#غادة_بدر تكتب عن: أم حنين

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم سياسة

 

وعيت على دنيتي وأنا أسمع امي وهي تهمس في أذني: "أعملي الخير وأرميه في البحر" ... وساعة تانية تخدني على جنب وتنصحنى: "غادة يا بنتي من قدم شئ بيداه ألتقاه" ... وفي وقت الهنا والصفا تقول: "هنيالك يا فاعل الخير" ... وهكذا كانت أمي دائما حريصة على زرع حب الخير داخلنا وحثنا على فعله أنا وأخوتي، وحتى يكون لحديثها اثرآ أكبر فكثيرا ما كان يسبق حديثها كلمات الله عز وجل ... مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا (160)} (سورة الأنعام) ... كنت أصدق أمي القول ولما لا فهي مثلي الأعلى في الحياة ... كما ما أحد في الدنيا سيحبني مثلها ويتمنى لي الخير ... كما أنها تستشهد بأيات ربي.

ولكن كان بداخلي سؤال وانا طفلة صغيرة ... أهم بسؤالها أياها في كل مرة نخوض معآ في حديث الخير ومساعدة الناس ... كان سؤالي: هل سأخذ حسناتي بسرعة؟ ... يعني هنا في الدنيا ؟؟... طيب وامتى والساعة كام ؟؟؟.... أم سأنتظر حتى أموت وأتحاسب في الأخرة !!
ولكني كنت أفضل أن أحتفظ بالسؤال داخلي حتى لا تعتقد أمي أنني إقدم على مساعدة الناس أنتظاراً لجني الحسنات ... أو قطف ثمار الخير ... وفي النهاية عندما كان يتعبني تفكيري كنت اقول لنفسي يا الله مش مشكلة خليهم متخزنين أحسن ... يمسحوا شوية من ذنوبي.

وفي بعض الأحيان أشعر ان الله يخصني ببعض الرسائل التي تنير طريقي، ومع صباح كل يوم يزداد يقيني بذلك، وهكذا بت لا أخاف من مواجهة الحياة حتى أن كنت وحدي ... فأنا أشعر أن الله معي وبأنني لست وحيدة بهذة الحياة وفرجه أتي بلا شك.

إحدى رسائل ربي لي:
منذ أكثر من أسبوعين أراد الله أن يجيبني على الأسئلة التي ظلت عالقة في ذهني منذ أن كنت صغيرة، وهي أن الحسنات سنجازي عنها في دنيتنا ويمكن كمان في الأخرة تاني. طبعآ ربنا عارف ان دماغي زي الجزمة القديمة ومابقتنعش بكلام الشيوخ اللي بيقبضوا مرتباتهم من الدولة ... يعني لو كنت سألت 100 شيخ وقالي الكلام ده عمري ما كنت هصدقه غير لما اشوفه بعيني ... فكانت رسالة ربي كالبرهان الدامغ – هاحكيلكم الحكاية بالتفصيل فأستحملوني:

مجلة مصري أكتب بها مقالتي الأسبوعية منذ أكثر من عام ونصف ... ألتحاقي بها بالتأكيد كان من أجمل الأشياء التي خصني بها الله في الفترة الأخيرة، فقد رأيت من خلالها جوانب جديدة من الحياة ... فالمجلة ليست كما يعتقد الكثير من قرائي مجلة فكرية فقط ولكنها مجلة تنموية ... يعني أيه تنموية ده موضوع يطول شرحه ولكن بأختصار هي تعمل على خلق مجتمع فعال بكل معانى الكلمة، فهى تعد من المجلات متعددة النشاطات وذلك اعتمادا على كونها تابعة لمؤسسة اهلية وهى (مؤسسة مصرى للتنمية والتوعية).

من ضمن مشاريع المجلة القافلة الطبية ... أتذكر أني قد فردت لها بوست سابق على صفحة الفيس بوك خاصتي ... فالقافلة تجوب مناطق مصر النائية لتزور أهالينا المرضى محملة بصناديق الأدوية يرافقها أطباء متطوعين من جميع التخصصات.

المهم قبل عيد الأم هداني ربنا لفكرة ... وهي أن أشتري صندوقين أدوية أهدي أحداهما لأمي والأخر للسيدة الغالية حماتي ... وبعد أن وصلني صور الصناديق المرفقة بالأهداءات سارعت بتشيرهم على الفيس بوك ... حتى تصيب الغيرة أصدقائي ويفعلوا مثلي وهكذا يعم الخير كما علمتني أمي.

