#فادى_رمزى يكتب: أبو أم المصالحة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سياسة

 

هل تعلمون من صاحب هذه الصورة؟

لمن لا يعرفه ارجو الإنتباه جيدا لحكايته، فنحن نحتاج الى التعرف عليها ودراستها جيداً، خاصة فى ظل بالونة الإختبار التى تصاعدت مؤخرا الى اجواء الفضائيات وشبكات التواصل الإجتماعية، الإلكترونية منها والشوارعية، والتى تحمل كلمة "مصالحة".

هذا الرجل هو القس الجنوب افريقى "ديزموند توتو" ... وهو من تم تكليفه عام 1996 بمهمة "المصالحة" بين المجتمع الأبيض والأسود فى جنوب أفريقيا، بعد عهود طويلة من العنصرية اريقت خلالها دماءُ كثيرة وزادت الإحتقانات بين ابناء البلد الواحد لدرجة بدت فيها ان عملية ازالتها مستحيلة.

وقد تم اختيار ديزموند توتو بعناية لوجود قبول مجتمعى له عند كافة الأطراف، وايضا لما يتمتع به من سمعة طيبة، وايضا لأنه قادر على العمل وسط معايير محددة تم الإعلان عنها فور قبوله تلك المهمة الصعبة ... فالثقة هنا لم تكن عميا او لمجرد السمعة الطيبة.

فلنتابع سويا ماذا فعل هذا المبجل توتو فى بداية عمله حين كلف بهذه المهمة ..

لقد ارسى القس ديزموند توتو قاعدة هامة جداً لعمل لجنته المسماه "لجنة الحقيقة والمصالحة"، والتى استمرت فى اداء عملها عامين متواصلين ... وهو كالتالى:

"ستحقق اللجنة فى كافة ما يصلها من جرائم عنصرية من البيض ضد السود او العكس، منذ بداية الأحداث العنصرية، ومن يثبت ارتكابه الجرم سيقدم للمحاكمة، ولكن من سيأتى للجنة ويعترف بارتكابه جريمة عنصرية من تلقاء نفسه ... فسيتم النظر فى إصدار عفو كامل عنه"

اهداف ارساء تلك القاعدة الذهبية هى اولا ان تعرف اسر الضحايا، من البيض والسود، مصير ابناءها، فأغلبهم اختفى فجأة بدون معرفة، فهل تم القبض عليهم ام قتلهم ومن ارتكب تلك الجريمة وكيف واين ولماذا وغيرها من الأسئلة التى قد تكفى معرفتها لتهدئة النفوس الملتاعة من فقد احباءها.

ايضا من ضمن الأهداف ان يعترف المجتمع بكافة الوانه ببشاعة ما ارتكبه العنصريين فيه، وبالتالى يتم مراجعة تلك الأفكار العنصرية بطريقة فعالة، وذلك بفضحها على الملأ وابداء مرتكبيها لندمهم على ما فعلوه، وذلك لضمان عدم تكرار تلك المرحلة السوداء مرة أخرى، وحتى يلتحم المجتمعان ويتفقان على ضرورة النهوض بالبلاد وتحقيق المصالح الوطنية المشتركة واقامة دولة قانون وديموقراطية ورخاء وعدالة حقيقية.

وكان بالطبع احد اهم الأهداف هو التوثيق التاريخى لكافة الممارسات العنصرية، من 1960 وحتى 1994، حتى تتاح للاجيال القادمة التعرف على جانب مظلم، ولكنه غاية فى الأهمية، من تاريخ بلدهم، مما يضمن وأد اى نزعات طائفية قادمة، مع توافر منظومة مجتمعية وتشريعية وسياسية متكاملة تساهم فى قتل تلك النزعات فى مهدها.

القس توتو بدأ فى ممارسة مهامه عام 1996، هو واعضاء لجنته المكونة من حقوقيين وناشطين وقادة مجتمعيين مختارين بعناية، وجاء عمل اللجنة وفقا للقانون رقم 34 لعام 1995 والذى ينظم عملها ويحدد اختصاصاتها وصلاحياتها، وكانت جلساتها تذاع اسبوعيا على الهواء مباشرة ..

وبسبب التحرك المدروس والواعى وتكاتف كافة مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى معه، والثقة المتزايدة تدريجيا فى نزاهة مقصده والتزامه بوعده .... انهالت على اللجنة الإعترافات واحدة تلو الأخرى، وتم اطلاع اسر الضحايا عليها بعد التوثق منها ...

وفى مرحلة لاحقة أصدرت المحكمة الدستورية العليا فى جنوب افريقيا حكمها بحق المجرمين فى الحصول على العفو الكامل، طبقا للقاعدة التى ارساها توتو، ولكنها اضافت تعديلا هاما وجوهريا ... وهو وجوب الحصول على موافقة اسر الضحايا على هذا العفو أولا.

انهى القس ديزموند توتو عمله وقدم مع اعضاء لجنته المبجلين تقريرا ختامياً خلال فترة حكم الرئيس نيلسون مانديلا، اول رئيس جمهورية اسود لجنوب أفريقيا، صاخب العبارة التاريخية الشهيرة:

We should (Forgive) but not (Forget) ... علينا أن نغفر بدون أن ننسى

جملة قصيرة حاسمة واضحة تمثل قاعدة ذهبية تحفظ الحقوق وتلزم بالواجبات ولا تضيع حق ما فات .. يقول مانديلا فيها لدعاة العنصرية اننا سنغفر لكم ما فعلتوه ... وهذا من كرم اخلاقنا، نحن القوى الوطنية الرافضة للعنصرية، ولأننا اتفقنا ان نزيف الدماء والإحتقانات يجب ان تتوقف من أجل التفرغ لنهوض بلدنا ... ولكننا لن ننسى، فالتاريخ موثق ومؤكد ودوما فى اذهاننا ... ليس للمعايرة ولكن حتى نتعرف جميعا على مساوىء ومفاسد العنصرية وحتى لا نعود ابداً اليها.

تلك كانت اسس المصالحة فى جنوب أفريقيا ... وهى كما نرى أسس عادلة وواضحة ومتفق عليها وتم وضعها بتوافق مجتمعى كامل وبواسطة جهات موثوق فيها وتعمل فى النور وتحترم كافة الحقوق، وهدفها الأول تحقيق العدالة والمصلحة الوطنية، وليس واحدة دون الأخرى او على حساب الأخرى.

لهذا يعتبر القس ديزموند توتو هو ابو المصالحة فى جنوب أفريقيا ... ويدرس منهجه هذا فى كافة حصص التاريخ فى جنوب افريقيا وخارجها، كنموذج ايجابى ناجح فى مجال تحقيق التوافق والانسجام الوطنى فى اى مجتمع مضطرب.

فبدون تلك الأسس العادلة والحاكمة والكاشفة التى وضعها "أبو المصالحة" يبقى "أبو أم اى مصالحة" ... فعندها ستتحول تلك المصالحة المزعومة الى مجرد جولة أخرى من جولات تقسيم التورته بين قوى الفساد فى بلدنا ... كل يحتفظ بعدها بنفس افكاره الباطشة الفاسدة ويؤجل تحقيق هدفه الأسمى بالسيطرة الكاملة على البلاد لمرحلة قادمة .. ونظل نحن ندفع الثمن مرة الأخرى.

الله يكرمك يا ديزموند توتو بحق نيتك الطيبة ... ويلقى بالعنصرية والطائفية والفساد والاهمال والإرهاب الى التهلكة.

فادى رمزى