#فادى_رمزى يكتب: إحنا الحبل يا صفية

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سياسة

 

" - عارفة يا صفية ... البلد بقت عاملة زى ما يكون فريقين بيلعبوا شد الحبل

- وإحنا يا سى حسن اللى قاعدين نتفرج ؟!!

- لأ ... إحنا الحبل يا صفية"

حوار قصير ولكنه غاية فى العمق ... دار بين حسن عابدين وسهير البابلى، ابطال مسرحية "ع الرصيف" التى كانت تعرض عام 1987 ... أى منذ 27 سنة ... مر علينا خلالها خمسة نظم حاكمة (معينة ومنتخبة ... دائمة وانتقالية). النظم كانت أسماءها متغيرة، ولكن الثابت الوحيد كان شعبنا ... فهو مازال يؤدى دور الحبل على مدى السنوات الطويلة بمنتهى الدقة والمهارة.

لقد تم شدنا كشعب بواسطة نظم تكرس الجهل والفقر والمرض حتى لا نعى ابدا ما يحدث لنا، وننشغل دوما بالجرى وراء ابسط امور حياتنا، ونصاب بالهزال فلا نقوى ابدا على المعارضة ... وبالتالى يسهل على كل النظم الفاسدة السيطرة علينا وتطويعنا او على الأقل تهميشنا وابعادنا حتى يخلو لهم الجو لنهب حقوقنا.

لقد تم شدنا بواسطة النظم الحاكمة والمعارضة ... فالمنظومة كلها تدور فى اجواء مسرحية، والطرفان يتصارعان مرة ويتصادقان مرة، فتلك هى اصول اللعبة ... فالمطلوب ليس ابدا ان يفوز احد الأطراف، مثلما هو المعتاد فى مسابقات شد الحبل، حيث يفوز الفريق الذى يشد منتصف الحبل ناحيته لمسافة معينة ..

المسابقة هنا تتطلب ان يبقى الحبل مشدودا لأطول فترة ممكنة، فاستعراض العضلات هنا هو الاساس، والحبل حين يكون مشدودا يضمن كل طرف انه سيظل ممسكا ومسيطرا على الحبل من ناحيته، فلا يسمح ابدا بان يلتف هذا الطرف حول معصمه فيقيد حركته ويمنعه من تحقيق مقاصده.

شدة الحبل المستمرة تعطى الشكل المطلوب لرسم صورة المنظومة الصحية القوية الشبابية اللازمة، والتى يشكلها فريقان بلاعبين عراض المنكبين "شلولخ"، يتبادلان جذب اكبر قدر من الحبل ناحيتهما ... وفى كل مرة تزداد مكاسب طرف ما تتحرك المنظومة لتمد الطرف الاخر بالقوة اللازمة لاستعادة زمام المباراة، ويتحرك الحبل للوجهة الأخرى، حفاظا على التوازن الطبيعى للفساد المصرى.

دولة عميقة ... وضعت اصول اللعبة منذ سنوات طويلة، حين رات اليغمة المطلوبة فى بلدنا المحروسة اسما والمنهوبة فعلا، فقررت ان تشكل عناصر المافيا  الاخطبوطية بأذرعها الواصلة لمفاصل الدولة المختلفة ... اذرع كل دورها ان تحافظ على الحبل مشدودا طوال الوقت، بشدات متتالية غاية فى الدقة والمهارة، متفاوتة فى القوة والاتجاه والمسافة.

شدتين اشتراكية ثم شدة راسمالية ... ثم ثلاثة شدات وهابية يقابلها شدة ليبرالية ... ثم شدتين اصلاحية تقابلها ثلاثة شدات عقود تخصيص مجحفة ... ثم شدتين صناعة محلية تقابلها اربعة شدات ديون ومعونات اجنبية ..

شدتين ديون على الفلاح الغلبان ثم يتم مراضاته بشدة خفيفية تعفيه من العقاب حين يتوقف عن السداد ... شدة تمكين للشباب ثم شدتين تخوين وارهاب ... شدتين اعتماد على القطاع الخاص ثم ثلاثة شدات ضرائب جزافية .. شدة محاكمات للمسئولين الفسده مع شدتان مماطلة وعدم كفاية الأدلة ... شدة تطرف تقابلها شدة تدعى الوسطية ... شدتين انعزالية وتكفير تقابلها شدة افطار وحدة وطنية.

شدات هنا وهناك ... مدروسة ومخطط لها ... حتى لا يفلت الحبل او يرتخى ابدا ... فالحرفنة فى ابقاءه مشدودا مرهق الجدائل والالياف على الدوام.

"احنا الحبل يا صفية" ... جملة عبقرية صاغها المؤلف نهاد جاد ... تلخص تاريخ حضارة السبعة الاف سنة من الشد المتواصل ... شد باحكام فرعونية مصرية المنشا واخرى مستوردة ... ولكننا تمكنا من البقاء مشدودين بدون ان تنقطع اوصالنا، وهى ظاهرة مجتمعية فريدة من نوعها، فاى حبل يتم شده بمثل هذه القوة وطوال تلك القرون السحيقة كان من الطبيعى ان ينقطع ولكننا اثبتنا ان حبالنا طويلة ومتينة ومبرومة بطريقة غير مسبوقة ..

ما ينقصنا فقط هو ان نلتف حول رقبة كل طرف فاسد يواصل شدنا، ونعتصره حتى يزرق لونه وتزهق روحه ويحل تماما عننا ... نستطيع بالتأكيد ان نفعلها، فقد كدنا ان نفعلها من قبل مرتين، فهل تكون التالتة تابتة؟

فادى رمزى