#غادة_بدر تكتب: مطلقات في المنفى

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 


في الأعوام الثلاثة الأخيرة كثرت زيارتي الي القاهرة ... فلم يكن يمضي شهر او اثنان الا واعاود ادراجي مرة اخرى لأرى الغالية .. أمي.

وكأن امي قد قررت قبل ان ترحل ان تترك لي ارثآ بشريآ ... قررت امي، دون تخطط، ان تعيد لي شرايين الحياة مرة اخرى ... فقد اعادتني امي بيديها الي غادة التي تركتها منذ اكثر من عشرون عاما مضت.

زياراتي المتكررة للوطن انعشت ذكرياتي، ومهدت لي طريق العودة مرة اخرى. ففي كل زيارة كنت استعيد جزءً من الماضي وجزءً اخر من صديقات الطفولة.

نيفين كانت اول صديقة ذهبت الي حفل خطبتها ... فلقد خطبت نيفين بعد قصة حب عمرها عامين من جارهم محسن (ساكن قصادي وبحبه) وكانت حينها نيفين في الصف الأول ثانوي، اي في الرابعة عشرة من عمرها !!!

كان محسن وقتها داخل على الخمسة وعشرون، ضابط جيش مكتمل الرجولة .. كنت أراه انا وصديقات نيفين كفارس الأحلام او بطل فيلم سينمائي ابيض واسود، ونتعجب ونضرب كفا على كف ... ما هو الشئ الذي سحر محسن في هذه الطفلة الصغيرة، فلم تكن نيفين يافعة ... يعني طول بعرض ... او شاسية زي ما بيقولوا .. بل في الحقيقة كانت تبدو اصغر من عمرها، فقد كانت تبدو كتلميذة في الايتدائي، فبالتالى كنا نتعجب كيف لهذه الطفلة ان تخطف قلب هذا الشاب اليافع الذي تتمناه كل الفتيات.

لم يستطع محسن ان يفي بوعده لأم نيفين، وينتظر اعوام واعوام على الزواج منها، فقد كان الوعد ان يتم الزواج بعد إكمال نيفين تعليمها ... ولكن الحب كان قد تملك منه، فأعلن لهم انه يريد الزواج بنيفين بعد عام واحد من الخطبة ... وهكذا تزوجت نيفين وهي في الخامسة عشرة من عمرها !!وكانت اصغر من السن القانوني للزواج، وعليه تم تزوير شهادة ميلادها لإتمام إجراءات الزواج !!

يومها دعت نيفين كل أصدقائها في المدرسة الي حفل الزواج ... اتذكر يومها ان يد الكوافير حاولت ان تجعل نيفين تبدو انسة يافعة، وان تخفي ملامح وجهها الطفولي، ولكن ما ان رائها محسن حتى هاج وماج واصر ان تغسل نيفين وجهها من الميك اب وان تسدل شعرها خلف ظهرها كعهده بها .....فقد أراد أن يراها كما رأها اول مرة وهي في سن العاشرة ... وكعادتها معه اطاعته نيفين ... وبدت معه في صورة العرس كتلميذة هاربة من مدرستها.

وبأختلاف طريقينا غابت عنا نيفين وغابت أخبارها ... فقد أصبحنا في طريقين مختلفين/ ولكن بعد مرور العمر تتلاقى الطرق دائما. صادفت نيفين بالصدفة وانا في انتظار التحاليل الطبية لأمي في احدى معامل التحاليل بالمهندسين. لم أعرفها للوهلة الأولى فقد تغيرت كثيرا ... لم تعد طفلة. وضاعت البراءة من وجهها وكسى وجهها الألم وخيبة السنين.

تبادلنا ارقام هواتفنا ... وفي زحمة انشغالي بمرض امي نسيت نيفين ونسيت رقمها، ورجعت الي الكويت وبعدها فجأة وجدت مكالمة من الوطن.

كانت نيفين .. لا اعلم لماذا هاتفتني ولكن الذي اعلمه انها كانت تحتاج ان تفضفض الي شخص يفهمها ويشعر بآلامها ... شخص من الماضي الذي تشتاق له كثيرآ ... شخص لم يكن شاهدا على حاضرها. وقد كنت انا هذا الشخص.

هكذا بدأت نيفين حديثها ..

