#غادة_بدر تكتب: مستني ايه يا ريس؟

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم سياسة


دعوني أحلم ..

الحلم هو ما يبقيني على قيد الحياة – ولذا فمن حقي أن أحلم – وليس لك أي حق يا سيدي في منعي من الحلم – فدعوني مع أحلامي وأحلموا معي إذا شئتم ... فلعل أحلامنا تصبح في يومآ وضحاهآآآآ حقيقية واقعة نعيشها كلنا.

في الصغر كانت أحلامي ولله الحمد تافهة و لا تخلو من الأنا – فكانت أقرب لأن تكون أحلاماً مادية بحتة – شوكلا من االلي بتموووووط - عروسة تنطق بماما وبابا أثير بها غيظ أختي الكبرى - بسكلته بجرس ادوش بها جيران الحي ... وهكذا كانت أحلامي كلها.

كبرت أكتر وتوفي الوالد فتغير الحلم وأحتل أبي دور البطولة في أحلامي لفترة طويلة، فأصبحت أحلم كل يوم بأن يعود للحياة مرة أخرى، كى أحتمي به من قسوة الحياة وشرورها.

ثم كبرت أكثر وأكثر وفهمت ان الأموات لا يعودون للحياة مرة أخرى ... وعندها أصبحت أحلامي أقرب للواقع فأختلطت أحلام المادة مع أحلام بلوغ النجاح .... مجموع كبير يؤهلني لدخول إحدى كليات القمة ... سيارة أقودها وأتمنظر بها على زملائي بالجامعة – بنطلون جينز يواكب أخر صيحات الموضة.
كبرت أكتر وأكثر وأكثر وصارت احلامي أكبر ... عريس جاهز يمتلك فيلا وسيارة من أحدث طراز، وليس هناك مانع من كلب صغير – أسحبه يوميآ وأتمشى به – وظيفة مرموقة في شركة أجنبية وقطعاً يكون الراتب بالدولار الأمريكي.

وأخيرآ .... عقلت... ولمست يداي الواقع الأليم وبداأت أحلامي تسير بجانبي على أرض الواقع، فبدأت أحلم أن يرزقني الله بالمال والبنون زينة الحياة الدنيا، وأتمنى أن يوفقني الله في حياتي الزوجية وحياتي العملية.

كبرت أكثر من اللازم وبدأت الهموم تثقل قلبي وأحلامي تزوي وترضى بالقليل، وبما يجود ويمن علي به الله سبحانه وتعالى ... فكنت أحلم يوميآ بأن أرى أبني الصغير يتحدث بعد أن بات صمته يقلقني ويشقيني.

وبعد فترة سلمت وأمنت بأنه لا أمل في شفائه وانها حكمة من الله سبحانه وتعالى، فإكتفيت بأن أحلم بأن يسعده رب العالمين في عالمه الصغير وأن يحمي أبني الأكبر من شرور الدنيا، فقد أصبح هو الأمل والسند الوحيد لي أنا ووالده عند الكبر والعجز .. ودعوت أكثر بأن يوفق الله زوجي بعمله.
وأخيراً أخيرآ ولله الحمد والشكر ... هرمت ... فقد إزدادت أعباء الحياة علي ثقلآ، وبدأت مشاكل الحياة تطاردني فبدأت مرحلة جديدة من أحلام القناعات الأقل، فبدأت أحلم ان يمن الله علي أمي بالشفاء والعافية، بعد ان مسها المرض الخبيث وتاهت أحلام الثراء في زحمة الحياة ... وأصبحت أحلام الستر والعافيه لي ولعائلتي هي بطلة أحلامي.

وفي الفترة الأخيرة بدأت تظهر في أحلامي أعراضآ ومنحنيات جديدة ... فتمركزت أحلامي كلها في تمني العودة للوطن والعيش وسط الأهل والأحباب والغوص في أحضان الحبيبة أمي، والتمتع بالدفء بين أخواتي وتذوق أشهي المؤكلات من يد الحنونه حماتي وأخيرا الموت في أرض بلادي.
نظرت حولي فشعرت أن حتى هذا الحلم بات مستحيلآ الأن ... فكيف لي أن أعيش وأكل وأشرب وأدفع المصروفات الباهظة لتعليم أبنائي وأنا أقبض بالجنية المصري، ففي وسط كل هذه الأحلام نسيت أن أذكر لكم أنني عجزت على ادخار ما يعينني على مواجهة مستقبل مجهول ... حالي كحال الأغلبية العظمى للمغتربين في الخارج .... طووووووووووويب.

ومن هنا بدأت الأحلام التي تنتابني كل يوم ... أحلام كل أبطالها هم الجنية المصري ومنافسه الدولار الأمريكي ... مع الأعتذار للسيد الوحش المحترم الدولار.

قبل ان أغوص معكم في أحلامي الجديدة دعوني أسرد لكم قصة الجنية المصري، الله يرحمه ويحسن إليه – قصة معادة بالتأكيد، كلكم قد مللتم من تكرار سماعها ... ولذا فلن اطول الحكي في قصة أنهيار الجنية المصري أمام منافسيه والتي عايشتها لحظة بلحظة، ولكن سأقصها عليكم بأختصار من وجهة نظري الشخصية.

