لماذا شوهت الى هذا الحد؟

كتب بواسطة: مارك كاسترو في . القسم سياسة

 

ashton

لازالت هذه العبارة تسطع فى ذاكرتى كلما هممتُ بالكتابة عن الأوضاع المتخبطة و المشاحنات البغيضة ، تلك التى تمثل العاصفة و الأمواج بالنسبة لقارب الوطن المتعثّر . قاربٌ هجره ملّاحوه قبل طلوع الشمس ، و ارتعشت أيدى المسافرين على متنهِ اثناء محاولاتهم الركيكة للسيطرة على ما بقى من هذا الهيكل الخشبى المتهالك فى مواجهة قوى النهر العنيفة ..
يقول باولو كويلو " حتى أكتب عن الجنس كان علىّ ان افهم لماذا دُنِس الى هذا الحد " ، و من هذه العبارة اكون اخرى على شاكلتها و اقول  " حتى أكتب عن مصر .. كان علىّ ان اكتشف لماذا شوهت هى و شعبها الى هذا الحد " ..
قد تكون تلك الاحداث الجارية على الساحة هى إحدى سمات مرحلة ما بعد الثورات بحيث يكون التعثّر بالقدر المعقول فى تلك المستنقعات المظلمة هو امرا معقولا بل و طبيعيا جداً لقطر عربى كبير تعرض لموجات ثورية كبيرة ايضاً .. إن الذهاب الى هذا التفسير او الزعم خلال الوضع الراهن قد يكون كفيلاً لإعطاء ما يكفى الثائر المصرى من الهدوء و الطمأنينة الحذرة ، بل و قد يتضاعف تأثيره الى حد الإحلال و التجديد لهذا الطلاء الباهت من اليأس و الحسرة التى اصبحت كالنوبات الصرعية التى تنتاب الشارع المصرى من حينٍ لآخر .
اما التفسير الآخر للأوضاع الجارية قد لا يلائم الأنفس التوّاقة لساعة النصر الاخيرة التى لا يليها خيبةٌ . ان التفسير الأسود الثانى يصب فى مصلحة تلك المصطلحات المبهمة و الأسماء غير المستساغة التى وجدت لنفسها مكاناً على السطح ، فعن امريكا و ماكين اتكلم و عن الغرب الأوروبى لا اغفل و عن تركيا اردوغان اكتب مقالى و عن الجزيرة مباشر اتجه ببصرى .. كلها اسماء ابت ان تعلن -الا القليل منها- عن هويتها بشكل حقيقى خلال الفترة المنصرمة ، بل تغلفت جميعها فى اسم " جماعة الاخوان المسلمين " . و لكن يؤسفنى القول بأنه بعد إنهيار دولة المرشد علينا التعامل مع كل تلك الكيانات كلٌ على حدة ، غير غافلين بأن لكلٍ منها مصالحها الخاصة تبعاً لموقعها الجغرافى و وفقاً لمكانتها فى العالم الجديد !
رجوعاً للجملة التى نسجتها من وحى الروائى البرازيلى باولو كويلو ، و استناداً على التفسير الثانى للاحداث الذى يرى ان ما هو حاصل فى مصر قد تعدى كل الأُطر الطبيعية لتبعات الثورة . فإن مصر التى اتمت الموجة الثانية من ثورة الخامس و العشرين من يناير اصبحت فى حالة جد يُرثى لها : اضمحلال فكرى و ثقافى من الداخل يقف عوناً على غفلة من اصحابه لصالح التكتلات الكبرى التى تحوم من الخارج .
كلها قضايا و نقاشات تُفرد لها المقالات و الصحف و تعج بها كتب علم الإجتماع و التاريخ ، و لكن اللافت للنظر فى الايام القليلة الماضية هو التشويه المتعمد للإرادة الشعبية الخالصة التى اقرّتها الملايين فى الشوارع . ففجأة اجد مصر مزارا للدبلوماسيين الأجانب ، الذين دخلوا مصر دون إذن اهلها ، بل و وصل تجاسرهم الى الحد الذى جعل كل منهم يطلق الحكم الذى يلائم الأجندة التى جاء من اجل دعمها ؛ فمن قامر بكرسيه من اجل وصول الاخوان لسدة الحكم لن يملك الا ان يندد بالانقلاب العسكرى الغاشم ، و من تزعزع سُلطانه مع سقوط تيار الاسلام السياسى سيجد فى التبشير بالانقلاب كارتاً اخيراً للبقاء على كرسيه .
ذلك هو التشويه الذى أردت القاء الضوء عليه ، فمن يملك الحق من خارج الوطن ان يأتى على غير رغبة المصريين ليصدر الأحكام و يئول الحقائق " مستعبطاً " الشعب ؟! من اخرج تصريحا بتحويل مصر الى مزار لمن هو بالخارج ليأتى و يزور الرئيس السابق وقتما يشاء ؟
مختصر القول ، ان الشعب وحده هو من يدير البلاد و هو وحده من يملك شرعية الاقرار بالثورة و ليس لأى احد ادنى حق فى تسمية اى عمل يقوم به هذا الشعب ، ثورةً كان أو انقلاب