كانت الأعوام الأولى في زواجي مثل الحلم ... عاملني محسن كالأميرة. تعاهدنا انا ومحسن على الا ننجب أطفالاُ الا بعد مرور خمسة اعوام على الأقل، فقد أراد محسن أن يشبع مني ... فقال لي بالحرف الواحد ستكونين طفلتي وزوجتي وعشيقتي وكل ما لدي في هذه الدنيا، وبالفعل وفى محسن بعهده معي ... فقد ظل لمدة ثلاثة أعوام يعاملني كأبنة مدللة ... حتى ملابسي كان بشتريها لي من محلات ملابس الأطفال، وقد ساعده صغر حجمي على ذلك.

ولكن بعد انتهاء العام الثالث ظلت حماتي تلاحقني بأمنيتها في ان ترى حفيدها ... وانه من الخطأ أن نؤجل الإنجاب في بداية حياتنا، وظلت تبث في قلبي الخوف من أن الله قد يعاقبني بالعقم بعد ذلك.

بصراحة يا غادة مش هخبي عليكي خفت، فحاولت ان افتح الموضوع مع محسن لكنه رفض تماما الخوض في الحديث ... بل قرر اننا لن ننجب قبل مضى سبعة أعوام، وليس بعد عامبن كما كان قرارنا في بداية الزواج ... وذلك لأن حياته هكذا سعيدة.

لم يكن أمامي سوى الأنصياع لأوامر محسن، فأنا لم اعتد ان ارفض له طلباُ منذ زواجنا، فقد كان محسن هو ولي امري بكل معانى الكلمة .. ولكن نفسيتي كانت قد تأثرت وبدء الحزن يملؤني وتولد لدي شعور ان هناك الكثير ينقصني ... فقد كان ينقصني بالفعل ان اصبح أماُ.

وعندما وجدتني امي حزينة اقترحت علي هي وحماتي ان اضع محسن امام الأمر الواقع ... هكذا قالت لي امه ان هذه سياستها مع أبيه، ولطالما قد نجحت معه ... راق لي كلامهما كثيرا، وبالأخص عندما وعدتني حماتي ان تقف معي حتى النهاية وان تجعل محسن يصفح عني. وكان كل ما علي ان اجعل حملي سرا حتى اصل الي شهري الخامس، وعندها لا يمكنه التخلص من الجنين، فنصارحه معآ كلنا في جلسة عائلية.

وبالفعل حملت من محسن .. وكتمت الخبر عن محسن وساعدتني نحافة جسدي على عدم انتباه محسن للحمل وهكذا مر الشهر الأول والثاني.

وعندما بدأت في شهري الرابع فاجئنى محسن بأكتشافه اني حامل، قالها ثم صمت للنهاية ... فلقد تاه عني ان محسن لم يكن زوجا عاديآ فقد كان يعشقني الي حد الهوس ويحفظ كل قطعة في جسدي بكل مقاييسها، وبالتالى سرعان ما اكتشف التغييرات البسيطة التي طرأت علي في الشهور الأولى من الحمل.

لم يثر محسن كما كنت اتخيل ولم يطلب مني كما كنت اعتقد ان اتخلص من الحمل ... ولكن كل ما حدث ان محسن انزوى على نفسه وظل صامتا، ونقل كامل اغراضه الي الغرفة الأخرى في منزلنا ... التي كان في نيتي ان أعدها للطفل القادم ... حاولت مرارا وتكرارا ان اقتحم صمت محسن واكسر عزلته عني ولكن محسن كان يهرب حتى من النظر الي ... جريت الي حماتي حتى تساعدني كما وعدتني من قبل، ولكنها فشلت ورجعت الي بخفي حنين، وعندما عاتبتها انها السبب فيما انا فيه وذكرتها بوعودها لي ... قالت إنها وعدت ان تقف بجانبي وات تحميني من ثورته ولكن محسن لم يثر ولم يغضب، بل زهد في حياته معي وانسحب منها مفضلا التقوقع على نفسه ..

طمأنتني امي أنه بمجرد أن يرى محسن ولي العهد سيصفح عني ويستأنف حياته معي كما سابق عهدنا ..

و هكذا مرت الخمسة أشهر المتبقية على الولادة وانا على احر من الجمر ... فقد كنت اعيش ولا اعيش ... حتى جعلني ذلك أكره حملي وطفلي قبل ان اراه ... فقد كنا نعيش انا ومحسن كالأخوات وأنتظرت ان يتحقق كلام امي بعد قدوم ولي العهد ... ولكن محسن فاجئني مرة اخرى ايضا ... فلم يأت الي المستشفى عندما كنت أنجب ابنتي هيفا، وأرسل الي ابيه ليسجل ابنتنا بأسمه.

