#غادة_بدر تكتب: عم رزق .. اسم على غير مسمى

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

 

أحمل مشاعر دفينة تجاه كل شئ يخصني او صادفته بحياتي، سواء كان كائن مادي او حيواني او أنساني ... فأشعر بعد فترة بأنه قد اصبح جزء لا يتجزء مني ... فارتبط به وأجد صعوبة كبيرة في أستبداله بأخر حتى ولو كان أفضل.

أصدقائي الأعزاء اظنني مريضة بالتوحد مع ما احب ..

هزني حادث الحريق الضخم الذي أتي على الأخضر واليابس للمشروع الذي اعمل به ... المشروع الذي يعد مصدر دخل لأكثر من سبعة مائة عامل بشركتي ... كما هزني أكثر مكوث اكثر من خمسمائة عامل في منازلهم لفترة لا نعلم مداها ... خمسمائة عامل مسئولين عن اسر وعائلات تعتمد اعتماداً كلياً عليهم.

اتى الحريق على كل مكونات المشروع، ومن ضمنها كانت غرفة مكتبي التي بذلت مجهوداً كبيراً في انتقاء اثاثها وديكوراتها ... مكتبي الذي مكثت فيها لأكثر من عام ونصف فصار لي وصرت له ... يا الله كم أفتقده وكم اشتاق الي رائحته الزاهرة.

كل هذه الأحداث جعلتني اعيد النظر في اشياء كثيرة بحياتي ... فبعد وفاة والدي ومرارة فراقه التي لازالت كالعلقم في فمي ... لم اختبر بعدها مفارقة ما أقتني او ما أحب ... ولم يحدث ان غادرتني الاشياء المادية الفانية وادارت لي ظهرها هكذا فجاءة وبدون مقدمات او انذار ... وهذا ما حدث بالفعل، عندما احترق مكتبي ورأيته امام عيني رمادا متفحمآ ... ووجدت نفسي على قارعة الطريق خاوية اليدين من كل المظاهر الكدابة.

حزنت كثيرآ ثم استغفرت ربي قلت لنفسي قول الله تعالى:
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}

بعد الحريق كان على ايجاد مكتب ادير منه عملي، فذهبت الي مشروع اخر صغير كان من ضمن قائمة مهام عملي، ولكن للأسف لصغر حجم المشروع لم يكن لي فيه غرفة خاصة او حتى مكتب اجلس عليه ... وهكذا أضطررت ان اشارك مدير المشروع غرفته (الله يجازيه بكل خير) فأصبحت أجلس لساعات طويلة أعمل على طاولة الأجتماع خاصته وعندما يحين وقت الغذاء اذهب لأحتسي كوب النسكافيه بمقهى ستار باكس الشهير بداخل احدى المولات التجارية الفخمة بالكويت.

كنت أرى المول من منظورى يقف شامخآ متفاخرآ بما يحويه من متاجر لأشهر الماركات العالمية - وارى الزبائن الأثرياء يتبارون على أقتناء أحدث المعروضات من الماركات الشهيرة أو بمعنى اصح احدى المظاهر الكدابة – لن اكذب عليكم فقد كنت في صراع داخلي لمقاومة الشراء ... وبالأخص اني لا اعلم ما سيؤول له حال مشروعي ومصدر رزقي. وهكذا فقد عاهدت نفسي ان أخصص ساعة احتساء كوب النسكافية لأختلي بنفسي لأعيد توازنها وارتب فيها تصوراتي الجديدة للامور بعد ان اصابني الحريق المفاجىء ببلبة فكرية.

وفجاءة يرن هاتفي ... رقم غير مسجل لدي

انا: الو مين

عم رزق: انا رزق يا باشمهندسة ... فكراني

انا احاول اتذكره ولكن الذاكرة لاتسعفني: عم رزق عم رزق

عم رزق: انا اللي قابلتك الأسبوع اللي فاتت في الباركنج واخدت منك شنطة الكمبيوتر علشان كان معاكي علبة كحك العيد، حتى بالإمارة اصريتي تديني كحك وبيتفور لما وصلتك فوق ... مع اني قلت لك اني صايم.

