بين السيسى والصباحى .. معركة الوجوه الناعمة

كتب بواسطة: مارك كاسترو في . القسم سياسة

 

حان الوقت لنكتب عن السياسة مرة اخرى، فهذه هى المرة الأولى منذ عهد بعيد ، عاما او اكثر ، اشعر ان ثمّة ملامح محترمة للعملية السياسية بدأت ترتسم على الصعيد الداخلى. لست اعرف ان كانت الأمور تسير فى طريقها الصحيح ام لا و لكنها على أقل تقدير بدأت تسلك فى اتجاه مختلف، و هذا يكفينى فى تلك المرحلة على الأقل .

 

لقد عزفت عن كتابة المقال السياسى حين ادركت اننا سنصير اضحوكة كتب التاريخ اذا شاركنا، و لو بالحبر على الورق فى هذا الهراء الحاصل فى مصر منذ تأزم الوضع الداخلى، خاصةً مع مرور الأشهر الأولى فى حكم الرئيس مرسى ... فحينما استحال الوضع وقتها الى مشهد اقرب بالمسرحيات الهزلية ، يكون من العبث ان نقوم بتفسير ما لا يُفسر ، او ان نقوم باصلاح ما غمره الفساد و تملك منه .

اما انه فى يوم الحادى عشر من فبراير ٢٠١٤  اعلن حمدين صباحى خوضه جولة انتخابية جديدة، كذلك فى نفس اليوم، و فى اى موقع يقع عليه بصرك من ارجاء الوطن، تتعالى الصيحات المطالبة بترشح السيسى لرئاسة الجمهورية ... فتلك هى بارقة الأمل التى تؤهلنى للإمساك بالقلم مرة اخرى.

 

فالآن على الأقل اصبح لدينا القدرة على اختيار احدهما _ اذا صدّق السيسى على قرار ترشحه _ دون ان نلجأ الى الاتفاق على واحد خشيةً او تجنبا من نجاح المرشح الآخر. قُدّر لنا اليوم ، فى رأيي ، ان يعتمد اختيارنا اخيرا على ما هو ارقى بكثير من مجرد الخوف، فنحن امام شخصين كلاهما استطاع ان يحفر اسمه فى قلوب المصريين على اختلاف ما فعلاه.

180214 article1 photo

فالأول استطاع ان يحصد ملايين الأصوات من الشباب الذين علّقوا آمالهم عليه، بل و لازالوا يرونه حلماً تمثّلت فيه اهداف الثورة المصرية ، قدر على الوصول الى مختلف الفئات بكاريزمته الواضحة و كلماته الحماسية و خطابه السَمِح .اراه يستحق فعلا للقب " واحد مننا " .

 

اما الثانى فالحديث عنه يطول ، استطاع ان يأسر قلوب الجميع بلا منازع/ حالفه الحظ فى ان يتواجد على رأس الجيش فى فترة دقيقة ، أهلّه منصبه لأن يكون المنقذ المنتظر لكل شعب مصر من هذا الإستبداد الذى كاد ان يفتك بقلب الوطن . قاد انقلابا راق الى الشعب و اطاح بجماعة افسدت ما للشعب من امل فى نجاح ثورته

 

منافسان ، اذا سارت الأمور كما تتضح بوادرها ، سيحدث بينهما سباق شرس على مقعد الرئاسةو لكن دعونا نتطرق لما هو اهم ! ، اذا سألتنى عن ملامح البرنامج الانخابى لحمدين صباحى فسأقول بكل الصدق انى لم اعبأ ابداً بمعرفة برنامجه !اما اذا سألتنى عن برنامج المشير السيسى الذى جعل كل شعب مصر يتهافت على اعلان ترشحه ، فستكون اجابتى بأن السيسى لم يحسم امر ترشحه بعد ، اذا و من المفترض ان ما من مشروع قد تم التصريح و لو بملامحه من الأساس !!

 

اذا هنا يثور السؤال ، من أين جاء المصريون بكل هذا القدر من الحماس الذى قد يتجاوز الحدود فى احيان كثيرة لدعم مرشحٍ منهما ؟!

حقيقة واضحة يجب ان تعيها ايها القارىء العزيز ، ان الشعب المصرى لازال فى طور نموه السياسى ، لازالت تأسره الكلمات البرّاقة و تحلو له العبارات التى تلعب على اوتار الشجن . و فى هذا ارى ان صباحى و السيسى قد نجحا بامتياز فى اجتياز المراحل العليا من تلك الملكة الكاريزمية ، فالأول قال قبلا : سأصير خادما للشعب ، و الثانى صرّح : انتم نور عينىّ ..


