#غادة_بدر تكتب: ماتت منى ليعيش محمود ابو الرجال

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 


تأبى أن تصحو من نومها ... ولما تصحو ؟ ... فلقد باتت ايامها كلها متشابهة ..

أيام كئيبة مغلفة بنكهة النكد يومي ... ساعدتها شحنة الكآبة التي تغلف حياتها على ان تكره الحياة وتتمنى الموت كل لحظة ... فأصبح جل أحلامها ان يتركوها لتموت في سلام ... ان يتركوها لتلملم اشلائها المبعثرة وترحل تاركة له كل هذا العالم بجحيمه ... ولكن حتى هذا الحلم يستخسر ان تنعم به.

صحت منى من نومها، وعلى غير العادة كانت السعادة بادية على وجهها ... فلقد رأت حلما في منامها.

كان بطل الحلم هو زوجها، وعلى غير العادة كان طيب الروح حنون القلب، سارع بإصطحابها للطبيب بعد ان كررت له شكواها بشعورها الدائم بالأرهاق وان الصداع اصبح لا يفارق لحظات يومها.

طلب الدكتور منهم الكثير من الفحوصات الطبية، والتي أسفرت في النهاية عن اكتشاف مرضها بالمرض الخبيث ... المرض الذي يخشاه ويهابه الجميع ويحسب حسابه الكبير قبل الصغير ... وليس هذا فقط بل اضاف ان مرضها قد وصل الي مراحله الأخيرة، وللأسف لن يتبقى لها في هذه الحياة سوى أشهر معدودة.

العجيب ان المرض الذي كان يخشاه الجميع استقبلته منى استقبال الفاتحين، وكأنها كانت في انتظاره منذ سنين وهذا فعلا كان شعور منى ... فمنى كانت تتمنى الموت وتنتظره متلهفة.

صرخت منى في وجه الطبيب ... صرخة كلها سعادة ... فأخيرا رضا الله عنها ... وسينتشلها من هذا الجحيم ...

وأثناء احتفالها بتمكن المرض منها واستفحاله فيها ... صحت منى من نومها مفزوعة على صراخ محمود.

وهكذا اكتشفت ان كل هذه السعادة كانت مجرد احلام في احلام ... وعلى الرغم من ذلك رسم الحلم على وجه منى شبه ابتسامة واعطاها دفعة من التفاؤل والأمل ... الأمل في ان تنتهي اوجاعها في يومآ ما.

ظلت منى للحظات تنظر نظرات حالمة ... تحاول ان تستكمل حلمها وتحوله إلي احلام اليقظة ... ولكن محمود كعادته يأبى لها ان تنعم بلحظات من السعادة، فيقطع عليها حبل السعادة الوهمي بأستكمال صراخه.

محمود: أيه العيشة دي يا هانم... انتم فاكرين نفسكم عايشين في زريبة
منى تصحو من حلمها: هو في اية يا محمود ... اية اللي حصل على الصبح؟
محمود: يا هانم ابنك اللي انتي مش عارفة تربيه ولا حتى تعلميه انه يبقى بني ادم !!!
محمود ضاربا كف على كف: انا بتكلم بقول اية .. انا بحلم ولا ايه.... هتعلميه ازاي النضافة ... مش لما تتعلميها انتي الاول... دي ما بقتش عيشة.
منى: في ايه يا محمود ايه اللي حصل.
محمود: يا هانم ابنك حلق دقنه قبل ما يروح شغله. وبدل ما يشيل قرفه ... رماه في الحوض.
منى: بسبطة ... حصل خير هروح انضفه
محمود: تنضفي ايه يا هانم ...ما هو حضرتك نايمة لحد الضهر وسايبة البيت يضرب يقلب .. الماسورة بتاعة الهباب الحوض اتسدت والمية غرقت الدنيا وجبت السباك ولهف ٣٠٠ جنية على الصبح كل ده وجنابك نايمة ولا همك .. دى عيشة بقت هباب.

منى لسة هترد وتقول ضهر ايه ده الساعة لسة ما جتش عشرة الصبح
الا ان محمود خرج رازعا الباب وراءه

جلست منى وداخلها يعتصر ... يعتصر ذكريات حياة زوجية عمرها خمسة وعشرون عاما ...حياة لم تر فيها يوما واحد حلو ... تذكرت منى اول خلاف زوجي بينهم .. الخلاف الذي تطاول فيه محمود عليها باليد .. تتذكره منى جيدا فقد كان ذلك في شهر العسل ... عندما صحى محمود من نومه ولم يجدها قد حضرت له وجبة الأفطار ... وكلمة من هنا وكلمة من هناك ... مد محمود يده عليه ... فقد أراد أن يدبح لها القطة من اولها ..

وبعد ان رأي محمود انهار الدموع في عينيها بدأ في إعطائها اول محاضرة عن واجباتها الزوجية نحوه وكيف ان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا) وعلى هذا لابد لها من الطاعة العمياء والا تجادل في شىء والا ستنام الملائكة تلعن فيها !!!

هكذا سمم محمود حياتهم الزوجيه منذ بدايتها ...كان يسممها بجداول طويلة عن حقوق الزوجة تجاه زوجها في الإسلام، ولم يذكر لها يوما ان للزوج حقوق تجاه زوجته...فشعرت معه انها عبدة وليست زوجة او شريكة حياة ...

