#فيفيان_ظريف تكتب: الحوثيين بين الحقيقة والتضليل (3)

كتب بواسطة: فيفيان ظريف في . القسم سياسة

 

نستكمل فى هذا الجزء الثالث والأخير باقى الأبعاد الإستراتيجية التى ادت لتزايد الصراع الداخلى اليمنى، ونستعرض الأبعاد الإقليمية والدولية وذلك بعد ان تناولنا فى المقال السابق الأبعاد الداخلية.

2- الابعاد الاقليمية

الموقع الجغرافى لليمن يضعها فى منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لمصالح قوى إقليمية وعالمية عديدة، ولذلك واجهت اليمن عمليات تدويل واسعة لصراعاتها الداخلية كالاستقطاب العربى والدولى. فوجود طرف تالت متورط فى الصراع يعد امرا مألوفا على الرغم من صعوبة اثبات ذلك او نفيه، وهنا تثار الشكوك بشأن وجود حرب سعودية ايرانية تقع على الاراضى اليمنية. 

لقد تفاقم التنافس بين الدولتين، نتيجة لتصاعد دور ايران فى لبنان وفلسطين والعراق، اضافة الى وجود مزاعم حول اطماع ايران فى المنطقة الشرقية السعودية وعلى امتداد الخليج كله، ولذلك اصبح  "الحوثيين" أحد ميادين هذا التنافس.

هذا الى جانب وجود اطراف اخرى تبحث عن صياغة دور لها فى المنطقة، فمثلا فى عام 2007 تدخلت قطر للوساطة من اجل انهاء الأزمة ... وكان للسعودية دور كبير فى افشال تلك الوساطة وقتها ... وايضا قامت ليبيا بعدها بوساطة سرعان ما توقفت بعد مزاعم عن دعم ليبيا للحوثيين.

دور ايران

1- الهمت الايدولوجيا الايرانية الثورية عددا من المفكرين الزيديين، خاصة وهم يرون دعم ايران لحزب الله فى ايران. إلا ان الاختلافات الدينية الكبيرة بين الشيعية الزيدية والجعفرية (السائدة فى ايران) والصراع العربى الايرانى يحدان من نفوذ ايران الى درجة كبيرة.

2- يرى تيار من المحللين ان ايران تنتظر سيناريو مماثل لما يحدث فى لبنان وذلك فى ولاية صعدة اليمنية، خاصة وان منطقاً واحداً يربط بين سياساتها فى العراق ولبنان وفلسطين وصولا الى اليمن. وفيه يكون الجانب المذهبى غير مهم وليس له الاولوية، لكن يكون الصراع مذهبياً واضحا فى العراق ولبنان واخيرا فى اليمن حيث التواجد الشيعى الذى تسانده ايران بدرجة او باخرى.

3- المشروع الايرانى الاقليمى له تجلياته الواضحة فى العراق ولبنان، لكنه ليس بهذا الوضوح فى اليمن، وان كانت هناك مجموعة من المؤشرات التى تبين هذا التدخل والتى لا ترقى الى مرتبة الاثبات وهى على سبيل المثال:

 - احتمالية تأثر حسين بدر الدين الحوثى بسيرة الامام الخومينى وبامكان تطبيق النموذج الثورى الايرانى فى اليمن، فى ظل ان والده   بدر الدين الحوثى قد اقام فى مدينتى طهران وقم بعد خلافه مع عدد من علماء المذهب بعد فتواهم بجواز الامامة لمن هم من غير    نسل الحسن والحسين وان الزمن قد تجاوز هذه المسألة، وقد جاءت تلك الفتوى منهم ذلك تفاديا للحرج مع حكام صنعاء الجمهوريين، الغير منتسبين للاسرة الهاشمية. ولم يعد العلامة بدر الدين الحوثى الى اليمن الا عقب الوحدة اليمينة، بعد وساطة عدد من علماء الزيدية لدى الرئيس اليمنى.