مر عام ... اثنان ... ثلاثة ونحن على نفس الحال ... واصبحت غرفة الاطفال هي غرفة محسن ... وغرفة نومي هي غرفتي انا وهيفا.

يخرج محسن كل يوم الي عمله ويغلق غرفته بالمفتاح ... غير مسموح لأحد بدخولها ... حتى تنظيفها كان من اختصاصه ... لا يتناول معنا اي طعام... فقد عزل محسن نفسه عنا تماما.

عام وراء عام ... يمر ... اعوام كثيرة ايضا تمر ... تعبت من عدها ... وأنا أرى حياتي تذبل امامي ... فلقد افقدني صمت محسن زهرة شبابي ... سرق عمري ودفنه معه في صومعته الجديدة.

وبعد مرور اكثر من عشرين عاما على زواجنا كنت وقتها في أواخر العقد الثالث من عمري ... اتصل بي احد زملاء محسن في العمل وابلغوني ان محسن قد اغمى عليه في العمل حيث انتابته نوبة سكر ... فاتعجب واسأل نفسي هل محسن مصاب بالسكر ؟؟ ... فقد كنت لا اعلم عن محسن الكثير.

صحوت على سؤال زميله عن اسم دواء السكر الذي يتناوله محسن حتى يشتروه له .. ولكني ايضا لا اعرفه ... فقررنا انه سيرسل عسكري من القسم لأجلب له الدواء من غرفته ... أغلقت الهاتف واسرعت الي غرفة الأسرار حاولت فتحها ... لم اتمكن ... وعندما وصل العسكري تطوع بكسر باب الغرفة ... بحثت عن الدواء ووجدته بالفعل واعطيته له ... خرج العسكري مسرعآ ... وظللت انا واقفة فى غرفة الأسرار ابحلق في جدرانها المزانة بصور الفتيات.

نعم فتيات يا غادة يا صديفتي ... فتيات في عمر الزهور ... فتيات كثيرات لا أعرفهن ... وفتيات اخريات اعرفهن ... هذه فتاة في الثانية عشر من عمرها وفتاة في الثالثة عشر لا اعرفها ايضا، وأخرى أعرفها في الحادية عشر ... بنت الجيران ... وهذه اتذكر رأيتها ذات مرة تركب باص المدرسة فهي تقطن في البناية التي أمامنا ... كلها صور حقيقية ... التقطها محسن لهم خلسة ... او سرقها منهم ... لا أدري ... ولكن كل ما ادريه ان كل هذه الفتيات كانت تشبهني يوم ان خطبني محسن ... كل هذه الفتيات كانت تشبهني يوم ان تركني محسن اجف وينشف عودي.

احسست ان الارض تدور بي، وقبل أن اقع على الأرض وجدت يدا تلقفني ... كانت يد محسن ... فبعد ان تناول الدواء وافاق من غيبوبته وعرف من العسكري اننا قد كسرنا باب الصومعة ... تركهم مسرعا وجرى كالمجنون حتى وصل المنزل. لم يكن هناك داعي ان يشرح لي محسن من هؤلاء الفتيات... فقد كان كل شئ مكتوبآ على وجهه.

وهكذا عندما افقت من صدمتي طلبت منه الطلاق ... واجابني محسن الي طلبي بعد ان ترجاني وتوسل الي الا افضحه ... كانت هذه أول مرة ارى وجه محسن الاخر .. الوجه الضعيف ... الوجه الذليل.

ليتني رأيته يا غادة منذ زمن، لكنت اختصرت على نفسي سنوات كثيرة ... سنوات من العذاب والألم ... وعدت محسن ألا اكشف سره الكريه ذو الرائحة النتنة ... ليس لأجله ولكن لأجل ابنتي، ومن يومها وانا اضع كل همي في الأكل حتى أصبحت كما رأيتني ... حطام امرأة.

هذه قصتي يا غادة ... هل تراني قد أخطأت بستره ؟؟ ام كان علي كشف سره حتى لا يتأذى منه احد ؟؟ ..

غادة انني بالفعل اعيش في عذاب ضمير .. ولا اعرف هل انا أخطأت ام اصبت.

اخاف ان ينتقم الله ... المنتقم الجبار ... من ابنتي ... ثمرة حياتي.

غادة بدر