تزوجت اختها الصغرى فأصبحت تراها هي وزوجها وتقارن بين حياتها وحياتهم فتشعر داخلها بالغصة ... غصة تجعلها تخاف ان تحسد اختها على ضحكة صافية مع زوجها ... ثم تتعجب كيف لزوجها يأخذ برأيها ويشاورها في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم ...فقد كانت تعتقد أن الزوجة مكانها هو الخدمة فقط.

مرت الأيام بمرارها .... ومن ثم وهبهم الله الاولاد وبدل ان يضيفوا البسمة لحياتها . ..اضافوا الي حياتها مصدراً جديداً من التهديد والقلق ... القلق لأن زوجها كان يهددها بضربهم وتركهم بدون طعام لبضعة ايام ... التهديد لأن زوجها كان يهدد بحرمانهم من المصروف وساعات اخرى يهدد بأخراجهم من مدارسهم ... وهكذا عاشت حياتها معه في تهديد ووعيد.

تمر ايام اخرى كلها مرار في مرار ... وبعد اطمئنانها على زواج ابنتها الكبرى وتخرج الابن من الجامعة ... تشعر مني أن لا احد اصبح يحتاج لها الان، ومن يومها بدأت تراودها احلام المرض والموت واحلام اخرى كلها هروب في هروب.

في أثناء رحلة الذكريات سمعت صوت الباب يفتح بالمفتاح ... انتفضت منى مفزوعة من مكانها، فمن المؤكد ان محمود قد عاد وقطعا سيؤنبها على الجلوس مسترخية دون شغلة او مشغلة ..

فالعام الاخير لحياتها تضاعف حجم الجحيم الذي تحيا فيه... خروج محمود على المعاش وزواج ابنتها كان اكبر كارثة في حياتها فقد تفرغ محمود لأفراغ كل طاقته فيها هي وابنها.

وبعد ان كانت تلتقط أنفاسها وتستريح بعض الوقت بنهار اليوم أثناء انشغاله في العمل... الأن أصبح النهار والليل أوجاع في أوجاع.

محمود: قومي يا هانم البسي خلينا نلحق نسافر القاهرة ... نروح نشق على شقة مدينة نصر ونرجع قبل الليل ما يليل علينا... انتي عارفة اني ما يحبش اسوق بليل.
محمود، بعد ان تدخل مني غرفتها لتجهيز نفسها، يكمل بصوت عالي: يا هانم ما تنسيش تجيبي معاكي جلابية قديمة تنظفي بيها الشقة.

منى ذات الخمسين خريفآ ... تسارع بأرتداء ملابسها وفي عجلة من أمرها تنسى احضار زجاجات المياة معها.

وبعد دخولهم القاهرة .... أراد محمود شرب مياة ... فسأل منى ان تناوله زجاجة مياة وعندما ردت منى بأنها قد نسيت ان تحضر المياة معهم ... بدأ محمود من جديد سيلآ من السباب والشتائم وتوجيه اللوم لمنى بانها ست بيت فاشلة، وان حظه العاثر قد اوقعه في هذه الزوجة .. ولم ينس ان يذكرها بالثلاثمائة جنية التي دفعهم للسباك في الصباح بسبب قذارتها هي وابنها.

فجاءة منى تخرج عن صمتها وتصرخ فيه .. وتطلب منه ان يبتعد عنها ويطلقها ويحررها من هذه الزيجة التعسة التي لم تر فيها يوما واحدا حلو.

طلبت منى كل ذلك بصوت عالي قوي فيه اصرار عجيب لم يعهده محمود فيها، واضافت ان الافضل لهم ان كل واحد يروح لحاله ... لم يتمالك محمود نفسه. .. فما كان منه سوى ان ضربها بالقلم على وجهها ثم انهال بالضرب والركل فيها ... فبدأت منى تنتحب وتبكي.
يفكر محمود وهو يقود سيارته على طريق الدائري باشياء لم تخطر على باله يوما .. منى بدأت تفكر بالطلاق ... منى تريد ان تتحرر منه ... صوت منى كان ملئ بالأصرار ... منى ممكن ان تتركه بالفعل فلا شىء اصبح يربطها به الان، فأبنتهم قد تزوجت وابنهم انتهى من دراسته وتوظف بالفعل وبدء في الاعتماد على نفسه.

فكر محمود مرة اخرى مع من سيخرج شحنة الغضب والعجز المكنون داخله ... فجاءة تدارك محمود الموقف فقرر ان يلطف الأجواء.
صف محمود سيارته بجوار بائع البطاطا الواقف بعربته على قارعة الطريق الدائري، وأجبر منى على النزول معه لشراء البطاطا التي تعشقها ... نظرت منى لمحمود نظرة كلها انكسار وخوف، نزلت معه ... وبعد ان اشترى لها البطاطا سألته بصوت منكسر ان يشتري لها أيضا زجاجة مياة، وعندما أدار محمود له ظهرها ...قررت منى في لحظة شجاعة انها لن تنتظر الموت في الاحلام.

غافلت محمود وألقت بنفسها من أعلى الدائري، لتسقط جثة هامدة في الحال.

ماتت منى وعاش محمود ابو الرجال ..

#حدث_بالفعل

اصدقائي ..

لنتخيل معا .قدر المعاناة التي عاشتها منى مع محمود ... المعاناة اليومية التي دفعت امرأة في الخمسين من عمرها ان تفرط في حياتها وتنتحر وتخسر اخرتها كما خسرت دنيتها.

ادعو الله لمنى الايحتسبها من الكافرين

غادة بدر