 - الحديث عن زيارات قام بها الحوثيين الى ايران وزيارات ايرانية الى اليمن، قيل انها تضمنت لقاءات سرية مع جماعات مرتبطة باتحاد الشباب المؤمن، الذى أسسه حسين الحوثى.

 - الدعم الاعلامى الايرانى فى سلسلة المواجهات العسكرية بين السلطة المركزية اليمنية والحوثيين وتركز فى الآلة الاعلامية لحزب  الله.

 - فى 21 اغسطس 2009 اعلن عن العثور على مخازن اسلحة ورشاشات واسلحة اخرى فى مواقع الحوثيين ايرانية الصنع او المصدر،  كما اعلنت السلطات اليمنية عن وضول سفينة تجارية ايرانية تحمل اسلحة للحوثيين.

دور المملكة السعودية

- يعتقد عدد من القادة الحوثيين بوجود تدخل سعودى فى الصراع بتمويل القبائل المحلية خلال الجولتين الرابعة والخامسة من النزاع، كما ذكرت فى المقال الأول، وذلك لتحجيم الوساطة القطرية. وهو الأمر الذى تنفيه السعودية.

- يري البعض ان وجود دور سعودى لن يكون مفاجئا نظرا للحدود المشتركة ولوجود تاريخ من التدخل السعودى فى السياسة اليمنية عن طريق قنوات دينية وقبلية واقتصادية، اضافة الى الدعم المباشر لميزانية الدولة.

- كانت السعودية تستضيف افرادا من النخبة الزيدية هربوا من اليمن بعد الثورة الجمهورية عام 1962.

- يرى البعض ان هناك مصلحة سعودية فى تحجيم سلطة الحكومة لمنع اليمن من ان تصبح منافسا اقليميا للسعودية.

- ترى ايران ان الولايات المتحدة الامريكية قامن بالوقوف وراء القرار الذى اتخذته السعودية بشن الحرب على الحوثيين فى نوفمبر (ذى القعدة) عام 2009 واراقة دماء المسلمين فى الاشهر الحرم.

- جاءت محاولات التجديد الحوثى ردا على انتشار السلفية فى صعدة، من خلال الامام السلفى السنى "مقبل الواضعى" الذى تلقى تعاليمه فى السعودية فى اواخر السبعينات، حيث اسس العديد من المعاهد الدينية ومعهد دار الحديث على مشارف صعدة. وقد اتهم الزيديين السعودية بمحاولة تصدير الفكر الوهابي لليمن.

- اعتبرت بعض الدول العربية ان اعتداء الحوثيين على الحدود السعودية يمثل اعتداءً على الأمة العربية كلها وتهديدا لدول الخليج وللامن القومى العربى.

دور الحوثيين:

- بعد التدخل العسكرى السعودى فى احداث اليمن عام 2009، والذى ادى الى فشل استراتيجية نقل الحرب من الحدود الى العاصمة صنعاء، كان امام الحوثيين خيارين:

1- الاستسلام، وخاصة مع بداية نفاذ المؤن.

2- استمرار المواجهة ولكن عبر ادخال عناصر اخرى فى النزاع وذلك لخلق ضعط دولى واقليمى يحولان الموضوع من شأن داخلى تواجه فيه السلطات الشرعية تمرد مسلح، الى صراع اقليمى وتدخل خارجى فى شان يمنى داخلى.  مما قد يساهم فى الضغط لفرض تسوية تقبلها الحكومة اليمنية وتضمن الاعتراف بالحوثيين ومطالبهم.

- ومن هنا بدأ بعض المحللين تبنى فكرة سعى الحوثيين الى الزج بالسعودية فى الصراع لاظهار ضعف الجيش اليمنى وعدم قدرته على حسم المعركة وحده، وبالتالى يحدث التدخل الدولى مما يفتح الباب أمام طهران للمزيد من المساومة على مد نفوذها الإقليمى.

