#فادى_رمزى يكتب: نسيبه لربنا !!!

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سياسة

 

كان يمكن معرفة مدى مسئولية حسنى مبارك والعادلى وباقى قيادات الداخلية عن قتل المتظاهرين خلال احداث ثورة يناير، وذلك لو لم يتم طمس او افساد الادلة، مثلما حدث مع تسجيلات قيادات الداخلية خلال الثورة والتى تم محاكمة المسئول عن السيديهات التى تحتويها لانه "فرط" فى العهدة وتسبب فى اتلاف تلك السيديهات الثمينة ..

وبالطبع نتيجة لهذا ولعدم وجود باك اب، وهو الأمر الغريب بالطبع، بدا الشك فى اجراءات المحاكمة ومدى جدية النظام القائم، ممثلا فى النيابة، فى مواجهة من كانوا فى مواقع المسئولية وقت الثورة ... التى قامت ضدهم ... بما ينسب اليهم من جرائم بادلة دامغة.

اما الحجة المنتشرة حاليا، والتى تنادى باننا نسيب مبارك لربنا، قاضى القضاة الديان العادل، فهى حجة ساذجة للغاية فكلنا متروكين لحكم ربنا بعد مماتنا بكل تأكيد، ولكن اقامة دولة قانون وعدالة تستلزم وتستوجب محاكمة المخطىء خلال فترة وجوده فى الدنيا، بموجب تشريعات ومؤسسات تحقق العدالة الرادعة الناجزة ... فياريت ما نخلطش بين ده وده.

ولو اخذنا بنفس القياس لتركنا كل مجرم لعقابه الإلهى، ولغينا المحاكم او على الاقل لغينا درجات التقاضى واكتفينا بدرجة واحدة، ولو فسد القاضى فى الاستدلال او فسدت ذمة القاضى، مثله مثل اى انسان معرض للاغراءات والشهوات، واصدر حكما ظالما لاكتفينا بترك الأمر برمته للمولى .. صاحب الأمر من قبل ومن بعد بالتأكيد .. واكتفينا نحن بالتواكل والحسبنة.

بالتاكيد منطق مثل هذا يكرس من وجود الفساد، رغم قدسيته الظاهرة، فالمجرمون الفسده لن يرتدعوا ... لو كان يفرق معهم الحساب الالهى ما كانوا ارتكبوا الجرائم من الاساس ... ومن "يشاور عقله" فى اعتبار الفساد اسلوب حياة فسيرى ان الفسدة يفلتون بجرائمهم طوال حياتهم والمجتمع غاية فى التسامح معهم، وبهذا نشجع على الفساد اكثر مما نشجع على الفضيلة.

أما بالنسبة للفساد السياسي، جريمة مبارك الاساسية، والذى يقال انه من المستحيل اثباته لانها "تهمة مطاطية لا يمكن ايجاد دليل عليها" كما يقول البعض ... فهو جريمة يمكن بكل تأكيد وبمنتهى السهولة اثباتها ..

مثلا يمكن ان تراجع المبالغ المصروفة على التعليم مثلا خلال عهد مبارك ومراجعة جهات الصرف وقياس مستوى الخريجين فى المراحل المختلفة ... عندها سنكتشف حجم الفساد المرعب الذى حدث وكيف تدنى مستوى التعليم وكيف لم يحقق المرجو منه وتم السكوت على هذا التدنى فى المستوى طوال سنوات طويلة ... وبالتالى نحاكم مبارك وحكوماته بأدلة مثبتة ...

نفس الشىء يمكن عمله مع الصحة ونراجع الميزانيات والمصروفات ومستوى الخدمة، وكذلك مستوى كافة المرافق والخدمات الحكومية المختلفة والعقود الدولية المجحفة لحق الدولة والتى تقدم الهيئات الرقابية تقاريراً سنوية تكشف عن فسادها ... كل هذه أمور يمكن بالتاكيد قياسها وتوجيه المسئولية السياسية عن فساد تلك الامور لمن كان فى الكرسى وعلى راس النظام وقتها.

لكن المشكلة فى حقيقة الأمر تكمن فى عدم وجود القوانين اللازمة لتفعيل تلك المحاسبة ... وهو بالمناسبة ما طالب به قاضي "محاكمة القرن" فى نهاية الجلسة، حين اشاد بثورة يناير "الشعبية" كما ذكر ... لانها قامت ضد نظام فاسد سياسيا ولكنه ككقاضى لا يملك محاكمته جنائيا.

السبب فى تلك المعضلة ان مبارك وعصابته قاموا فى 2008 بالغاء كافة القوانين الخاصة بالتصدى للفساد السياسي والتى كان فيها ما يسمح بمصادرة اموال الساسة الفاسدين حتى يتم الانتهاء من التحقيق معهم ... وهو القانون الذى وضع وقت حكم أنور السادات وكلف بتطبيقه ما كان يسمى بالمدعى العام الاشتراكى ... ولكن جاءت آمال عثمان بايعاز من نظام مبارك بطرح موضوع الغاء القانون على مجلس الشعب وبالطبع ارتفعت الايدى بالموافقة.

لقد طالبنا خلال ثورة يناير تشريع قوانين تسمح بالمحاكمات السياسية لكن طبعا ماحدش سمع كلامنا، وبالتالى أصبح حسنى مبارك، المسئول عن كل ما وصل اليه حال البلاد حتى 24 يناير 2011، يحاكم منذ الثورة على مخالفات مالية خاصة بالقصور الرئاسية ... وكانه سمسار عقارات متهم بتزوير بعض العقود لتحقيق عمولات غير مستحقة  ... وحتى دى كلع منها براءة !!

هذا هو الوضع بلا أى تضخيم ولا تسطيح ... علشان نشوف كويس بعينينا وعقولنا كيف يتم النظر لحكم البراءة ... ففساد 30 سنة من حسنى مبارك "أكبر" بكثير من ان يتم تحديد مداه بناءا على حكم محكمة جنائية فى قضية قتل مرتبطة بايام معينة قرر الشعب وقتها ان يقول "جااااى .. كفااااية بقى".

فادى رمزى

(شكر خاص لصديقى الصحفى محمد رجب على تنبيهى للمعلومة الخاصة بالغاء قانون المدعى العام الاشتراكى، والتى ذكرت خلال حواره مع المستشار محمد إسماعيل نافع، عضو المكتب الفنى للنيابة الإدارية والقاضى السابق بجهاز المدعى العام الإشتراكى وأحد شهود العيان على جلسة مجلس الشعب عام 2008)

(الصورة المرفقة للوحة "العدالة" للفنان البرازيلى المعاصر فابيانو ميلانى)