#غادة_بدر نكتب: نجاح على ورقة طلاق

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

 

هذه الحياة عجيبة غريبة .. تجدها لا تجود على الانسان بكل ما يتمناه ... ولذا أصدقائي لابد من بدايات واضحة ومحددة يحدد من خلالها الإنسان ما يريده بالفعل من هذه الحياة ... او بمعنى ادق أولوياته فيها.

اصدقائي ثقوا فيما اقول: محال ان تنالوا كل ما تبغون او ما تتمنون فهذا هو حال الدنيا.

في الصيف، وبالأخص في موسم التنزيلات، تزدحم الأسواق والمولات بالزبائن ... فالكل حريص على شراء هدايا السفر بأسعار مخفضة ومناسبة ... وقتها يكون الحصول على مكان في باركنج الموول اشبه بالمعجزة، ولذا فعندما وجدت المكان احسست باللي لقى لقية.

ولكن بنظرة سريعة إلي الخلف لمحت سيارة تقف من بعيد داخلها سيدة تعطى اشارة الإنتظار لسيارتها من على بعد كيلو تقريبا ... اه والله زي ما بقولكم ... المهم عملت من بنها وبدأت بالألتفاف الي اليمين والدخول إلى مكان الركنة ... فوجئت بأختنا اياها تقود سيارتها بسرعة البرق وتكسر علي حتى كادت ان تهشم سيارتي، وذلك حتى تسبقني في الركن ... المهم حصلت الهوشة الحريمي، وفي النهاية ترجلت من سيارتي حتى اتمكن من خوض المعركة بشكل مناسب.

ولكن اذ بي فجاءة اترك لها المكان عن طيب خاطر، فقد اكتشفت انها صديقة قد طال بينا الفراق لأكثر من عشرة اعوام ... واخيرا نتفق على التلاقي بعد ساعتين من التسوق في احدى مقاهي الموول للثرثرة حول احوالنا وما آلى اليه مصيرنا.

اخيرا التقي انا ونهلة بعد فراق طويل ... تحضن احدانا الاخرى وتعتصرها مع اكياس الشوبنج التى تحملها،
ونجلس لتعرف كل منا اخبار الاخرى.

بداية، وحتى تعلموا قصتي انا ونهلة، فهى تصغرني بعدة أعوام، ولكن صداقتنا صداقة قوية بحكم الجيرة التي طالت بيننا لأكثر من خمسة أعوام ... لذا كان لي مع نهلة الكثير من الذكريات معا ... المهم انتقلت وتركت البناية وظلت نهلة في قلبي وعلى اتصال وتواصل لمدة ثلاثة اعوام اخرى، ثم أخذتنا الحياة كل إلي عالمه، وتاهت منى نهلة وتغير رقمها وضاع رقمي منها .. وكثيرا ما كنت اتذكرها واسرح وافكر ترى اين هي واين وصلت فى الحياة، فكثيرا ما كانت تأتيني باكية شاكية زوجها عمر.

وهكذا التقينا انا ونهلة وبيننا فناجين النسكافية، وبدأت انا كعادتي المتطفلة اسأل نهلة – أخبارك أية يا بنت
نهلة: اتطلقت من عمر

انا: نعم ... بلاش هزار بايخ يا بنت ... عارفة انك بتموتي في الهزار ... الطلاق خط احمر يا نهلة.

نهلة وهي تحاول ان تحبس دمعة تكاد ان تهرب من عينيها وبصوت مخنوق ترد: والله ما بهزر

انا اربت على يديها واكاد احتضنها بعيني: ليه؟ ايه اللي حصل احكيلي؟

نهلة: انتي عارفة كويس اني اتولدت هنا وطول عمري عايشة هنا مع ماما وبابا وأخواتي، واتجوزت عمر ضد رغبة بابا ... لأنه كان عارف كويس ان عمر مالوش مستقبل هنا. وكل ما توقعه بابا حصل ... كانت حالتنا المادية صعبة جدا فعمر بالرغم من حصوله على بكالوريس تجارة متوفقش في شغلانة غير مندوب مبيعات بمحل للأدوات المنزلية، وكان راتبه طبعا لا يكفي لتأمين ما يلزمنا من حياة تحت المستوى العادي ... انتي اكيد فاكرة كويس خناقتنا اليومية على الفلوس وفاكرة كمان ان وقتها طلبت من عمر اني اشتغل في اي مكتب محاماة بشهادة الحقوق اللي معايا بدل ما انا مبروزاها على الحيطة ... ولكنه رفض تماما وأكد لي أنه سيهتم بي كما يجب.