- قد يكون لدى الحوثيين لنشر التشيع فى الدول المجاورة وخاصة جنوب المملكة العربية السعويدة حيث توجد فى عسير ونجران من يتبعون الطائفة الشيعية الإسماعيلية.

 

3- الأبعاد الدولية:

اتسم الموقف الغربى عامة والأمريكى خاصة بالسلبية تجاه ما يحدث للحوثيين، وذلك للاسباب التالية:

- عدم توافر المعلومات الكافية حول حقيقة الوضع، نظرا لصعوبة الوصول الى صعدة والمناطق المحيطة بسبب القيود التى فرضتها الحكومة اليمنية على المنطقة، وبالتالى لم يتم تقييم حجم الدمار الحقيقى.

- اتسم خطاب الحوثيين بمناهضة أمريكا واسرائيل مما اثار قلق الحكومات الغربية، ومما قلل من التعاطف معهم.

- صور المسئولون اليمنيون الصراع وكانه ضمن الحرب الواسعة على الارهاب، مستفيدين من قلق امريكا واوروبا بعد حادث 11 سبتمبر 2000.

- رغم كل ذلك لم توافق امريكا على ادراج جماعة الحوثيين فى قائمة المنظمات الارهابية. ايضا لم تقتنع امريكا بوجود تدخلات سعودية او ايرانية فى النزاع.

 

أهمية اليمن بالنسبة لدول التعاون الخليجى:

1- تعانى دول التعاون الخليجى من قلة عدد السكان مما ينعكس على حجم القوات العسكرية، والتى تبلغ 352 الف مقارنة ب 545 الف لدى ايران. وبالتالى كان الإعتماد على ادخال اليمن، 23 مليون تبعا لتعداد 2009، ضمن دول مجلس التعاون الخليجى لزيادة عدد القوات العسكرية بدلا من الإعتماد على الغرب فى تأمين دول المجلس، تبعا لاتفاقية اسطنبول عام 2004 بين دول المجلس وحلف الناتو وفيها اتفاق على التصدى للارهاب واسلحة الدمار الشامل وادارة الأزمات، وهى الإتفاقية التى سمحت بانشاء قاعدة عسكرية فرنسية فى سلطنة عمان قبالة مضيق هرمز.

2- نتيجة للمشاكل الاقتصادية والثقافية والإجتماعية التى اوجدتها العمالة الأسيوية فى دول مجلس التعاون الخليجى، كان هناك اتجاه بالإعتماد على العمالة اليمنية بديلا عنها تدريجيا.

3- كانت هناك دراسة باستخدام طرق بديلة عبر اليمن لتصدير النفط الخليجى، فى ظل تهديدات ايران المستمرة بغلق مضيق هرمز، الذى يمر منه اكثر من 90% من صادرات النفط الخليجية.

4- فى العموم كانت هناك العديد من العوامل التى تجعل من اليمن امتدادا طبيعيا لدول مجلس التعاون الخليجى.

5- يوجد تخوف من ان يواجه اليمن مصيرا مثل مصير الصومال فى ظل التنازعات القبلية فيه، وهو ما سيهدد منطقة الجزيرة العربية كلها وقد يمتد التأثير الى السودان ومنها لمصر. وساعتها سيكون الخليج العربى محاصرا بالعراق وايران واليمن والصومال وهى كلها دول غير مستقرة وتكاد تكون منهارة فيما عدا ايران التى تحمل الكثير من العداوة لدول الخليج، هذا سيؤدى الى انهاكها اقتصاديا وانفاق مالديها من اموال على التسليح.

--

بهذا الطرح تنتهى الدراسة التى حاولت ان استعرض فيها قدر الإمكان ملامح الصراع اليمنى الداخلى واسبابه وتداعياته من اجل الوصول لافضل الطرق المناسبة للتعامل معه. فالحوثيين لم ينزرعوا فى اليمن مثلما تم زرع داعش فى سوريا، وقد مرت عليهم فترات عديدة تعايشوا فيها بسلام مع المجتمع اليمنى وكان لهم تمثيل برلمانى ولم يحملوا السلاح وقتها ... وبالتالى من الخطأ وضعهم فى كفة واحدة مع انصار داعش.

