#نبيل_النجار يكتب: بيت بلا جدران !!

كتب بواسطة: نبيل النجار في . القسم انسانيات

 


خلفها تجد روحك التائهة بين كل لبنه ، فدائما ما كانت هى أنين حلمك المكبوت ودقات قلبك النابض بالحياه ، فيها ولد حلم وسارت فى اساساتها فطرة ممتزجة بحب ثائر فى نفسك على الخلايا الفاسدة من الجسد، كى يجدد شباب عمرها فى تطور مراحل تكوينك منذ الطفولة ثم الصبا، إلى ان تنتهى لخريف العمر ... وبين جنباتها حضن اسرى من اب وام واخوة وزوجة يحتويان ما بداخلك .

اوطان قلما تجدها، حتى وان طاف خيالك بالمجرة الارضية مستخدما كل اساليب الوصول، وجالسا على بساط سحرى وترى عجائب الدنيا وجمال المشارف والأبنية ... ناطحات شاهقة تلمس السحاب فتخترقه ليخرج عن طبيعته المعتادة التى ارتاحت لها اعيننا .

هى لا ترمز للمادة على الاطلاق فى الجمال ، بينما يكمن جمالها فى روح تعيش بداخلها وبها ، وتشتاق اليها فى كل لحظة كى تأخذ قدر من الهدنه عندما تؤرقك رحلة الحياه .

انه سحر البيوت ، قد تكون داخل بيت كبير عظيم لكنك عارى البدن منهك النفس لا تجد سبيلا للراحه والإطمئنان ، فقط عندما يكون البيت بلا جدران ؟؟

ليست الجدران من طوب فاخر لكنها معنوية الكينونة ، منها ما يحمى الصلات ويرقى بالمشاعر ويعظم الحب .

أما عن الصلات ففى القرأن " قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ "

وفى الإنجيل " اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ. كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْرِ. ١٠ وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ، مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَة "

عظمت الصلات بهذه الركائز السماوية فيالها من عظمة تسمو فيها معانى الأخوة ، بالفعل هو رحم واحد يجمعنا ودم واحد يسرى بين عروقنا ، نرى الكثير ونحب الكثير صديقا كان ام رفيق ولكن يبقى الاخ هو السند الذى يشتد عضدنا به عندما تقسو علينا الايام ولا نجد ملجأ نرتمى بداخله سواه .

فلا يجب أن تفرق الايام بيننا وبين احبتنا ، وهنيئا لمن تغافى من اجل بقاء الود ، هكذا تكون الصلات فهل عملنا بها ؟!!

واما عن المشاعر فهى القوة الخفية التى تحركنا وتترجم اللغة الانفعالية التى يحملها القلب للإنسانية وتنعكس فى تعاملنا مع الاخرين ، لكى تكون صادقة يجب ان تكون النفس طاهرة ونقيه بكلمة طيبة تحسن لمن يسئ اليك وتحفيز مستمر لذاتك، ورغبة حقيقية فى التغيير، حتى وان كانت مجرد افكار وخواطر طيبة.

فيقول ابن القيم - رحمه الله -: "واعْلَم أنَّ الخاطرات والوساوس تؤدِّي متعلقاتُها إلى الفكر فيأخذها الفكرُ فيؤدِّيها إلى التذكُّر، فيأخذها الذِّكْر، فيؤدِّيها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة، فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم، فتصير عادة "

واما عن الحب فتاخذنا المشاعر الطيبة لرحلة نفسية ومعنوية نحو حديث الروح ونغم القلب الراقص فى اسمى معانيه ، ما اجمل ان يكون الحب عفيفا صادقا لا تخالطه غريزة حيوانية وشهوة بالية تذوب مع الزمان ، تحميه هذه المشاعر فتجعل منه منارة تهتدى بها نفوس تائهة وأعين مبصرة لكنها فقدت البصيرة.

يرى المحب فى حبيبه كل شئ ... بيتا ووطنا يحتضن كل اجزاء خلاياه ويخلق نبعا من المياه كى تروى ظمأه وجفاف قلبه.

ليست الرومانسية حلقة درامية او مشهد سينمائى جميل، تحيط به جميع المؤثرات البصرية والحسية كى تأخذك لعالم مثالى ، ولكنها حقيقة ومواقف وعزيمة ونصف آخر يشاركك فى كل شى .

فى الحب تجد قصة أبى ربيعه الفقيه
عندما ماتت امرأته دفَنها، ونفض يديه، ثمَّ رجع إلى داره فحَوقَل واسترجَع، وبكت عيناه، ثمَّ قال يخاطبُ نفسه:- الآن ماتت الدار أيضًا يا أبا خالد ... قالها وقلبه متصدِّعٌ، ينزف وجعًا، وتهاوت روحُه إلى ما يرهقها، قال : - ماتت الدار.

وظلَّ وحيدًا بها يكابِد من الغربة والوحشة والفقدِ ما أقضَّ مضجعَه، وأوهن عيشه؛ لأنَّه عليمٌ بأنَّ سعادة البيوت وجمالها وطيبَ عيشها لا يكون بجدرانها، ولا فاخر أثاثها، وعلوِّ طباقها؛ إنَّما يكون بتلك الروح التي تسكن أنت بها.

معنى السَّكَن هو أن يرزقك الله برفيقةِ دربك، تكون لك الأهل والصحب والسند، فتسكن معها، وتعيش بها، وتأنس إليها، وتطمَئن لقربها، فإنْ أهمَّك من أمر الدنيا ما أعجزك، فلن تجد في دنيا النَّاس مَن تسكن إليه ويزيل عنك، ويطيِّب خاطرك ويسامرك بما تهدأ له سوى رفيقة دربك.

هنا تكتمل اركان البيت وحقيقة الجدران ، جدران حياتنا كلها ماضيها الطفولى وروحها الصبيانيه وربيعها الزاهى بين تجاعيد الخريف ، لتبقى خطوط العمر مشرقه بألوان السعاده ودفئ البيت ورضا النفس وقوة الصلات وطاقة الحب وصدق المشاعر ، هكذا تكون
هى النهاية قبل ان تكون البداية ، نهاية عالم وقيامة عالم آخر ترحل فيه المناصب وتزول فيه الاموال ، وتبقى سيرتهاالعطره تتجدد فى مجالس الصالحين فتكشف سر الوجود وماء الحياة .

نبيل النجار