كان يا ما كان في سالف العصر والزمان، في أوائل سبعينات هذا القرن، وحش اسمه الجنية المصري ... كانت مصر في وقتها رائدة فى كل شئ ... رائدة في الموضة ... في العلم ... وحتى في الحرب، واخيراً في السلام ... فلم يكن المصريين وقتها تابعين او مقلدين لأحد، ولكنهم كانوا كعادتهم مبدعين ورائدين ... فقد كانوا حقآ في وقتها أحفاداً للفراعنة، وكان الجنية في وقتها بقيمة 2.5 دولار أمريكي ... وفجاءة في اواخر الثمانينيات، وبالتحديد بعام 89، ومع بدء دخول الحركة الوهابية الي مصر ... ومع عودة الأخوة المصريين المعارين بدول الخليج الي الوطن بأفكارهم الجديدة وبتقليدهم الأعمي للمجتمع الخليجي بعاداته وتقاليده وأستهلاكه لبضائع مستوردة دخيلة على مجتمعنا، مع محاولات مستميته منهم لتغير شكل الشارع المصري.

اصبح الجنية بقدرة قادر بقيمة ثلث الدولار الأمريكي وسميت هذه الحركة بتعويم الجنية المصري جزئيا ...

ومع إزدياد توغل الفكر الوهابي والتغير الفعلي والجوهري في شكل الشارع المصري تمامآ، فقد تم تعويم الجنية المصري كلية في عام 2003 ... بعد ان نسي المصريين أنهم حقآ أحفاد للفراعنة ... وفقد الشعب المصري فرادته واصبح مسخ مقلد ... فاقد الهوية ... وعند بلوغ هذه المرحلة بالتحديد اصبح الدولار تقريبا يتأرجح ما بين خمسة إلي ستة جنيهات مصرية.

وهكذا حتى وصلنا سالمين مهللين إلى مصر في ثوبها الجديد ... مصر ونيس ... مصر الدراويش ... مصر المحجبة فكرياً .. مصر عكاشة ... مصر احمد موسى ... مصر المتخلفة عقلياً .. 

بدء الجنية المصري في الترنح مرة أخرى، واصبح الدولار بقيمة ثماني جنيهات مصرية ولازالت للقصة بقية.

نرجع للحلم الذي يراودني كل يوم ..

احلم انني أصحو من نومي فأجد نفسي في منزلي بالوطن ... أقوم بتحضير وجبة الإفطار لأسرتي الصغيرة .. نتجمع سويآ حول مائدة الإفطار قبل الذهاب لأشغالنا اليومية ... نتناول البيض المقلي مع الفلافل الساخنة المقلية بزيت التموين مع طبق فول مدمس بالزيت الحار ... طبق حرصت على تدميسه في قدرة الفول ..

يذهب زوجي وأولادي الي اشغالهم ... يترك لي زوجي خمسة جنيهات لشراء بعض أغراض المنزل ... فأسارع للإنتهاء من ترتيب المنزل واتجه مباشرة إلي سيارتي المصطفة بجانب الكثير من السيارات المشابهة في الشكل والصنع ... سيارة صغيرة فيات صناعة مصرية ميه في المية ... أقود سيارتي متجه الي عمر افندي وأنا متمخترة .. أرتدي فستاناً على أحدث موضة. بذوق مصري بحت ... تم حياكته عند الترزي بعد أن أستخرجت موديلة من باترون إحدى مجلات الموضة .. بقماش قطن مصري مية في المية، إشتريته سابقا من شوكريل ...

وتكتمل أناقتي بحقيبة يد أنيقة صنعت بأيادي مصرية نوبية ...

فى عمر أفندى أبحث عن بيجامات كستور لإبني، ففصل الشتاء قد هل علينا وانا لم استعد له بعد. .. انتهي من عملية الشراء وأقود سيارتي، وأتذكر ان أبني يوسف سيبحث فور وصولي الي المنزل عن الشوكولا المخبأة في حقيبتي ... فأصف سيارتي بجانب بقالتي المفضلة ... "صنع في أم الدنيا" ... التي تحتوي على البضاعه المصرية فقط، واسارع بشراء علبة شوكلاته كورونا.

فجاءه أترك كل شئ، فقد تذكرت انني قد نسيت إدخال الحليب الطازة الذي احضره اللبان صباحآ الي الثلاجة ... فأترحم على خادمتي السيريلانكية ... (الهي يمسيها بالخير لم تكن لتنسى شيئآ هكذا أبداً.)

أعود إلى المنزل بسرعة حتى لا يخترب الحليب ... ثم أقوم بإعداد وجبة الغذاء لأسرتي قبل عودة القبيلة من أشغالهم. .. بمنتجات غذائية كلها صنعت في بلادي بأيادي أبناء بلادي.

نلتف جميعاً حول التلفاز الوحيد في منزلنا، الذي صنع بأيادي مصرية ... وفي مصانعنا المجهزة بأحدث التقنيات ... بعد ان تركنا كل هواتفنا النقالة خارج الغرفة ... فهذا هو الوقت المخصص للعائلة فقط..

نجري القرعة اليومية على من له حق إختيار قناة المشاهدة .. نشاهد التلفاز معآ ونحن نقهقة ونتبادل الأحاديث الودية، وبجانبنا قرطاس من اللب المصري والفول السوداني.

وهكذا وفي ليلة وضحاها استغنينا عن كل ما هو مستورد بفضل القرار الحكيم من رئيسنا المحترم بمنع الإستيراد نهائياً، فأغلقت مصر الأبواب على نفسها لمدة خمسة أعوام أرتفع فيها سعر الجنيه المصري واصبح ينافس نظيرة الأسترليني كما كان بالعام 1964.

وأصبح كل منزل في الوطن يتغنى بأغنية تسلم الأيادي ... ليس للجيش فقط ولكن للرئيس المغوار صاحب القرارات الجريئة ... فقد اعاد لنا كرامتنا المهدورة منذ زمن.

سيدي الرئيس لقد هرمت وأصبح جل أحلامي ان أعيش في هذا الوطن معززة مكرمة.

سيدي الرئيس اريد ان اموت وأدفن في وطني ..

فهل من مجيب؟

غادة بدر