طبعآ أصدقائي كلهم عملوا مش واخدين بالهم ما عدا صديقة واحدة ... فما أن شاهدت صديقتي سمر البوست الا وأصابتها الغيرة مني وارادت أن تهدي أمها أيضآ صندوقاً في عيد الأم ... سارعت سمر بسؤالي عن كيفية التواصل مع القافلة ... انا ما كدبتش خبر ... حاكم أنا في الخير ما أتأخرش أبدآ ... المهم أتذكر أن تمن الصندوق بالمصري سبعمائة وخمسين جنيه أي ما يعادل وقتها مع أضافة مصاريف التحويل تسعة وعشرون دينار كويتي.

مرت بضعة أيام ثم أسبوع وأخر وفي يوم كنت أجلس في منزلي وسمر معي ... وفجاءه رن هاتفها النقال ... كان الرقم غريب وغير مسجل ... ترددت سمر في الرد ولكني حثثتها على الرد، فقد كنت أعرف الرقم جيدآ فهو رقم شركة الأتصالات زين التابعة لخط تليفونها وتليفوني أيضآ.

سمر.: الو نعم ... أيوه انا صاحبة الخط .... في حاجة؟
الطرف الاخر: مبروك كسبتي معانا ألف دولار
سمر: أنا مش ممكن ... مش معقول ... أنا فزت لا قول كلام غير ده ... (ترفع حاجبيها) انت أكيد نصاب.... سمر تلوي فمها: . طيب أحلف
الطرف الاخر بنبرة جادة (وفي سره بيقول أيه بنت الهبلة دي): جهزي كل الاوراق المطلوبة وتعالي استلم الشيك من الادارة يوم الخميس الجاي
سمر تغلق السماعة.... غاااااااادة انا فزت ب 1000 دولار .. غااااااده انا كسبت ألف دولار غاااااااادة انا محظوظة..... سمر تحلق في سماء الأحلام والسعادة تملؤها.

كانت سعاده سمر بالمبلغ الذي كسبته بدون اي مجهود أو تعب لا توصف ... حتى لجعلني ذلك اسرح لدقائق في ملوكة الله عز وجل عن السعادة وأختلافها من شخص لأخر ... فأنا في الأونة الأخيرة أصبحت الفلوس أخر همي ... وأصبح ما يسعدني يختلف تمامآ عن كل ما كان يسعدني وانا في مقتبل عمري.. سبحان مغير الأحوال.

المهم ذهبت سمر لأستلام الشيك فماذا حدث ... كان المبلغ ما يعادل ثلاثمائة دينار كويتي... هو مش مبلغ كبير قوي علشان ما تحسدوهاش ... المهم بعد خصم مبلغ عشرة دينار بالتمام والكمال لزوم تخليص الاجراءت وطوابع الدمغه كان صافي الشيك مائتان وتسعين دينار بالضبط .... أي عشرة أمثال ما دفعته سمر ثمنآ لصندوق الأدوية ... سبحان الله - مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا صدق الله العظيم

طبعآ كلكم بتسألوا أمال فين حكاية أم حنين ما تسميها سمر والشيك أحسن – أصبروا ما تستعجلوش

يوم الجمعة هو اليوم المقدس لخروج يوسف أبني ... ينتظر يوسف طيلة الأسبوع هذا اليوم بفارغ الصبر، وفي بعض الأحيان أرى يوسف يحلم بأن تتحول كل أيام الأسبوع الي جمعات. والله يا بني انا كمان زيك بس نعمل أيه لازم نشتغل علشان نلاقي فلوس نأكل بيها.
الجمعة الماضية كانت أول جمعة بعد سفر الغالية امي فقد عادت للقاهرة ... صحوت صباح الجمعة وجدت خادمتي (ضامى) لابسة وعلى سنجة عشرة سألتها رايحة فين يا مدام ... كشرت ضامي عن أنيابها وردت: خارجة مع أصحابي .... انا (بصوت واهن): طيب ويوسف ... ضامي: خدي بابا واخرجوا سوا ... أنا..... طوووويب.

على الساعة إتناشر الضهر لقيت جوزي لابس وعلى سنجة عشرة برضه سألته رايح فين يا باشمهندس... رد (وهو رافع حاجبيه): خارج مع اصحابي في حاجة. ... أنا (بصوت على وشك البكاء): طيب ويوسف.... محمد: خرجيه انتي .... انا: طوووويب.