وطبعا عارفة كمان ان بعد زواجنا بسنة خلفت بنتي الأولى شهد وكنت طايرة من الفرح ... اللي ما تعرفهوش بقى ياغادة ان الفرحة دي كانت مخبية وراها حاجات كتيرة، فماما كانت بتزورني كل يوم وكانت بتهتم كتير بشهد واشترت لها كل حاجة ناقصها تقريبا ... حفاظات، كرسي للبيبي، سرير، حتى حوض الحمام اللي بتستحمى فيه اشترتهولي ... وده طبعا أزعج عمر جدا .... لأنه كعادته شك في نوايا ماما وافتكر انها بتحاول تظهر تقصيره من ناحيتنا، مع ان والله انتي عارفة ماما قد ايه طيبه وده استحالة يكون قصدها.

المهم لم أدخل في أي جدال معه لأنني كنت سعيدة أن شهد بقى عندها كل حاجة. ولكن سرعان ما بدأ إنزعاج عمر يؤثر على علاقتي بأبي وأمي، فقرر فجأة مقاطعتهم والا يزورهم ... كما حرم دخولهم منزلنا ايضا، ولكن الحق يقال سمح لي بأن ازورهم فبدأت ازورهم وحدي بدونه.

انا مقطبة حاجباي: غريبة قوي ... بس انتي ما كنتيش حكيالي كل ده
نهلة: في الوقت ده انتي كنتي سبتي البيت
انا: اه بس احنا كنا لسة بنكلم في التليفون ... ليه ما حكيتيليش؟
نهلة: اللي كان بيحصل ما كان بينحكي

نهلة تكمل حديثها: المهم عندما قرر عمر الا يدخل بيتنا اي شىء من بيت ماما بات منزلنا كخيام اللاجئين ... قلت افكره ... فقلت له حبيبي انت ناسي اني معايا شهادة جامعية زيك ومش بس كدة دي شهادة محاماة ... أنا لم أولد فقط لأكون زوجة أو أم ... أنا أيضاً إمرأة يحقّ لها تحقيق ذاتها.

يرد عمر بغلاظة: قلت لكِ مافيش شغل يعني مافيش شغل.

المهم فجاءة لقيت نفسي حامل تاني ... عمر فرح جدا ... علشان أتلهي عنه بحاجة جديدة ... بصراحة انا كنت عايزة انزله ... ازاي هنأكله ونشربه ... ده احنا يدوب عايشين على الكفاف ... المهم في الاخر استحرمت انزله.

وهكذا ولدت بنتي الثانية، ولكن هذه المرة لم تحصل على إهتمام ماما اليومي فقد حرم عمر على ماما دخول بيتنا ... وشعرت بتعب كبير وحيرة في تدبير أموري، فكان مِن شبه المستحيل أن آخذ الطفلتين إلى أهلي كل يوم وأرجع بيهم بليل للبيت. لذا قررت البقاء في البيت وأشيل همي لوحدي.

أما عمر فلم يتغير عليه شيئاً، فكل يوم يذهب إلى عمله ويرجع منه كالعادة دون أن يفكر في طريقة للحصول على مال أضافي لعائلة اصبحت كبيرة نوعا ما .. وبالطبع لم يسمح لي حتى بالتكلّم معه بأي موضوع متعلّق بالمصروف المتزايد وعاش حياته وكأنّ شيئاً لم يكن. حتى أنا وأنتي كانت اتصالتنا ببعض قد انقطعت وهذا عشت حياتي موحودة.

أستمرت الأمور على حالها حوالي الثلاث سنوات ... حتى إتصل أبي بي وأخبرني أنه وجد لي وظيفة عند محام صاحبه، وأني أستطيع وضع بناتي عند ماما والبدء بالعمل فوراً ... وأضاف أنني أستطيع أخذ سيارته للذهاب للعمل حتى لا أصرف راتبي على التاكسيات.

طبعا طرت من الفرح، بس المشكلة كانت في اقناع عمر ... فكرت في طريقة لإقناعه وبدأت فعلآ عملية غسل مخ له مع حجج وبراهين، بمعنى اصح عملت له قرد حتى أستطعت في النهاية إنتزاع إذنه بالعمل شهراً واحداً فقط، وقلت له لِنرى النتيجة أولآ ونقرر لاحقاً إن كنت سأستمر أم لا.

شكرت السماء على تسهيل أموري وبدأت العمل وقلبي مليء بالأمل بغد أفضل ... وحين جاء الوقت لأقبض أول راتب لي جريت بيه لعمر وقلت له – خد أتصرف فيه زي ما أنت عايز.