اختيار صعب أليس كذلك ؟

 

كلاهما يملكان فنون الكلام التى بها يحصلان على مفاتيح قلوب المصريين . و للعلم انا لا اسخر و لا اشكك فى وطنية احدٍ منهما على الاطلاق ، انا فقط احاول الوقوف على المعايير التى يختار على اساسها المصريون رئيسهم ربما لن تجد عندى اجابة شافية لحسم قرارك فى اختيار احدهما ، لكنى على الأقل سأحاول ايضاح معاييرى الشخصية التى على اساسها سأختار بين الرجلين . فمادام الاثنان يتّبعان نفس الأسلوب فى التقرّب لهذا الشعب العاطفى ، علينا اذا ان نحاول التنقيب فى اعماق جديدة !


ماذا اريد من الرئيس القادم ؟


اولاً ، اود من الرئيس القادم ان يطوى صفحة العهد الماضى بكل ما بها من ملابسات ، لا اود رئيسا فى يده آثار فض اعتصامى رابعة و النهضة . لا اريد ان ارى رئيسى توجه له ذات الأسئلة فى كل محفل يذهب اليه : لماذا تم فض الاعتصام بالقوة ؟ هل ما قمت انت به كان ثورةً ام انقلابا ؟ هل كانت حملة تمرد غطاءا لما يخطط له الجيش ؟

 

ببساطة اريد رئيسا نحاسبه منذ اللحظة التى يدخل فيها قصر الرئاسة ، فقط

 

ثانياً ، قد يتهم البعض حمدين صباحى بأنه تحالف مع الاخوان - و ان كنت اشكك فى هذا - فانى اتساءل اذا ، فاذا كان صباحى قد مدّ يده فى يد الاخوان ، فأمام من اذاً حلف السيسى اليمين الدستورية ؟!!!

 

ثالثاً ، ذلك الادعاء ان السيسى انقذ البلد من الطغيان اما صباحى فماذا قدم غير الهتافات !؟ هذا ايضاً ادعاء يفتقد الى التروى بعض الشىء . كلنا نعلم ان المنافسة لا تتم الا بين قوتين متكافئتين ، و انى لأتساءل ، هل اعطيت حمدين صباحى جيشا و قوة عسكرية و محبة شعب بأكمله ثم تقاعص هو بعدها عن انقاذ الشعب ؟ لا تقم بالمقارنة بين رجل عسكرى يمتلك الجيش و السلاح و بين رجل مدنى ليس فى يده سوى القلم و الورقة !

 

رابعاً ، اريد من الجيش و قادته ان يتركوا مثلا رائعا للعالم كذلك للأجيال القادمة ، مثلا يضفى على المشهد بريقا من الوضوح و انعدام الخبث ، حتى تكتمل الصورة التى فى مخيلتنا : جيشاً يرى فى بلاده فى ازمة ، فيشمر عن ساعده و ينزل ليجوب البلاد بحثا و تنقيبا عن اعداء الوطن ، و لما انتهت مهمته عاد الى دوره الأصيل تاركاً ما للشعب للشعب! ذلك هو ما تسعى اليه المدنية الحديثة ،

 

على فكرة انا مابكرهش السيسى !هو رجل عظيم ، فعندما تخرج الملايين الى الشوارع لمجرد ان رجلا طلب منها تفويضا ، فاعلم انك تتحطث عن اسطورة بكل معنى الكلمة !  

 

ان المشير السيسى يذكرنى بداود النبى كاتب المزامير ، قد تستعجب ؟ حسنا اقدر ذلك . دعنى اوضح . حين اراد هذا النبى ان يبنى فى آخر حياته هيكلا ليعبد الله ، تُرى ، ماذا كان جواب الله على امنية قلبه ؟
     "
وَلكِنَّ اللهَ قَالَ لِي: لاَ تَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي لأَنَّكَ أَنْتَ رَجُلُ حُرُوبٍ وَقَدْ سَفَكْتَ دَمًا.  هكذا كان الجواب !

 

هل كره الله داودَ ؟ على العكس تماما ، فلقد كان معه منذ البلوغ و الى المشيب ، قاده فى انتصارات عديدة و جعله ملكا على امة عظيمة ، و لكن هذا لم يمنع الله من تحديد مهامه على الأرض ، فيدٌ تحقق نصرا و يدٌ اخرى تبنى بيتا لله . ذلك هو التكامل الانسانى الذى نسعى اليه.  و بالفعل جعل الله بناء الهيكل لابنه سليمان الذى خلا عهده من الحروب .

 

ذلك هو موقفى و اعلنه صراحةً ازاء ترشح السيسى ، و اعتذر للقارىء اذ كنت قد وعدته فى مبتدأ المقال الا افرض عليه رأيا بل اكتفى بعرض المعايير ، لكن ثمًة اوقات يتوجب علينا فيها ان نكون بالوضوح الكافى لعرض افكارنا .

 

نهايةً ، لست متخوفا من اى اختيار سيتبناه الشعب بعد اقل من شهرين . اختياران موفقان وان كنت اميل بالطبع الى احدهما.  

 

مارك كاسترو