#نبيل_النجار يكتب: خريف الأرض وأنياب السماء

كتب بواسطة: نبيل النجار في . القسم انسانيات



فى مجتمع العمل تجد الشىء ونقيضه ، قلوب متحجره لا تعرف سوى المال وسيلة للحياة بدون القيم والإنسانيات ، وقلوب أخرى قتل الضمير طموحها ووهن جسدها من أجل راتب زهيد يكفى لإشباع لقمة عيش وبيت يسكن تحت جدرانه طبقة متوسطه من البشر ... هم ملح الأرض وطينها.

تلك الطبقه أصبحت بصدد أن تتلاشى بل وأصبحت قيد التلاشى والذوبان داخل جرف فى الصخر الذى يحمل سواعد الحياة ... هل هذا هو واقعنا ؟ وهل هذه هى المعادلة التى حيرت علماء النفس وأطباء القلوب ؟؟ تهوى وتخر أنفس أمام أنفس ليكون المال هو القوة والسلطه التى يشتد بها عضد أشباح الغابة وضباعها أمام الفرائس وتذل بها أقوام آخرين.

أدركت أن لغة المال تحكمها المصالح ، العملو ، وقلب البشر لا يساع لأحد بينما قلب الله منفتح على مصراعية لمن أراد أن يسكن فى قلبة الرضا والسعادو ، لم أتخيل يوما ما أن أرى موقفا كهذا.

حكى لى زوج أختى يوما ما عن مقابلة فى العمل عنده لأحد راغبى الالتحاق بوظيفة، وقال لى أنه لم يكن لدينا فرص عمل فى ذلك الوقت ولكن صاحب العمل طلب من هذا الشخص أن يضع إصبعه على الأرض ويلف حوله ... ثم قال له بعدها ليس لدينا فرصة عمل !!! ... أى ذل كهذا وأى مهانة كتلك.

أما الموقف الذى استثارنى فعلا كان حين رأيت صديقى فى العمل لأول مرة يبكى من الضجر والمهانة وعدم التقدير، اعتراضا على الإسلوب السيىء فى المعاملة من صاحب العمل ، فلأول مرة أرى هذا الموقف، وكأنما كان على رأسى طير أو عجز لسانى عن النطق من وقع الصدمة.

وخلال الحديث معه كنت أشاهد العمل وكأنه ساحة حياتية تجمع بين المال والنفاق والطيبة والكذب ، يحترم فيه رواد العمل الشخص اللبق الذى لديه سرعة رد ولا يضع نفسه تحت المسئولية بذكاء شديد، حتى ولو كان كاذبا.

كذلك الشخص الثرثار ناقل الأسرار، ووظيفته التجسس ونقل المعلومات لصاحب العمل ..

واللص الذى يسرق كثيرا ويوفر لصاحب العمل ربحاً مناسباً ..

أما صاحب الضمير السوى ، الصادق ، سليم النية ، فهو المنبوذ المتعب فى العمل ، يظل داخل الساقية ينشط عند أول الرحلة حتى ينهكه التعب فى نهاية المطاف ويتم إبادته مثل خيل الحكومة.

أصدقائى ..
تعلمت من العمل بذل القدر الكافى من الجهد على قدر حاجة العمل ، واختيار الوقت المناسب لبذل الجهد الإضافي ، وايضا تعلمت الحكمة فى تحليل رؤية الشخصيات المختلفة وإدراك ما يريدونه هم وليس ما أريده أنا ، هنا تكمن بؤرة التركيز.

تعلمت ان التفوق ليس بكثرة العمل ... ولكن التفوق هنا، فى مصر، يتلخص فى كيفية إرضاء أرباب العمل دون أن تخسر نفسك ... أن تجعل منهم مرآة لك تعكس قدرتك الشخصية والذاتية فى الإقناع والإستحواذ وإدارة الأمور، لتخرج منهم رد فعل تستطيع أن تواجهه دون أن يهينك أو يلقى بوابله عليك ايهم ... فآليات الإقناع أقوى وأهم من أى جهد مبذول.

هكذا الحال فى مصر ..

وقد ذكرنى هذا الحال بمقولة الأم البسيطه لإبنها حينما أرادها أن تدعو له فرفعت يدها للسماء وهى تقول " رزقك الله حظا يخدمك به ذوى العقول ، ولا رزقك الله عقلا تخدم به ذوى الحظوظ " .

للأسف صحيفة العلم والعقل واراها تراب الأرض داخل مدونات من الإهمال والجهل ، كما سمعت فى مسلسل الفجالة (أرض الكتب ) حينما أحرقت الكتب ، فأصاب العقل الشرود لأنه لم يجد من يفهمه.

والآن أصبح صاحب المال هو القائد وخطيب المنبر الذى سرق العقول التى تريد فقط أن تستغل ما وراء الكلمات بالتطبيل والتصفيق الحاد، ولكن لا يهمها نبض الكلمات وجوهر المعنى وصدق النية وسلامة النفس.

لتصبح أرض الكتب سرابا ينتظرها أصحاب الشقاء لتنقذهم مما يعانون منه، ولكن سرعان ما يشتد حر خريف إصفرت له لون الأرض غلا وحقدا، لتحمل ترابا فى سماء تسكنها رياح خماسينية، من مال صار فى مجتمع العمل مثل أنياب سماء الخريف، التى تأكل كل ما يحمل لون الطبيعة والسحر الأخضر.

نبيل النجار