بص لي عمر بقرف ورد: مش عايز دي فلوسك انا ماليش دعوة بيها ... ورفض تماما صرف أي فلس من مرتبي وكأنه ملوث، لذا خصصته لبناتي وإحتياجاتهن. وكملت شغل لأنه لم يعترض بشكل صريح ... المهم ساعاتها حمدت ربنا لأن حياتي أخيرآ أخذَت منعطفاً إيجابي وأنّني بدأت بالعيش في مستوى أفضل.

المهم مرت الايام وفي يوم وبعد أن خلصت شغل ونزلت إلى الباركنج لأخذ سيارة ابي، رأيت أضواء سيارة أخرى تتجه نحوي بسرعة فائقة. وقبل أن أستوعب حاجة شعرت بألم كبير في رجلي وسقطت أرضاً وبدأت بالصراخ. نقلت إلى المستشفى وبالأشعة تبين أن رجلي الأتنين أتكسروا. بكيت لأني عرفت أنني مش هاقدر أشتغل وكنت خايفة جدا انهم بستغنوا عني. وجاءت الشرطة لتسألني إن كنت رأيت السائق الذي فر مسرعاً أو نوع المركبة ولوحتها. ولكنني بالفعل لم أرى شيئاً واغلق التحقيق.

ظللت على كرسي متنقّل في منزل اهلي لغاية ما خفيت. ورجعت البيت وأنا أمشي بمساعدة عصاة طبية، وبعد فترة قالي الطبيب أني قربت أخف ... استعديت للعودة إلى العمل ولما عرف عمر باللي في دماغي تحول الي مجنون وبدأ بالصراخ.

عمر: شغل تاني انتي مجنونة احنا مش هنخلص من القرف ده
نهلة: مجنونة؟ لية؟ لأني عايزة بناتي يعيشوا؟
عمر بعلو حسه: انا الرجل! وأنا اللي أهتم بعيلتي ... ملكبش دعوة انتي ... انتي هنا للطبخ والكنس وتربية البنات .. مش للتنطيط في الشغل.
نهلة: طيب لو انت مش قادر تكفي مصاريفنا نموت من الجوع يعني؟؟؟
عمر: محدش بيموت من الجوع.
نهلة بعند: انا هنزل الشغل من بكرة ومش هتقدر تمنعني
عمر: لا اقدر هاكسر رجليك مرة تانية ولكن المرة دي صدقيني مش ها تشفي ابدا
قالها عمر وسكت.

بصتله وبجد غادة خفت أني أكون فهمت غلط ... وداني مقدرتش تصدق ... ده عمر حب السنين ... فسألته: بتقصد ايه يا عمر؟
رد بوقاحة وقالي زي ما فهمتي يا ست المحامية.

وبعد كدة عرفت الحقيقة ... أن عمر هو اللي صدمني بالسيارة بتاعة واحد صاحبه ... المهم حافظت على هدوئي رغم الغضب الشديد وسكت. وأنتظرت تاني يوم ... عمر راح شغله ... طلبت تاكسي وأخدت بناتي ورحت أستخبىت عند ماما. وطبعا حكيت لبابا كل حاجة.

بابا مكدبش خبر اتصل بصديقه المحامي وإستشاره ... وطبعا بدون الدخول في حوارات وتفاصيل ملهاش لازمة اتطلقت من عمر من خمس سنين فاتوا، وزي ما انتي شايفاني كده ... فلة شمعة منورة.

بالفعل كانت نهلة متألقة عن اي وقت رأيتها فيه، على الرغم من مرور الزمن ..

اكملت نهلة حديثها ... انا عايشة حياتي دلوقتي لبناتي ... سعيدة بيهم ... مش حرماهم من اي حاجة ... حققت ذاتي في العمل واصبحت ادير مكتب المحاماة الذي بدأت فيه. وطردت عمر تماما من حياتي وقفلت صفحتي معاه.

واخيرا اصدقائي اجد نفسي حائرة بماذا اجيب نهلة .. فأنا اعرف عمر حق المعرفة واعرف كم هو انسان خلوق ... صعيدي الطبع. لا يقبل ان تعمل زوجته وتصرف عليه وعلى بناته، كما اعرف نهلة جيدا واعلم انها بنت عز واعتادت على الحياة الكريمة المرفهة، وانها لم تفعل شئ خاطئ بالعمل عمل شريف تساعد به زوجها ... فلم تكن نهلة بقادرة على ان ترى بناتها يعانون من شظف الحياة وتقف مكتوفة الأيدي.

وجدت نفسي حائرة .... هل أجيبها: نعم صديقتي انك على حق... اما اعاتبها واقول لها انك لمخطئة فقد كان عليها ان تموت كل يوم بجانب زوج حظه قليل في هذه الحياة ؟؟؟

غادة بدر