو أحنا ناقصين دلوقتي لو حصل أي حاجة في المدينة الواد ده هيروح بلاش ... انا عملت ايه ياربي قالوا بلاهة مرسي ... استعوضنا ربنا فيه .... قالوا أن الحكم ديني وحش ... رضينا وحطينا الهم في قلوبنا وقفلنا عليه.

تكمل الأبنة صلاتها ثم تستجدي ربها باكية ... أعمل إيه ياربي في أبني ... ده هو سندي الوحيد في الحياة ... أزاي يقتنع باللي بأقوله وما ينزلش مع أصحابه وأنا نفسي مش مقتنعه من جوايا ... يارب استر.

ياربي هو بيحلف انه رايح يذاكر مع صاحبه .... يارب يكون صادق ويخيب ظني ... ثم تختم صلاتها بدعاء .... يارب أعمل الصالح لأبني وأسترها معه دنيا وأخرة أنا ماليش غيره.

يومين مروا والشاب غائب عن المنزل ... لم يذق أحد من سكان المنزل النوم منذ غياب الشاب فالموبايل مغلق ولا أحد من أصدقائه يعطيهم رداً يشفي غليلهم.

منذ أيام معدودة كتبت الجرائد نهاية الشاب ... خبر صغير عن حكم قضتة الدائرة 21 بالسجن 5 سنوات لـ 101 متهم بالتظاهر بأن صنافير وتيرااااان مصرية، وذلك فى منطقتى الدقى والعجوزة ، كما قضت بتغريمهم 100 ألف جنيه.

إن صديقتي من يومها تهاتفني يوميا وهي تبكي ... ليس خوفا على ضياع مستقبل ابنا كان على وشك التخرج ولكنها تبكي سببأ أخر ... تتذكر صديقتي أن لها قريبة من بعيد كان لديها إبنا شاباً خلوقاً مهذباً مرحاً ... بطلاً من أبطال السباحة، فهو أقرب إلي الأغلبية العظمى من شباب المدينة، لم يكن وقتها ينتمي إلي أي جماعة فلم يكن يصلي من أساسه. ولكنه تعاطف مع موقف لصديقه له قد قتل في فض أحدى الاعتصامات ... فنزل أحدى المظاهرات تضامنا مع باقي أصدقائه فتم القبض عليه ودخل السجن أو المعتقل.

عام كامل ونصف داخل غياهب السجون، وفي النهاية تم التاكد من ان ليس عليه أي شبهات أو إنتماءات سياسية أو دينية ... دخل الشاب السجن ... شاب مثله مثل الكثير من شباب المدينه وخرج بعد عام ونصف مشروع أرهابي صغير. فقد ضب أغراضه وسافر مباشرة الي تركيا للإلتحاق بداعش ... نعم دااااعش لا تستغربوا ... فسجوننا نواة لكل خلايا الأرهاب.

لقد أنفطر قلب صديقتي على إبنها، فهي تموت رعبا من أن يتحول أبنها يومأ الي إرهابي داعشي ... فالسجن التعسفي بدون محاكمات عادله للأسف الشديد ليس له إلا نهاية واحدة أرهابي ضليع.

ملحوظة في حقيقة الأمر ... احتمال أن يكون هذا الشاب بالفعل كان يائس منكم ورايح يذاكر مع أصحابه واتاخد ظلم وغدر ... واحتمال تاني يكون كان رايح فعلا يتظاهر ويعلن عن رأيه في أن صنافير وتيرااااان مصرية...

انا كنت سمعت الله ما أجعله خير أن أعضاء مجلس النواب فى أنتظار إرسال الحكومة ملف جزيرتى "تيران وصنافير" للبرلمان، وذلك لقيام أعضاء البرلمان بقبول المعاهدة أو رفضها وفقا للمادة 151 بالدستور.

طيب عندي سؤال رخم لحاكم هذه المدينة مؤرقني بقاله يومين ومطير النوم من عيني ..

في حالة لو المجلس الموقر قرر أن صنافير وتيرااااان مصرية .. تفتكروا انه هم كمان هيشرفوا أبوزعبل ويروحوا السجن مع ابن صديقتي ولا فيه كلام تاني !!!

غادة بدر