انا: اه ازيك يا عم رزق ... ازيك يا راجل يا طيب

عم رزق معندوش صبر فيخش في الموضوع بسرعة: مهندسة غادة انتي عارفة اني بقالي اكتر من عشرين سنة بشتغل في الشركة وراتبي ما زادش ولا فلس يوميتي زي ما هي.

انا اعقد حاجبي واقاطع كلام عم رزق: ما هو ما ينفعش يا راجل يا طيب نكلم حد في زيادة في الايام السودا دي ... انت عارف ان المشروع اتحرق ويا عالم ايه اللي هيحصل لنا.

عم رزق يقاطعني: هو انا مجنون يا باشمهندسة اطلب طلب زي ده ... بس لو ميفهاش رزالة انا ليا سؤال هو احنا هنرجع الشغل امتى.

انا: والله يا عم رزق مش عارفة ... بس اكيد قريب وقريب قوي ... مديرنا قال كدة ما تقلقش .... خلي بالك احنا الأحمدية (اسم الشركة التى نعمل بها) يعني منقعش ابدأ.

عم رزق: برضو مفهمتش يعني امتى ... مهندسة انا عارف انك مهندس البرامج بتاعة الشركة كلها وانتي اللي عندك كل المواعيد وكلهم بيثقوا في مواعيدك ... قوليلي وانا مش هقول لحد... صدقيني.

أنا: صدقني انت ياعم رزق ... انا معرفش بس أنشأ الله قريب ... فرجه قريب.

عم رزق مقطبآ حاجبيه: طيب وانا اعمل ايه ... ده انا لو ما قبضتش الشهر ده عيالي يتشردوا ... تعرفي يا باشمهندسة انا باخد كام ..

انا: عارفة يا عم رزق مش محتاج تقول ... اكيد زيك زي غيرك ... يعني مش اكتر من مية وخمسين دينار.

عم رزق: عارفة دول بعيش ببهم ازاي ... نصهم بيتصرفوا هنا ما بين سكن واكل ومواصلات ونصهم ببعتهم لمصر.

أنا اقاطعه: ربنا يبارك ليك فيهم

عم رزق: هو انا قلت حاجة ..ولا اعترضت.. ما انا كنت راضي وحامد ربي وبايس ايدي وش وضهر ... عمرك شفتيني جيت لحضرتك وسألتك تتوسطيلي في زيادة ... بس انت عارفة نص الراتب اللي ببعته مصر ده بيتصرف على ايه ... الف ومتين جنية بيتصرفوا على علاج امي لوحدها والباقي مصاريف مراتي وولادي اللي في المدارس والجامعات.

طيب العيال مش مهم ياكلوا او ياكلوا طوب ... بس امي تموت يا باشمهندسة لو مخدتش العلاج.

انا: في حالة صمت وكأن لساني قد أنقطع

عم رزق مستكملآ كلامه: مهندسة غادة ممكن طلب ... انتوا كنتوا بتلموا كل شهر عشرة دينار لكل واحد حاسين انه محتاج مساعدة وظروفه صعبة ... انا عارف انها مساعدة منكم ...

انا: اتفضل يا عم رزق انت تؤمر

عم رزق: ممكن تحطي اسمي في ورقة توزيع الفلوس ... علشان اقدر اجيب دوا امي الشهر الجاي

انا:عينيا يا عم رزق

عم رزق: مهندسة غادة طلب كمان اخير ... احلفي انك ما تعرفيش امتى هنرجع الشغل

انا بتعب ودموعي على وشك الأنهمار: والله ما اعرف يا عم رزق

كان عم رزق الراجل الطيب ...بعد كل جملة يلحقها بجملة ... اكيد يا باشمهندسة ما بزعجكيش ... بصراحة يا عم رزق انت ازعجتني وطيرت النوم من عيني، فأنا كنت ابكي ضياع اطلالي واشياء مادية ومتاع للدنيا لا قيمة له ... كلها كماليات لا ضرورة لها ولن اموت اذا لم تتواجد في حياتي... كانت مجرد روائح عطرة لحياتي ... وانت تبكي ضروريات واساسيات مهمة للحياة .... عم رزق ...كم شعرت بك إلي جانبي عملاقآ.

الله يجازيك يا عم رزق فقد بلبلت افكاري أكثر مما هي مبلبلة.

ويظل الحنين يراودني للمرحومة غرفة مكتبي المحترقة.

غادة بدر