على الساعة تلاته بعد ما يأست من رجوع أي من أفراد الأسرة الكريمة لم يكن بيدي حيلة سوى أن أخذ يوسف وتخرج سويأ وحدنا ... وكان ذلك بعد أن ظل يوسف يطاردني بنظرات الحزن والأنكسار.

المهم .. ارتديت بنطلون الترنج والكوتشي حتى إذا باغتني يوسف بمحاولة للجري أو الهروب مني في اي لحظة، وهذا وارد جدا، أستطيع اللحاق به .. دخلت المول الكبير ومنه الي الفووود كورت حيث يقبع الأخ كنتاكي حبيب يوسف الاول.

طلبت وجبه حجم كبير ليوسف وساندوتش لي ... وجلسنا سويآ على المائدة نلتهم طعامنا ... فإذ بي أجد عينان ترمقاني انا ويوسف، كانت عين أم حنين ... تنظر لي أنا ويوسف في صمت. في بداية الأمر ظننت أن ام حنين، لبساطة ملبسها ولسمار بشرتها، خادمة أسيوية ... ولكن عندما رأيت طفلتها وهي تتدلل عليها وتحاكيها باللهجة الشامية فهمت أنها أم سورية أو فلسطينية ... ممن غدر بهم الزمان.

حنين وأخواتها كانوا أطفالاً بسطاء يرتدون ملابس أقرب لملابس المنزل، و ينتعلون الشباشب في أقدامهم ويتقاسمون الوجبات ... بدأت انا أيضآ اراقبهم ... غاب الأطفال عن المائدة وبقيت أم حنين تراقب يوسف وهو يأكل بشغف. 

عشرة دقائق وعادت حنين وحدها دون أخواتها حاملة صينية بها وجبة كنتاكي أخر متجهة صوبي وهي تقدم رجل وتأخر أخرى ... وفجاءة وفي لمح البصر وضعت حنين الصينية أمامي وجرت بسرعة الي المائدة التي تجلس عليها أمها ... فحنين كانت خائفة من ردة فعلي ... حاولت أن أرفض الهدية ولكن أم حنين الفقيرة الملبس الغنية النفس رفضت تمامآ.

قبلت الهدية لا لشئ سوى أن يوسف كان قد أنتهى من وجبته وبدء في ألتهام أول قطعة دجاج في الصينية الجديدة ... قبل أن أرحل حاولت أن أنفح حنين هدية عشرة دينار ولكن حنين الأبية النفس رفضت تمامآ، فما كان منى سوى طلب رقم تليفونها للتواصل معهم فيما بعد ... فكتبته في ورقة صغيرة مذيلة بأسم أم حنين ... كتبته حنين لأن أمها لا تعرف الكتابة.

أم حنين امرأة من الشام مهجرة، أحسبوها فلسطينية أو سورية فالكل الآن سواء لاجئين في بلاد الله... واضح من مظهرها الخارجي هي وبناتها أنهم من الأسر الكادحة محدودة الدخول التي تعيش بدولة الكويت على صدقات أهل الخير ... بالتأكيد فأم حنين لا تعمل ولم أرى ابو حنين معهم.

المهم شاهدتني ام حنين انا ويوسف بالترنج سوووت الذي اقرب بالبيجاما منه الي الترنج، شاهدت يوسف وهو يلتهم الأكل ويمصمص العظم ... تخيلت اننا غير قادرين على شراء وجبة أخرى له ... فقررت أن تقتسم الصدقات التي تأتيها معي ... تشتري ليوسف وجبة على حسابها، ومن الجائز أن يكون هذا آخر دينار معها ولكنها أرادت أن ترسم السعادة على وجه يوسف البائس وهو يرى وجبته على وشك الانتهاء ... قطعآ أنها الحسنة التي بالتأكيد سترتد لأم حنين عشرة أمثالها.

حال أم حنين وغيرها من الأخوة العرب جعلني أفكر ..
بالأمس البعيد كانت فلسطين الحرة وبالأمس القريب كانت العراق الأبية ومن ثم ليبيا والسودان واليوم وباكر سوريااااااا.
أن الأمة العربية تتفتت أمامنا .. إلم يأن الأوان اذا لكي نفيق من غفوتنا ... قبل ان نصبح كلنا أم حنين ننتظر من يجود علينا بفضلاته

 غادة بدر