ومن المهم ايضا ان نتفهم ان القبلية فى اليمن وسوء تعامل الحكومات المختلفة معها، بل تعزيزها وتمرير الأسلحة للقبائل لاستخدامها ضد بعضهم البعض، وهو ما ادى الى انتشار السلاح بصورة رهيبة حتى اصبح حمل السلاح من ملامح الحياة اليومية اليمنية.

إن المواجهة العسكرية لا يمكن ان تنجح وحدها فى حل الأزمة، فلا يمكن التخيل امكانية القضاء على الحوثيين تماما، سواء كعدد او كفكر، فى ظل مطالبتهم بحقوق سياسية واجتماعية واقتصادية كمواطنين فى الدولة، وهو ما يكفله القانون الدولى لهم طبقا لاتفاقية جنيف لعام 1949، والتى اعترف فيها المجتمع الدولى بحقوق الخارجين عن النظام الحاكم فى أى دولة ويحدد مالهم من واجبات ايضاً، ومنها ان يكون خروجهم من اجل مطالب معينة خاصة بحقوق متفق عليها عالمياً (كالعيش الآمن والعدالة الإجتماعية مثلا)، وهو ما اكدته مناهج الأمن الجماعى والتسوية السلمية للمنازعات.

وبالتالى يجب اللجوء الى الحلول الإصلاحية التى تضمن تحقيق نهضة سياسية واقتصادية شاملة فى اليمن لتحويلها الى دولة ديموقراطية متقدمة تحتضن كل اطياف المجتمع اليمنى .. هذا يتأتى فقط بالحلول السياسية السلمية القائمة على التفاوض بين كافة الأطراف اليمينة، باستغلال الثقل السياسى لدول التعاون الخليجى ومعها مصر، والوصول لنقاط اتفاق مشتركة تحقق مصلحة للجميع ونبذ اى حلول اقصائية من اى طرف، وهذا الأمر يكون غاية فى الصعوبة فى التحقيق فى حالة وجود صراع عسكرى نتج عنه سقوط ضحايا وزيادة الاحتقانات بين الأطراف المختلفة ... فلن ينصلح حال اليمن ابدا باستبعاد اى من فصائل الشعب اليمنى من المشاركة.

فيفيان ظريف

المصادر:

- اصدارات مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات – كلية الأقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة – الحرب فى اليمن بين التاريخ والمذهبية والسياسة - 2011

- مجموعة إدارة الأزمات الدولية، اليمن: نزع فتيل الأزمة فى صعدة – سلسلة تقارير الشرق الأوسط – تقرير رقم 86 – 27 مايو 2009

- اصدارات مؤسسة الدرر السنية - 2014

- ابحاث ودراسات ومقالات حول الشان اليمنى للسادة:

أ.د عصام عبد الشافى (كلية الإقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة)

أ.د إجلال رأفت (كلية الإقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة)

د. أيمن فؤاد السيد (مؤرخ منخصص بالتاريخ والحضارة العربية الإسلامية)

أ.د السيد رزق الحجر (كلية العلوم – جامعة القاهرة)

أمجد جبريل (باحث فلسطينى)

د. جعفر عبد السلام (أمين عام رابطة الجامعات الإسلامية)

أ.د أشرف محمد كشك (باحث مصرى)

السفير عبد الملك المنصور (مندوب اليمن السابق لدى جامعة الدول العربية)

حسن أبو طالب (مدير معهد الأهرام الإقليمى للصحافة)

د. مراد الماورى (جامعة صنعاء)

عبد الله عبد الكريم الدعيس (مستشار بالسفارة اليمنية)

 

  • Ali_Abdullah_Saleh_2004
  • badr_el_din_hothi
  • hussien_hothi
  • map_current_situation
  • map_of_yemen
  • yemen_states

Simple Image Gallery Extended